زهايمر جدتي ج1 للكاتبة نرمين عادل همام
ج1
“خدي يا فاشلة.. جدتك أهي، أهو يمكن تنفعي في حاجة لأول مرة في حياتك وتكفري عن خيبتك!”
الجملة القاسية دي كانت أول حاجة صحيت وفتحت عيني عليها الساعة 7 الصبح بالتمام، وأنا لسه بفرك في عيني من أثر النوم، ولابسه هدوم البيت البسيطة، وواقفة على باب شقتي مذهولة ومش مستوعبة. كنت أصلاً صاحية بدري ومستنية جارتي عشان تطل عليا، بس أول ما فتحت الباب لقيت قدامي ستي.. أم أبويا!
كانت واقفة على بسطة السلم بره وبترتعش من طول الوقفة، ملامحها مشوشة وتايهة، ولابسة في رجليها شبشب بيت قديم ومقطع. شعرها الأبيض الصافي كان منكوش ومتبهدل على وشها، وجنبها على الأرض شنطة هدوم قديمة ومكسورة السوستة، متبهدلة كأن حد جرّها على السلم ورمى وحشر كل حاجة فيها بمنتهى الإهمال والافترا.
وراها علطول في الشارع تحت، كان خالي عصام قاعد ومتربع جوة عربيته الغالية الشيك والمكيفة، مكسل ومستخسر حتى ينزل من العربية يسلم عليا أو يطمن على أمه. ومراته عبير كانت ساندة دراعها من شباك العربية بروقان، ولابسة نضارة شمس سوداء ماليين وشها، وباصة للمكان وشكلها قرفان ومتعالي كالعادة بتاعتها وسخريتها.
وقفت مكاني متخشبة، مابتحركش ولا بنطق من صدمة المنظر. ستي أول ما شافتني فتحت الباب، بصت لي بعيون مرعوبة وخايفة زي العيال الصغيرة، وقربت مني بسرعة ومسكت بإيديها اللي بترتعش في كم القميص بتاعي وتتشبث فيه كأنها بتموت. همست لي بصوت مخنوق ومرعوب:
— “يا حبيبتي يا دنيا.. هما ليه مش عاوزين يدخلوني بيتي؟ هما واخديني على فين يا بنتي؟”
في اللحظة دي قلبي سقط في رجلي وحسيت بنغزة مّوت. بصيت لخالي عصام جوة العربية بذهول تام وصرخت بصوت عالي: — “يعني إيه جبتوها هنا في الساعادي ورميتوها كدة؟ إيه اللي بيحصل ده بالظبط؟ وفيه إيه يا خالي فهموني؟”
عبير مراته طلعت ضحكة باردة ومستفزة من ورا الشباك، وقالت بمنتهى القسوة والجفاء اللي في الدنيا: — “بعنا البيت خلاص يا دنيا.. بعنا كل حاجة وخلصنا من الصداع ده! الست دي كانت بتسحب فلوس بالكوم مابتخلصش؛ ممرضات، ودكاترة، وحفاضات كبار، ومشاكل ليل نهار وقرف..
هي وقعت وبصمت على الورق خلاص وبقت الأرض والبيت ملكنا، ومن اللحظة دي ومن الدقيقة دي.. هي مسؤوليتك إنتي بقا، شبعي بيها!” بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
حسيت بدمي بيغلي في عروقي ونار قادت في صدري، بعتوا بيتها وورثها اللي حيلتها؟ خالي عصام من جوه العربية حدف لي من الشباك ظرف ورق مجعد ومكرمش على عتبة الباب، كأنه بيرمي كيس زبالة مش ورق أمه، وقالي ببرود: — “أهي وقعت على البيع.. وده كل اللي يهمنا في الليلة دي.”
ستي اتنفضت وجسمها اتعصر من صوت حدفة الظرف على الأرض وخافت. وبعدها عبير مراته كملت وقالت الجملة السم اللي لسه بترن في ودني وبتدبحني لحد النهاردة:
— “إحنا طالعين الساحل النهاردة نصيف ونفك عن نفسنا.. شيلي شيلتك بقى يا شاطرة، ورينا هتعملي إيه.”
ودوروا العربية علطول، وداسوا بنزين ومشيوا في ثانية. بمنتهى البساطة، ومن غير ما يتهز فيهم شعور بالذنب، وهما بيضحكوا وبيتريقوا عليا! سابوني واقفة بطولي على بلاط الطرقة المكسر والباهت في بيتي المتواضع، ومعايا ستي التايهة المسك..ينة اللي مش دريانة بالدنيا، وشنطة مكسورة الظهر، وكمية غل، وحرقة دم، وقهر في قلبي عمري في حياتي كلها ما حسيت بيها ولا عشتها قبل كدة من أقرب الناس.
أخدت نفسي بالعافية، ودخلتها جوا الشقة وقفلت الباب. قعدتها بالراحة على أحسن وأقرب كرسي عندي في الصالة عشان ترتاح. ودخلت المطبخ علطول وعملت لها كوباية قهوة بلبن دافية تظبط دماغها وتدفيها، رغم إن الحقيقة المرة إن مكنش في فيزتي ولا جيبي كله غير 200 جنيه بس، والوصولات والديون عليا بالهبل ومابتنتهيش.
أول أسبوع عشته معاها كان أسبوع أسود وهيدمرني ويقضي على أعصابي بالكامل. كانت بتصحى فجأة في نص الليل تصرخ وتصوت بهستيريا ورعب والبيت ضلمة.
ساعات تفوق وتسألني بدموع على جدي وتفتكره عايش، مع إنه ميت وشبع موت من 15 سنة! وساعات تبرق في وشي وتبص لي كأني واحدة غريبة، وخايفة، وداخلة تسرقها وتؤذيها وتزعق فيا، وساعات كانت بتبكي وتمسك في رجلي وتشحت مني وبترجاني إن دول ماياخدوهاش تاني معاهم ولا يرموها في العربية.
أنا طبيعة شغلي وعيشتي إنني بشتغل من البيت أونلاين؛ ببيع عبايات وإسدالات حريمي على النت، ويادوب القرشين اللي بيطلعوا منها بيغطوا إيجار الشقة بالعافية ومصاريف أكلي.
فجأة وبدون أي مقدمات، بقيت مسؤولة ومحتاجة مصاريف دواء غالي، وحفاضات كبار سن، وكشوفات دكاترة، وأوراق، وأكل خاص، وكل حاجة زادت فوق دماغي. أكتر من مرة وفي لحظات ضغط وتعب، كنت بمسك التليفون وعايزة أطلب خالي ومراته وأهزقهم وأفرشهم وسط الناس وأقولهم تيجوا تاخدوا أمكم اللي رميتوها دي؛ بس كل مرة كنت بقفل وبراجع نفسي أول ما بشوف وشها المكسور.
نظرتها الميتة وهي واقفة قدام بابي الصبح.. نظرة واحدة كفيلة تعرفني إن الست دي عارفة وحاسة من جواها إنها اترّمت بالباطل وضاعت. فكنت بسكت.. وأكتم في قلبي وأكمل طريقي معاها. بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
في اليوم الرابع بالظبط، حصلت حاجة غريبة شقلبت وغيّرت كل تفكيري وعقلي. كنت قاعدة جمبها على الكنبة وبملأ استمارات وأوراق عشان أطلب وأقدم لها على معاش “تكافل وكرامة” بتاع الحكومة عشان يساعدنا في المصاريف، وفجأة لقيتها مّدت إيدها ومسكت إيدي أنا بقوة. بصيت في وشها، لقيت عينيها كانت صافية جداً ورايقة؛ مش تايهة، ولا مشوشة، ولا غايبة زي كل يوم.. عيون واعية وصاحية تماماً وقارية كل حاجة حواليها.
ضغطت بصوابعها العجوزة على صوابعي وجمدت عليهم، وقالت بصوت واطي ومكتوم كأنها مرعوبة وخايفة حد يكون مستخبي ويسمعنا:
— “إنتي حنينة عليا يا دنيا يا بنتي.. هما لأ، هما وحشين.. هما خوفوني أوي ووجعوني عشان أمضي.”
في الثانية دي، حسيت كأن صدري اتفتح ودخل فيه النور، وحاجة تانية جوايا من ناحية خالي وعيلته قفلت بترباس وحديد ومبقاش فيها سماح. في اللحظة دي بالذات، مابقتش شايفه ستي حمل تقيل عليا ولا هم ومصاريف، بقيت شايفة الحقيقة عريانة وزي ما هي بالظبط؛ هما مش بس سابوها ورموها عشان تعبانة، هما اتخلصوا منها بسرعة ولهوجة ولسبب كبير وخبيث هما مدارينه!
بدأت من يومها أقاوم وأتحرك ومستسلمش؛ نزلت وشفت مكتب مساعدة قانونية مجاني مخصص لكبار السن والستات العواجيز، وبدأت الإجراءات الرسمية والقانونية عشان أرفع قض..ية وصايه قانونية عليها وعلى حاجتها.
وجارتي الست فوزية، الست الطيبة اللي عندها 70 سنة ومفتّحة وعارفة الدنيا وخباياها، وعارفة إزاي العيال بينكروا جميل أهلهم ويبيعوهم لما يكبروا في السن، بدأت تقف جمبي وتساعدني، وبتدخل تخلي بالها من ستي وتقعد معاها لما أنزل أقضي مشوار برة أو أسلم شغل العبايات.
واحدة واحدة، وبالمعاملة الطيبة، كل حاجة في البيت بدأت تتغير وتتظبط؛ شوربة دافية على الغدا، راديو قديم شغال جمبها على طول على أغاني زمان، والست، والشوق، ونظام في المواعيد، وصبر طويل.
ولأول مرة من ساعة ما خالي رماها على بابي، ستي بدأ يجيلها أوقات فوقان أكتر بكتير من الأول وصحتها ترد.
وفي الأيام اللي كانت بتفوق فيها دي، كانت بتقعد تبص في الفراغ وتقول كلام غريب وخبيث: — “الأسد اللي واقف على البوابة بيحمي اللي يهمنا وواقف دايماً.. ماتثقيش في العصافير اللي مابتغنيش يا دنيا.. سبعة.. تلاتة.. واحد.. تسعة..”
في الأول خالص قولت لنفسي ده كلام خرف ومرض وتأثير السن والزهايمر، فتافيت حكايات قديمة، لخبطة في الدماغ، وقطع مكسورة مابتركبش على بعضها. لحد ما خالي عصام عرف بالصدفة وبالمحاكم إني بطلب وبرفع قض..ية الوصايه القانونية عليها في المحكمة. لقيت تليفوني بيرن، وأول ما فتحت الخط لقيت خالي بيكلمني وصوته بيغلي ومحروق من الغضب والغل، وقال بتهديد:
— “بقولك إيه يا بت إنتي يا دنيا.. ابعدي عن السكة دي وأقفلي القض..ية دي أحسن لك ولأيامك، إنتي مابتلعبيش مع حد سهل وإحنا هندوسك، فاهمة؟”
المكالمة دي بالذات والتهديد ده، ماخوفنيش ولا هز فيا شعرة؛ بالعكس، دي أكدت لي ووثقت كل شكوكي وظنوني؛ هما مش خايفين على مصلحتها ولا زعلانين عليها، هما مرعوبين وخايفين من اللي ممكن الست دي تفتكره وتقوله في لحظة فوقان! بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بعد شهرين كاملين من اللف والمحاكم والمشاوير، القاضي حكم لي رسمي بالوصايه القانونية عليها وبقيت أنا المسؤولة. يومها، رجعت البيت وفرحت واحتفلت أنا وستي بكوبايتين شاي بقرفة وبسكويت سادة من الدكان البسيط اللي تحتنا في الشارع، لأن ده الصراحة كل اللي كنت أملك تمنه وأقدر أجيبه وأفرحها بيه.
بصت لي وإحنا قاعدين سوا على الطرابيزة وبنشرب الشاي، وبصت في عيني بتركيز وجدية غريبة وعمرها ما ظهرت قبل كدة، وبعدين مالت بجسمها عليا وهمست في ودني بكل وضوح وعقل وصوت صافي: — “البنك الأهلي.. صندوق 739 يا دنيا.”
والله العظيم، في اللحظة دي حسيت الأرض بتهتز وبتتزلزل تحت رجلي والشقة بتلف بيا. ومكنتش أعرف وقتها ولا ييجي في بالي إن أصعب، وألعن، وأبشع جزء في الحكاية والسر لسه بيبدأ الليلة دي..
ليلتها النوم محلفش عليا ولا شفت عيني الراحة واصل؛ كلمة “البنك الأهلي.. صندوق 739” فضلت تلف وتروح وتيجي في دماغي زي سلك كهرباء عريان ومكشوف بيطلع شرار ونار في الضلمة والخوف. قمت مسكت القلم وكتبت الرقم تلات مرات ورا بعض على ضهر وصل كهرباء قديم كان مرمي على المكتب، وحطيت الورقة تحت الموبايل بتاعي عشان تبقى تحت عيني، وكل شوية كنت أقوم من السرير مفزوعة وأقوم أتأكد إن الورقة لسه مكانها ومطارتش. ستي في الأوضة التانية كانت عمالة تتمتم وتهمس بكلام مش مفهوم وهي نايمة في سريرها، وأنا كنت بقوم مخضوضة، مرعوبة وخايفة إن اللحظة الصافية اللي فاقت فيها دي ونطقت بالسر تروح وتتمسح مع أول ضوء شمس يطلع علينا الصبح.
الساعة 8 الصبح بالتمام، كنت واقفة في صالة البنك الكبيرة، وفي إيدي ورق الوصاية، وبطاقة ستي، وفي صدري وجع كاتم على نفسي من كتر الخوف والأمل اللي متلخبطين جوايا. البنك كان التكييف فيه ساقع أوي، والرخام الأبيض بيلمع ببرود يقبض القلب، والست الموظفة اللي قاعدة على مكتب الاستقبال أول ما شافت ستي وهدومها البسيطة بصت لها بصة شفقة تضايق وتوجع النفس.
مدير الفرع قابلنا في مكتبه، مسك حكم المحكمة وقرأه مرتين بتركيز، وأكد لي وقال:
— “أيوة يا فندم، حكم الوصاية مظبوط وصندوق الأمانات رقم 739 موجود باسم جدتك وشغال ومحدش لمسه.”
وبعدين شبك صوابع إيديه في بعض وبص لي ببرود وقال: “بس القانون قانون، مقدرش أسمح لك تفتحيه من غير المفتاح الأصلي بتاع الصندوق.”
في لحظة واحدة، حسيت إن الدنيا اسودت في وشي وكل حاجة رتبت لها بتضيع وبتتهد. ستي في الوقت ده كانت غايبة تماماً، قاعدة بتبص لشجرة زينة محطوطة في ركن مكتب البنك ونازلة تقطيع بأوافرها في طرف كم بلوزتها، تاهت وسرحت تاني ورجعت لغيبوبتها. نزلت على ركبي في الأرض قدامها، ومسكت إيدها وسألتها بالراحة وبحنية:
— “يا ستي.. يا حبيبتي افتكري معايا، فاكرة المفتاح شلتيه فين؟ المفتاح بتاع البنك فين؟” بصت لي وفتحت عينيها وبربشت كذا مرة، وبعدين شفايفها بدأت تتحرك وبصوت خافت يادوب مسموع همست:
— “السبع اللي واقف على البوابة.. حارس الأمانات يا دنيا.”
جسمي كله اتخشب واتشليت في مكاني. الست فوزية جارتي، الطيبة اللي أصرت تيجي معايا ومفارقتنيش، مسكت دراعي جامد وقالت لي بسرعة قبل ما أنطق حرف:
— “بيتها القديم يا دنيا! ده قصدها على البيت الكبير!”
قلبي سقط في رجلي وعصرني الهم، لأن البيت القديم مابقاش بيتها خلاص، وخالي عصام باعه من وراها وقبض تمنه وكأنها مجرد قطعة عفش قديمة رماها في الشارع.
لما رجعنا وركبنا تاكسي وروحنا ناحية البيت القديم، الحتة والشوارع كانت وحشاني أوي وليا فيها ذكريات، بس شكل البيت كان اتغير وبان عليه إيد الغرب؛ السور الخارجي ادهن لون جديد، والورد والشجر اللي جدي كان زارعه اتقص واتهذب، بس السبعين الكبار اللي جدي كان بيعشقهم، تماثيل الأسود المصنوعة من الحديد الزهر التقيل،
لسه واقفين على البوابة بوقارهم وهيبتهم القديمة زي ما سيبتهم من سنين. خبطنا، فـ فتح لنا شاب ومراته هما اللي اشتروا البيت، في الأول كانوا قلقانين ومتوجسين من لمتنا على الباب، بس أول ما وقفت وحكيت لهم بدموع الحكاية كاملة، وإن ستي اترّمت بشنطة مقطوعة واتباع بيتها غدر ولهوجة من ابنها، وشهم اتقلب من الصدمة وبان عليه الغضب الجارف.
الست دخلتنا الصالة بكل ترحيب، وجوزها وقف وقال لنا بنبرة ضيق:
— “والله إحنا حسينا إن فيه حاجة غلط ومش مريحة في البيعة دي، لأن المدعو عصام ده كان مستعجل جداً في الإجراءات وكان بيضغط علينا كل يوم ومستقتل عشان نمضي ومبيديش فرصة نسأل كتير ولا نفتش وراه.” سيبتهم يتكلموا ويحكوا مع الست فوزية، وروحت أنا بسرعة ناحية بوابة البيت؛ وقفت قدام تمثال السبع اللي على الشمال فتشته ملقيتش حاجة، فروحت للسبع اللي على اليمين.. وطيت ومديت إيدي بالراحة تحت قاعدة التمثال الحديد التقيل،
وفجأة صوابعي لمست كيس بلاستيك صغير ومتلزق بـشريط لحام في فتحة صغيرة مستخبية تحت القاعدة ومحدش ياخد باله منها أبداً لو عاش هنا مية سنة.
سحبت الكيس وفتحته، وجوا الكيس كان فيه مفتاح نحاس قديم وصغير ومربوط بشريطة ستان حمراء باهتة من أيام جدي. كنت هضحك بصوت عالي من كتر الصدمة والذهول، بس الضحكة في ثانية قلبت دموع وعياط في سري.
ستي كانت واقفة برة جمب الست فوزية في الجنينة، وفجأة رفعت راسها وبصت لفوق على حيطة الصالة وقالت بصوت واعي:
— “ماتثقيش في العصافير اللي مابتغنيش يا دنيا.” فهمت لغزها وفوراً وكأن عقلي نور، وعرفت إن فيه سر تاني وتكملة للموضوع مستخبي جوة الشقة.
ساعة العصفورة الخشبية القديمة الكبيرة كانت لسه متعلقة في الصالة في مكانها، أصحاب البيت الجداد مشلوهاش؛ الخشب بتاعها كان مطفي وعليه تراب السنين، وعصافيرها خشب واقفين ومابينطقوش ولا بيتحركوا.
جبت كرسي ووقفت عليه ونزلت الساعة بالراحة من على الحيطة، وقلبتها، ولقيت في ضهرها درج سري صغير ومخفي، جدي الله يرحمه كان بيفتحه ويشحمه ويامنه كل سنة وأنا واقفة وأنا عيلة صغيرة بتفرج عليه وبضحك.
مديت صباعي وفتحت الدرج، وجوا السرداب الصغير ده كان فيه مفتاح تاني غريب، وظرف بنك مقفول، وورقة صغيرة مكتوبة بخط ستي المهزوز والضعيف، كانت كاتبة فيها كلمتين يقطعوا القلب: «لو لقيتي الورق ده يا دنيا، يبقى هما غدروا بيا وباعوني قبل ما أقابل ربنا..
صَدقي الورق والمستندات يا بنتي ومش صَدقي الدموع الكدابة..
صَدقي الضنا واللحم اللي صان ورعى، ومش اللي خان الحرمة». وقفت مكاني متخشبة والورقة في إيدي وجسمي كله بيلتفض ورعب الدنيا في قلبي؛ ستي كانت واعية وعارفة ومأمنة كل حاجة! كانت قارية خباثة ونوايا ابنها وعمايل مراته من زمان أوي، ورسمت وخططت بايدها الطريق اللي هيوصل للشخص الوحيد اللي هيصونها ويحمي شيبتها في الآخر….يتبع للجزء الثاني

