ج2 انا وسلفتي
حكايات روماني مكرم
بعد أن ألجمت المفاجأة ألسنة الجميع في الصالة، ساد صمت عميق لم يقطعه سوى بريق الذهب الذي كان يتلألأ على الطاولة، وأعين حماتي وسلفتي التي كانت تتنقل بذهول بين ملامح أولاد خالتي الواثقة وبين المغلف السميك الذي يحتوي على “النقطة” الكاش.
ابتسم طارق ابن خالتي الكبير وهو يرى علامات الصدمة والخوف على وجه الحاجة فاطمة ولعثمة سلفتي سلوى، فاعتدل في جلسته والتفت نحو زوجي كريم وحماتي، وقال بنبرة صوت قوية ورزينة رنت في أرجاء البيت الكبير:
> “يا جماعة، إحنا جينا النهاردة مش بس عشان نبارك ولا عشان نقدم الهدايا دي.. في أمانة غالية كان لازم توصل لأصحابها، ويمكن ده الوقت المناسب عشان الكل يعرف الحقيقة.”
>
نظر طارق إليّ بابتسامة فخر ثم تابع كلامه موجهًا حديثه للحاضرين:
> “رشا ومامتها عمرهم ما كانوا محتاجين لحد، ولا عمرهم فكروا يطلبوا مليم من أي مخلوق لأن عزة نفسهم فوق كل شيء. اللي ما حدش هنا يعرفه، إن خالتنا—والدة رشا—ليها ورث وشرع في أملاك وعقارات عيلتنا من زمان، وبما إننا ماسكين إدارة الشركات والمصانع، فإحنا أخدنا الفلوس دي وشغلناها معانا في السوق طوال السنين اللي فاتت. والحمد لله، الفلوس دي دخلت في مشاريع كبيرة وكسبت أرباح ضخمة جدًا وبقت ثروة.”
>
هنا، التفت عاصم وأكمل حديث شقيقه قائلاً بصوت واثق:
> “وعشان كده، إحنا جايين النهاردة وبنقولها قدام الكل: جه وقت سداد الدين. الفلوس والملايين دي حق أم رشا وحق رشا الشرعي من ورث عيلتها، وتعب وشقى السنين اللي فاتوا رجع بأضعافه. يعني رشا مش بس بنت بشوات، رشا صاحبة ملك وشريكة معانا في أكبر شركات القاهرة.”
>
ثم أشار ماجد بيده إلى علب الذهب الثلاث الكبيرة والألماس الموضوعة على الطاولة، ونظر إلى حماتي وسلفتي سلوى التي كانت تكاد تموت من الغيظ والندم، وقال بنبرة حاسمة:
> “أما الهدايا الذهب والألماس دي.. فدي مالهاش دعوة بالورث ولا بالشغل ولا بالفلوس. دي هدايا مخصوصة مننا إحنا كأخواتها، بنقدمها لأختنا الغالية رشا في صباحيتها عشان الكل يعرف مقامها، وعشان نأكد إن لحمنا مش رخيص، واللي يفكر يقلل منها أو من جهازها أو من أصلها، يبقى بيقلل مننا إحنا شخصيًا.. وإحنا اسمنا لوحده يهد جبال.”
>
وقعت الكلمات على رأس حماتي كالصاعقة؛ فالمرأة التي كانت تعايرني بفقري وبجهازي “اللي يعر” أدركت فجأة أنني أملك من ورث أمي وثروتها ما يمكنه شراء هذا البيت الكبير بمن فيه، وأن طقم الذهب الواحد الذي قدمه لي إخوتي يفوق كل ما تملكه عائلة سلوى التاجر. أما سلوى، فقد انكمشت في مكانها تمامًا وبدت نظرات الانتصار الفجة التي كانت على وجهها طوال الأسابيع الماضية وكأنها تبخرت، وحل محلها رعب حقيقي من القادم.
التفت طارق إليّ وقال بحنان: “جهزي نفسك يا رشا، إحنا مش هنمشي إلا لما نشوف شقتك، وعايزين نعرف إيه اللي مش عاجب الناس هنا في جهازك عشان نأمر بشيله فورًا وننزل مكانه أحدث خطوط الأثاث الإيطالي اللي تليق بمقامك ومقام عيلتك.”
نظرتُ إلى حماتي وسلفتي اللتين تجمدتا مكانهما وعجزتا عن نطق كلمة واحدة، وشعرت برأس أمي وأخي يرتفع عاليًا في السماء، لكن الأيام القادمة كانت تخبئ في طياتها تحولاً جديدًا ومواجهات لم تكن في الحسبان داخل بيت العيلة…
شهدت القاعة في تلك اللحظة صمتًا لم يقطعه سوى أنفاس حماتي المتلاحقة ونظرات سلفتي سلوى المكسورة التي لم تعد تقوى حتى على رفع عينيها في عيني. التفتُّ إلى أولاد خالتي، وشعرت أن الوقت قد حان لأخط ملامح مستقبلي بيدي، وأن أضع حدًا نهائيًا للعيش تحت سقف هذا البيت الكبير الذي لم ألقَ فيه سوى المذلة والمقارنات الجارحة منذ يومي الأول.
نظرتُ إلى طارق، وبلهجة واثقة وصوت مسموع ملأ أرجاء المكان، قلت:
> “تسلموا لي يا رب، ربنا ما يحرمني منكم ولا من ضهركم وسندكم ليا.. طالما بقى سداد الدين والورث جه وبقى معايا ثروتي وأرباحي، أنا عندي طلب ومستنياكم توافقوا عليه.”
>
اعتدل طارق في جلسته وبدت على وجهه علامات الاهتمام، وقال بحنو: “طلبك أوامر يا بنت الغالي، اطلبي اللي أنتِ عايزاه وعلينا التنفيذ فورًا.”
قلت وأنا أنظر بثبات نحو حماتي وسلفتي، ثم نحو زوجي كريم الذي كان يقف مذهولاً من تحول الأحداث:
> “أنا مش عايزة أجدد الشقة هنا ولا عايزة أغير عفش، أنا عايزة أشتري شقة ملك ليا في قلب القاهرة، شقة واسعة وفخمة تليق بمستوانا الجديد وبعيلتي الكبيرة. ومش بس كدة.. أنا عايزة أبدأ صفحة جديدة خالص، وعايزاكم تشغلوني معاكم في الشركات والمصانع أنا وجوزي كريم. كريم راجل مكافح وبيفهم في الشغل، وإحنا الاتنين هنحط إيدينا في إيد بعض ونكبر شغلنا معاكم.”
>
التفت أولاد خالتي الثلاثة نحو كريم، وصمتوا لثوانٍ يتفحصون ملامحه، ثم ابتسم طارق وقال بصوت جهوري:
> “طلبك مجاب يا رشا. من بكرة الصبح، أكبر سماسرة العقارات في القاهرة هيتحركوا عشان يشوفوا لك فيلا أو شقة في أرقى الأحياء، وهتتسجل باسمك فورًا من فلوس ورثك وأرباحك. أما بالنسبة للشغل، فإحنا يسعدنا ويشرفنا إن كريم ينضم لشركاتنا، مكانه محجوز في الإدارة من الأسبوع الجاي، وأنتِ كمان ليكِ مكتبك وإشرافك على نصيبك في الشغل.”
>
هنا، التفت عاصم نحو كريم الذي كادت الدموع تفر من عينيه من فرط الفرحة والذهول بعد أن انفتحت له أبواب الرزق والكرامة، وقال له: “مبروك يا أبو علي، رشا كسبت راجل بيحبها ويصونها، وإحنا كسبنا شريك مكافح يعتمد عليه، جهزوا نفسكم للنقلة الكبيرة.”
وقعت الكلمات كالصاعقة المدوية على مسامع الحاجة فاطمة. المرأة التي خططت لتجعل مني خادمة لسلفتي الغنية، وتتحكم في مصيري ومصير زوجي بفضل بيتها الكبير، أدركت فجأة أن ابنها “كريم” الذي كانت تراه أقل حظًا من شقيقه الأصغر، سينتقل ليعيش في أرقى مناطق القاهرة وسيصبح مديرًا ورجل أعمال في أكبر الشركات، بينما ستبقى سلوى وأموال عائلتها التجار محبوسين في نطاق هذا البيت.
حاولت حماتي أن تتدارك الموقف، واقتربت بنبرة مرتعشة وصوت محمل بالرجاء الذي حل محل القسوة: “يا رشا يا بنتي.. وليه الغربة والبعد؟ ما الشقة قصاد شقة سلفتك والبيت كبير يشيلنا كلنا، وإحنا أهل وعيلة!”
نظرتُ إليها بابتسامة هادئة خالية من أي تشفٍّ، وقلت: “معلش يا ماما، الأصول بتقول إن كل واحد يروح المكان اللي يشبهه ويشرف أهله.. وأنا مكاني ومكان جوزي من النهاردة بقى هناك، مع البشوات.”
لم تستطع سلوى تحمل المشهد أكثر من ذلك، فوقفت وجرت نحو شقتها وهي تبكي بحرقة ونيران الغيرة تأكل قلبها، بعد أن تبخرت أحلام صدارتها ومظاهرها الزائفة في ثوانٍ معدودة.
انتهت الجلسة، وودعتُ أولاد خالتي بحفاوة بالغة، بينما كان كريم ينظر إليّ بنظرات حب وامتنان لا توصف، لأنني لم أكتفِ برد كرامتي، بل فتحت له طاقة قدر غيرت مجرى حياته بالكامل. ولكن، كيف ستمر الأيام القليلة المتبقية لنا في هذا البيت الكبير حتى ننتهي من إجراءات نقلنا إلى القاهرة؟ وما هي المكائد الأخيرة التي قد تدبرها حماتي وسلفتي بعد أن تحولت دفة القوة تمامًا لصالحي؟
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
