ج الاخير حماتي حكايات روماني مكرم
ج الاخير
### سر الصندوق الأسود لـ “أم سيدة”
نظرتُ إلى الملف الكبير الذي وضعه الأستاذ “وجدي” أمامي بقلب يخفق بشدة. كان الملف يحمل غبار السنين، ورائحته تفوح بورق المحاكم القديم. سألته بصوت متحشرج:
* “سر إيه يا أستاذ وجدي؟ وهي أم سيدة مخبية إيه من عشرين سنة يخصنا دلوقتي؟”
اعتدل الأستاذ وجدي في مكتبه، ونظرت إليّ الأستاذة ماجدة التي كانت تتابع الموقف بتركيز شديد. قال وجدي بنبرة هادئة ورصينة:
* “حماتك ‘أم سيدة’ اسمها الحقيقي في البطاقة ‘سيدة عبد الحميد’. من عشرين سنة، وقبل ما شريف وأخته يدركوا الدنيا، كانت بتشتغل دلالة ومسهلة قروض في منطقة شعبية تانية خالص غير منطقتكم الحالية. في الوقت ده، اتهمت في قضية نصب وتسهيل استيلاء على أموال يتامى.. كانت بتشغل فلوس ناس غلابة وتعمل توكيلات مزورة تبيع بيها أراضي وعقارات تابعة لقصر (قاصرين) تحت وصايتها!”
اتسعت عيناي بذهول، وأكمل الأستاذ وجدي وهو يفتح الملف ويشير إلى حكم قضائي قديم:
* “القضية دي لفت ودارت، وقدرت تهرب منها بأعجوبة وبثغرة قانونية بعد ما سددت جزء من المبالغ، وسافرت واختفت، وغيرت محل إقامتها واشترت البيت الجديد وبدأت ترسم دور الست التقية الشريفة صاحبة الأملاك والفلوس. التزوير ده في دمها يا رحاب.. ده مش سلوك جديد عليها، ده تاريخ ممتد. والأسلوب اللي شريف استخدمه عشان يزور إمضاك على بوليصة التأمين ووصاية البنت، هو كوبي بيست (نسخة طبق الأصل) من القضايا القديمة اللي أمه كانت بتعملها!”
قاطعتنا الأستاذة ماجدة وعيناها تلمعان بذكاء المحامين:
* “وده معناه يا رحاب.. إننا مش بس بنحارب شريف في قضية ضرب وتزوير عادية. إحنا معانا المفتاح اللي يهد إمبراطورية ‘أم سيدة’ كلها. المستندات دي لو اتقدمت للنيابة مع بلاغ التزوير الجديد، هثبت للنيابة وللرأي العام إن العيلة دي عندها سوابق واحترافية في تزوير إمضاءات الزوجات والوصاية على الأطفال لغرض الاستيلاء على أموالهم!”
### اللعب تحت الحزام
لم تكن عائلة شريف لتستسلم بسهولة بعد أن تيقنوا أنني لن أتنازل. في عصر اليوم التالي، تلقيت مكالمة هاتفية من شقيقتي رضوى كانت تبكي وتصرخ فيها بهستيريا:
* “الحقينا يا رحاب! البيت بيتهد علينا.. فيه بلطجية تحت بيكسروا في مدخل البيت وبيرموا طوب على الشبابيك، والبوليس اتأخر!”
نزلت الكلمات عليّ كالصاعقة. استأذنت الأستاذ وجدي وجريت بكل ما أوتيت من قوة نحو “شبرا”. طوال الطريق في التاكسي، كنت أدعو الله ألا يصيب ابنتي ياسمين أي مكروه. عندما وصلت، وجدت الشارع متحولاً إلى ساحة حرب مصغرة؛ زجاج مبعثر في كل مكان، وبعض جيراننا الجدعان يقفون بوجوه غاضبة ممسكين بعصي خشبية، بينما هرب المعتدون قبل وصولي بدقائق.
أسرعت بالصعود إلى شقة رضوى. دخلت فوجدت ياسمين مختبئة أسفل السرير وهي ترتعد بالكامل، وتبول في ملابسها من شدة الرعب. احتضنتها وظللت أبكي وأنا أتحسس جسدها الصغير لأتأكد أنها لم تصب بأذى جسدي، لكن الأذى النفسي كان قد حفر مجراه عميقاً في روحها.
قالت لي رضوى وهي تحاول التقاط أنفاسها:
* “أخت جوزك ‘شيرين’ كانت واقفة على أول الشارع مع البلطجية وبتشاور لهم على شقتنا! كانت بتصرخ وبتقول للناس: ‘الست دي سارقة دهب وفلوس من بيتنا ومهرباهم هنا، وإحنا جايين ناخد حقنا بالذراع!’.. دي حرب قذرة يا رحاب، هما مش هيسكتوا إلا لو قتلونا أو خدوا البنت عافية.”
مسحت دموعي بيدي، وشعرت بطاقة غضب تتحول إلى برود قاتل. نظرت إلى ياسمين الخائفة وقلت في نفسي: *”والله لن تضيع دمعة واحدة من عينيكِ يا ياسمين.. وعهد عليّ لأدفّعهم الثمن أضعافاً مضاعفة”*.
### المواجهة الكبرى في النيابة
جاء يوم التحقيق الرسمي في النيابة العامة. كان هذا اليوم هو الفرصة الأولى التي سأرى فيها شريف، وأمه “أم سيدة”، وأخته “شيرين” وجهاً لوجه منذ تلك الليلة المشؤومة التي هربت فيها.
دخلت إلى قاعة الانتظار برفقة الأستاذة ماجدة والأستاذ وجدي الذي صمم على الحضور بنفسه لدعمي. بعد دقائق، دخل شريف تتبعه والدته التي كانت ترتدي عباءة سوداء فاخرة وتتظاهر بالمرض والضعف وتستند على ذراع ابنتها شيرين التي كانت تنظر إليّ بنظرات تقطر سماً وغلًا.
بمجرد أن رأتني “أم سيدة”، حاولت تصنع البكاء وقالت بصوت مسموع لمن في القاعة:
* “حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا شيخة.. خربتي بيت ابني وفضحتينا وسط الناس عشان قلم ربينا بيه البنت؟ دي بنتنا وإحنا أحرار نربيها!”
لم أرد عليها بكلمة واحدة، بل نظرت إليها بابتسامة ثقة بردت نار قلبي. هذه الابتسامة جعلت شيرين تتوتر وتهمس لشريف بشيء ما. أما شريف، فكان ينظر إلى الأرض، عاجزاً عن النظر في عيني مباشرة.
نادى الحاجب على أسمائنا، ودخلنا جميعاً إلى مكتب وكيل النيابة.
بدأ المحقق باستجواب شريف حول واقعة تزوير إمضائي على بوليصة التأمين والوصاية. أنكر شريف تماماً وقال بارتباك واضح:
* “يا فندم دي مراتي وبيني وبينها خلافات وهي اللي وقعت بنفسها، ودلوقتي بتتبلى عليا عشان تضغط عليا في قضية الطلاق والنفقة.”
هنا، تدخل الأستاذ وجدي بهدوء وثقة، وقدم مستنداً رسمياً جديداً للمحقق:
* “سيادة المحقق، نطلب مضاهاة هذا التوقيع ليس فقط بخط يد الموكلة ‘رحاب’، بل نطلب الاستعلام من مصلحة الأحوال المدنية والسجل الجنائي عن القضايا القديمة الخاصة بالمتهمة الثانية ‘سيدة عبد الحميد’ (أم سيدة) المرفقة بالملف الحالي، والتي تثبت تكرار ذات النمط الإجرامي في التزوير والاستيلاء على أموال القصر تحت الوصاية.”
تغيرت ملامح وكيل النيابة تماماً وهو يتفحص المستندات القديمة والجديدة. نظر إلى “أم سيدة” التي تراجع الدم من وجهها وأصبحت شاحبة كالموتى، وبدأت تتلعثم وتحاول الاستناد على المكتب وهي تقول بصوت متقطع:
* “ده.. ده كلام قديم وافتراء يا بيه.. أنا ست شريفة ومليش في الكلام ده!”
صاح وكيل النيابة بحسم هز جدران المكتب:
* “اسكتي خالص! الكلام ده هنا بالورق والمستندات، والنيابة مش هتهاون في حقوق الأطفال ولا في جرائم التزوير.”
ثم وجه حديثه لشيرين بخصوص واقعة التحريض والاعتداء والبلطجة التي حدثت في شبرا، والتي كنا قد وثقناها بمحضر رسمي آخر مدعوم بشهادة جيراننا وتفريغ كاميرات المحلات في الشارع التي رصدت وجهها بوضوح وهي تشير للبلطجية.
انفجرت شيرين في البكاء بهستيرية وقالت وهي تشير إلى والدتها وشقيقها:
* “أنا مليش دعوة يا فندم! هما اللي قالوا لي روحي معاهم عشان نخوفها ونخليها تتنازل عن القضية وتجيب البنت! والله العظيم هما اللي خططوا لكل حاجة!”
ساد الصمت في الغرفة، ونظر شريف إلى شقيقته بذهول بعد أن باعتهم في أول محطة خوفاً من السجن، بينما سقطت “أم سيدة” على الكرسي وهي تتنفس بصعوبة وتدرك أن جبل الفلوس والنفوذ الذي بنته لسنوات بدأ ينهار على رؤوسهم جميعاً.
### مفاجأة تقلب الموازين
أمر وكيل النيابة بتحويل توقيع بوليصة التأمين فوراً إلى الطب الشرعي لإعداد تقرير نهائي بمضاهاة الخطوط، مع التحفظ على شريف ووالدته وشقيقته على ذمة التحقيقات لحين ورود التقرير وفحص السجل الجنائي القديم لـ “أم سيدة”.
خرجنا من النيابة ونحن نشعر بانتصار جزئي كبير، لكن الأستاذ وجدي استوقفني عند باب المبنى وقال بنبرة قلقة:
* “رحاب.. متفرحيش قوي دلوقتي. التحفظ ده مؤقت لغاية ما التقرير يطلع. شريف وعيلته لسة معاهم فلوس، وممكن يهربوا أو يعملوا تصرف مجنون لو حسوا إن حبل المشنقة القانوني بيقرب من رقابهم. لازم نأمن ياسمين ونأمن نفسك كويس جداً الأيام الجاية.”
لم تمر سوى ساعات قليلة على كلمات الأستاذ وجدي، وفي منتصف الليل، رن جرس باب شقة أختي رضوى بعنف شديد. ركضنا نحو الباب بذعر، وعندما فتحنا.. وجدنا شخصاً لم نكن نتوقعه أبداً يقف في الخارج ويلهث بشدة، وعيناه تملأهما الصدمة والرعب، وهو يحمل حقيبة صغيرة سوداء ويقول لنا بنبرة مرتجفة:
* “رحاب.. لازم تهربوا من هنا فوراً.. شريف ناوي على كارثة الليلة دي!”
### الخائن من الداخل
تراجعتُ خطوتين للوراء وأنا أضع يدي على قلبي، بينما وقفت رضوى أمامي تحميني بجسدها وهي تمسك بمكنسة خشبية كانت خلف الباب. الشخص الذي كان يقف يلهث بالخارج لم يكن سوى “محمود”، ابن عم شريف!
محمود كان دائماً الشخص الهادئ والمسالم في عائلتهم، وطالما تجنب صراعاتهم وجبروت “أم سيدة”، لكن وجوده هنا وفي هذا الوقت المتأخر وبيده تلك الحقيبة كان يثير ألف علامة استفهام.
قال محمود بصوت متهدج وهو يتلفت حوله برعب:
* “أرجوكم دخلوني.. مفيش وقت، لو حد من رجال شريف أو أمه شافني هنا هكون في عداد الأموات!”
أشارت له رضوى بالدخول على مضض، وأغلقت الباب بالمزلاج. وقف محمود في الصالة، وألقى بالحقيبة السوداء على الطاولة، ثم التفت إليّ وقال:
* “رحاب.. أنا عارف إنك مبقتيش تأمني لحد من ريحتهم، وبصراحة عندك حق. بس أنا جيت هنا عشان ياسمين.. البنت دي ملهاش ذنب في قذارة عيلتي. شريف وأمه خرجوا بكفالة على ذمة قضية التزوير من كام ساعة.. وخرجوا زي المجانين!”
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يكمل وعيناه تفيضان بالخوف:
* “شريف باع العربية الكبيرة وجمع كل السيولة اللي في حسابات أمه، وناوي يهرب برة البلد.. بس مش لوحده. هما مرتبين مع ناس من المنطقة هنا يراقبوا البيت، وناويين ينفذوا عملية خطف لياسمين الفجر! شريف قال بالحرف الواحد: ‘مش هسيبها تاخد قرش واحد ولا هسيب لها البنت تكسر عيني بيها برة.. هاخد البنت وأسافر، واللي يحصل يحصل’.”
شعرت ببرودة تجري في أطراف جَسدي. نظرت إلى غرفة ياسمين النائمة بالداخل، وشعرت أنني سأفقد عقلي. سألته بذهول:
* “والحقيبة دي فيها إيه يا محمود؟”
فتح محمود سحاب الحقيبة، لتظهر في الداخل رزم من الأوراق الرسمية، وشهادات استثمار، وفلاشة (Flash Drive) سوداء.
* “دي المستندات الأصلية لعمليات غسيل الأموال وتهريب الدولارات اللي كانت أمه بتعملها من خلال شركة استيراد وهمية باسم شريف. شريف كان مخبيها في خزنة مكتبه في البيت وأنا معايا مفتاحها التاني لأني كنت شريك صوري قديم وخرجت. المستندات دي فيها أسماء الناس اللي بيسهلوا لهم العمليات دي برة وجوة مصر. لو الورق ده والـ USB دي وصلوا لمباحث الأموال العامة.. شريف وأمه مش بس هيتحبسوا، دول هيروحوا ورا الشمس وقضيتهم هتبقى قضية أمن دولة وتخريب اقتصاد!”
### هروب قبل الفجر
نظرتُ لرضوى وتلاقت أعيننا في قرار واحد لا رجعة فيه: **لا يمكن أن نبقى هنا دقيقة واحدة أخرى.**
أيقظتُ ياسمين بهدوء وحملتها وهي شبه نائمة، ولملمنا أهم أشيائنا في حقيبتين صغيرتين. شكرتُ محمود الذي غادر بسرعة وهو يدعو لنا بالنجاة، واتصلتُ فوراً بالأستاذة ماجدة والأستاذ وجدي اللذين صُعقا من الأخبار.
قال لي الأستاذ وجدي بنبرة صارمة عبر الهاتف:
* “رحاب.. اطلعي على شقة تابعة ليا في مصر الجديدة فوراً، مفيش مخلوق يعرف طريقها. أنا هبعت لك عربية خاصة مع سواق أثق فيه كأنه ابني يجيلك تحت البيت في شبرا حالا.. متنزليش من باب البيت إلا لما يكلمك ويقولك الشارع فاضي.”
بالفعل، عند الساعة الثالثة فجراً، رن هاتفي وكان السائق. هبطنا السلالم بخطوات مرعوبة وكأننا لصوص نسرق أرواحنا. كانت نسمات الفجر الباردة تلفح وجوهنا وأنا أضم ياسمين إلى صدري بقوة، حتى صعدنا إلى السيارة وانطلقت بنا بسرعة البرق عبر شوارع القاهرة الهادئة.
بمجرد وصولنا إلى الشقة الآمنة في مصر الجديدة، وإغلاق الباب خلفنا، ارتميت على الأرض وأنا أنفجر في بكاء هستيري طال حبسه. بكاء الخوف، والخذلان، والقهر.. وبكاء النجاة.
### الضربة القاضية للاقتصاد السري
في الصباح الباكر، اجتمعنا في مكتب الأستاذ وجدي مع مستشارين متخصصين في قضايا الأموال العامة. تم فحص الفلاشة السوداء والأوراق التي أحضرها محمود، وكانت الصدمة تفوق كل التوقعات.
“أم سيدة” لم تكن مجرد نصابة قديمة؛ بل كانت تدير شبكة ضخمة لتهريب العملة الصعبة وتسهيل قروض بأسماء وهمية لرجال أعمال متعثرين مقابل عمولات فلكية، وكل هذا كان يتم إخفاؤه وراء واجهة “تجارة الأدوات المنزلية” التي يمتلكها شريف.
قال الأستاذ وجدي وهو يغلق الملف بابتسامة نصر حاسمة:
* “يا رحاب.. اللعبة انتهت خلاص. الورق ده هيروح للنائب العام مباشرة بلاغاً عن طريق مكتبنا. شريف وأمه دلوقتي في فخ مبقاش فيه خروج منه بضمان مالي أو كفالة. دي جناية كبرى تضيع فيها رقاب.”
وبالفعل، لم تمضِ 24 ساعة على تقديم البلاغ والمستندات المدعومة بتقرير الأدلة الجنائية الذي أثبت تزوير توقيعي على بوالص التأمين، حتى تحركت قوة مكبرة من مباحث الأموال العامة وقوة تنفيذ الأحكام.
### السقوط المدوي لـ “أم سيدة” وشريف
كنت واقفة في مكتب الأستاذة ماجدة نتابع الأخبار عندما وردنا الاتصال من أحد المصادر في قسم الشرطة.
تمت مداهمة منزل شريف وأمه في ساعة مبكرة من الصباح. شريف حاول الهرب عبر أسطح العقارات المجاورة ومعه حقيبة الأموال السائلة، لكن رجال المباحث كانوا قد حاصروا المنطقة بالكامل وتم القبض عليه متلبساً بمحاولة فرار وبحوزته مبالغ ضخمة من النقد الأجنبي غير المشروع.
أما “أم سيدة”، فعندما دخلت قوات الشرطة إلى شقتها الفاخرة لتنفيذ أمر الضبط والإحضار، وتفتيش البيت الذي عُثر فيه على مستندات تزوير أخرى وأختام مقلدة لجهات حكومية، سقطت على الأرض مغشياً عليها من هول الصدمة، ونُقلت إلى مستشفى السجن تحت حراسة مشددة بعد أن تبرأت منها ابنتها شيرين للمرة الثانية أمام المحققين لتنقذ نفسها من تهمة التستر.
### الهدوء الذي يسبق العاصفة الأخيرة
مرت أيام قليلة، وصدر قرار رسمي من النيابة بضم ياسمين إليّ بصفة نهائية ومنع والدها وعائلته من التعرض لنا، مع إحالة شريف ووالدته “سيدة عبد الحميد” إلى محكمة الجنايات الاقتصادية بتهم التزوير، والنصب، وغسيل الأموال، والاعتداء على طفلة.
جلستُ في شرفتنا الجديدة في مصر الجديدة، وياسمين بجواري تلون دفتراً صغيراً بضحكات بدأت تعود تدريجياً لتوجهها الطفولي النقي. كانت ترسم شمساً دافئة وبيتاً صغيراً مفتوح الأبواب، وأنا أشعر بأن كابوساً ثقيلاً قد انزاح عن صدري.
لكن الأستاذة ماجدة اتصلت بي مساءً، وكان صوتها يحمل نبرة لم أعتدها منها.. نبرة قلق وترقب شديدين:
* “رحاب.. شريف اعترف بكل حاجة في التحقيقات عشان يخفف الحكم عن نفسه، بس اعترف بحاجة تانية صدمت النيابة وصدمتنا كلنا.. حاجة تخص عيلتك أنتِ يا رحاب، وتحديداً والدك الله يرحمه والسبب الحقيقي وراء جواز شريف منك من البداية!”
وقفتُ مذهولة والهاتف يكاد يسقط من يدي، والأسئلة تعود لتنهش عقلي من جديد: ما هي علاقة والدي الراحل بكل هذه القذارة؟ وهل كان زواجي من شريف مجرد فخ نُصب لي منذ اليوم الأول؟
### الحقيقة المُرّة خلف القناع
جلستُ في مكتب الأستاذة ماجدة، وكان الصمت ثقيلاً لدرجة أنني كنت أسمع صوت دقات الساعة المعلقة على الجدار كأنها مطرقة تطرق فوق رأسي. نظرتْ إليّ ماجدة بأسف شديد، ثم تنهدت وقالت:
* “رحاب.. اعترافات شريف في النيابة كانت الصدمة الكبيرة لينا كلنا. شريف اعترف إنه متجوزكيش حبّاً فيكِ ولا رغبة في بناء أسرة.. جوازه منك كان خطة مرسومة ومدروسة من والدته ‘أم سيدة’ من البداية!”
شعرتُ بغصة في حلقي وسألتها:
* “خطة؟ خطة لإيه يا فندم؟ أنا كنت مجرد بنت غلبانة يتيمة الأب، عايشة على قدّي مع أختي رضوى!”
أخرجت ماجدة ورقة مدون بها أقوال شريف الرسمية وقرأت:
* “والدك الله يرحمه، الأستاذ ‘رضوان’، لما كان شغال كاتب حسابات قديم في المحكمة من عشرين سنة، كان هو الشخص الوحيد اللي كشف تلاعب ‘أم سيدة’ في قضايا النصب القديمة واستيلائها على أموال اليتامى. والدك كان راجل شريف، ومرفضش بس الرشوة اللي عرضتها عليه، لا ده كمان احتفظ بـ ‘أصول المستندات والتوكيلات المزورة’ في مكان سري عشان يحمي حقوق الناس، وكان ناوي يقدمهم للنيابة العامة قبل ما يتوفاه الله فجأة.”
استطردت ماجدة وعيناها ممتلئتان بالأسى:
* “أم سيدة فضلت سنين مرعوبة من الورق ده لأنه السيف اللي على رقبتها. ولما عرفت إن والدك مات، بعتت ابنها شريف يدخل حياتك وحياة أختك رضوى باسم الحب والزواج، وكان الهدف الأساسي إنه يدخل بيت والدك ويفتش في كل ركن فيه لحد ما يوصل للأوراق دي ويدمرها! شريف اعترف إنه فتش شقة والدك القديمة حتة حتة تحت غطاء الزيارة، ولما ملجاش حاجة، صمم يعجل بالجواز عشان يفضل قريب منكِ، لعل وعسى تظهري أنتِ أو أختك الأوراق دي في أي وقت!”
انهمرت الدموع من عيني كالشلال. تذكرتُ كل كلمة حب كاذبة قالها لي شريف، وتذكرتُ بروده وقسوته طوال سنوات زواجنا. لم أكن بالنسبة لهم زوجة وأم ابنته، بل كنت مجرد “طُعم” وحارس غافل على سر يهدد إمبراطورية “أم سيدة” بالزوال.
### المواجهة الأخيرة ونهاية الطغيان
دارت عجلة العدالة بسرعة وجدارة. بعد تطابق تقرير الطب الشرعي الذي أثبت تزوير توقيعي على بوالص التأمين، وتحريات مباحث الأموال العامة التي كشفت الشبكة العنكبوتية لغسيل الأموال وتهريب العملة الصعبة التي كانت تديرها “أم سيدة” بمعاونة ابنها شريف، أُحيلت القضية برمتها إلى محكمة الجنايات الاقتصادية.
في يوم النطق بالحكم، وقفتُ في قاعة المحكمة وبجانبي أختي رضوى والأستاذة ماجدة والأستاذ وجدي. كانت القاعة تعج بالصحفيين والناس، وعائلة شريف تقبع خلف قفص الاتهام بوجوه صفراء كالماشية الضالة.
وقف القاضي الجليل على منصته، وتلا حكماً تاريخياً زلزل أركان القاعة:
* **أولاً:** معاقبة المتهمة “سيدة عبد الحميد” (أم سيدة) بالسجن المشدد لمدة **15 سنة** بتهم التزوير في محررات رسمية، وتسهيل الاستيلاء على أموال قصر، وغسيل الأموال، وإلزامها بغرامة مالية فلكية.
* **ثانياً:** معاقبة المتهم “شريف” بالسجن المشدد لمدة **10 سنوات** بتهم الاشتراك في التزوير، والمعاونة في غسيل الأموال، والاعتداء العمدي وإساءة معاملة طفلة.
* **ثالثاً:** معاقبة المتهمة “شيرين” بالسجن لمدة **3 سنوات** بتهم التحريض على أعمال البلطجة والاعتداء العمدي.
* **رابعاً:** إلزام المحكوم عليهم بالتعويض المدني المؤقت لصالح المجني عليهما “رحاب” وابنتها الطفلة “ياسمين”، وتثبيت الوصاية الكاملة والولاية التعليمية لرحاب دون أي وجه اعتراض.
صاحت “أم سيدة” صرخة مكتومة وسقطت مغشياً عليها داخل القفص، بينما انهار شريف يبكي كالنساء وهو ينظر إليّ بنظرات استعطاف متأخرة، لكن قلبي كان قد تحول إلى صخر صلد لا يعرف الشفقة على من ظلم ابنتي وظلمني.
انطلقت زغاريد جاراتنا من “شبرا” اللواتي حضرن لمساندتي، وضممتُ ياسمين إلى صدري وأنا أهمس في أذنها:
* “خلاص يا قلب ماما.. الكابوس انتهى، ومحدش هيقدر يلمس شعرة منك تاني طول ما أنا عايشة.”
### بداية جديدة
مرت سنتان على تلك الأحداث. تغيرت حياتنا تماماً؛ بفضل التعويض المالي الذي حصلتُ عليه ودعم الأستاذ وجدي، أكملت دراستي القانونية بجد واجتهاد وحصلت على رخصة المحاماة الرسمية، وافتتحتُ مكتباً صغيراً للدفاع عن حقوق المرأة والطفل ضحايا العنف الأسري.
أما ياسمين، فقد كبرت وأصبحت في الثامنة من عمرها، متفوقة في دراستها، تملأ الدنيا بضحكتها التي غابت لسنوات، وتتلقى جلسات دعم نفسي جعلتها تتجاوز تماماً تلك اللطشة القاسية التي كانت، للمفارقة، سبب نجاتنا وحريتنا للأبد.
### الحكمة من القصة
#الكاتب_رومانى_مكرم
إن الظلم مهما علا وتجبر، ومهما تحصّن أصحابه بالمال والنفوذ والوشوش الكاذبة، فإن له نهاية محتومة يكتبها رب العباد بالحق.
* **قوة الأمومة لا تُقهر:** عندما يتعلق الأمر بحماية الأبناء، تتحول أضعف النساء إلى جيوش جرارة. الكسرة التي تظنها العائلات المستبدة نهاية للمرأة، قد تكون هي شرارة القوة التي تحرق عروشهم.
* **القانون سلاح السلكان:** الحق لا يضيع ما دام وراءه مطالب يستعين بالقانون والأدلة، والصبر على البلاء والتمسك بالطرق الشرعية يجلب النصر مهما طال الوقت.
* **البيوت تُبنى على المودة لا المصلحة:** البيت الذي يُبنى على الخداع والمصالح والتآمر مآله الانهيار، وخائن الأمانة لا يجني في النهاية سوى الذل والخسران.
لقد أرادوا كسرنا بلطشة قلم، فكانت تلك اللطشة هي القلم القاسي الذي أيقظنا لنبني مجدنا وحريتنا من جديد.
