النص بالنص ج1 للكاتبة نرمين عادل همام

ج1

جوزي بيكسب قد مرتبي أربع مرات، بس قالي:

 “لو عايزة صابون اشتريه من فلوسك”.. 

لمدة 6 سنين كاملة كنت بدفع تمن الأكل والشرب، وإصلاحات البيت، وحتى إيجار الشقة! مقولتش بم، ولا جادلت.. حزمت شنطي وقررت أمشي. بس الصدمة الحقيقية لما أمه وصلت ومعاها محامي، وسابوا ورقة على الترابيزة كشفتلي سر يهد جبال.. البيت ده مكنش بتاعه أصلاً!

قالها “شريف” وهو باصص في شاشة تليفونه الأحدث موديل ببرود يقهر: 

“لو عايزة صابون ريحة وورق تواليت، ادفعي تمنهم من جيبك.. أنا مش مشغل ملجأ هنا ولا بصرف على حد”.

على الترابيزة قدامه كان فيه علبة سماعات بلوتوث جديدة لسه شاريها، تمنها تقريباً يعادل راتبي الشهري كله اللي بطلع بيه من عيني طول الشهر.

اسمي “دينا الشناوي”، عندي 29 سنة وعايشة في حي الدقي في الجيزة. لمدة 6 سنين كنت فاكرة نفسي متجوزة راجل منظم، ابن ناس، ومحقاني وبيمشي بالعدل. شريف كان شغال مهندس تنفيذ ومشرف في شركة مقاولات كبيرة، دخله وقدرته المادية أعلى مني بكتير، بس كان دايماً مع أي مليم يتدفع في البيت يرفع شعاره المقرف:

في البيت ده كل حاجة بالنص والمسطرة.. النص بالنص يا دينا.

إيجار الشقة، وفواتير الغاز والكهرباء والمياه كانت بتتقسم بالنص. طلبات السوبرماركت، مساحيق الغسيل، المنظفات، علاجنا، وحتى أكل “بوجي” الكلب الصغير بتاعنا، وحتى الهدايا والمواجبات اللي كان بيجيبها لأمه وأخته في الأعياد والمناسبات، كانت بتطلع من مصروفي الخاص المحدود. أنا شقيت كتير.. كنت شغالة موظفة استقبال في عيادة أسنان كبيرة في منطقة المهندسين، وفي نهاية ورديتي، كنت بركب مواصلتين وبتبهدل في الميكروباصات عشان أقطع مسافة من أول المدينة لآخرها، وأرجع البيت أطبخ وأغسل وأكوي وأجهز له لبس الشغل اللي هينزل بيه تاني يوم. ولما كنت بشتكي وأقوله حرام عليك أنا بتهد، كان يبتسم ببرود وثقة سخيفة كأنه بيعلمني الأدب ويسخر مني:

مش إنتي اللي كنتِ بتنادي بالمرأة المستقلة وعايزة تشتغلي؟ فرجيني بقى الاستقلال.

الكاتبة نرمين عادل همام

بالنسبة لشريف، الاستقلال كان معناه إني أشيل شيلتي كاملة وأحل كل كوارث البيت من غير ما أوجع دماغه أو أطلب منه مليم. أما بالنسبة ليا، فالاستقلال كان معناه إني أفضل واقفة أعد الفكة والقرش الأبيض في محفظتي قبل ما أركب الأتوبيس عشان خايفة الفلوس متقضيش لآخر الأسبوع.

أول قلم فوقني من الوهم ده وجلدني بالواقع، كان يوم ما بوتاجاز الشقة باظ فجأة وعطل تماماً. جبت فني صيانة وبص عليه وقالي إنه محتاج قطع غيار ومصنعية بـ 2800 جنيه. في الوقت ده، شريف كان واقف قدام المراية في الصالة بيجرب مضرب التنس الجديد اللي لسه شاريه بآلاف الجنيهات. قولتله بقلة حيلة:

 “شريف، البوتاجاز محتاج يتصلح والراجل عايز 2800 جنيه ولازم ندفعهم حالا”. رد عليا وهو بيعدل وقفته قدام المراية: 

— وأنا مالي؟ مش إنتي اللي بتطبخي وبتستعمليه؟ شوفي هتصلحيه إزاي.

نعم؟! ما إنت بتاكل من الأكل اللي بيتعمل عليه ومبتشتكيش!

عادي.. لو مش عاجبك ممكن أطلب دليفري لنفسي ومتاكليش همي.

ساعتها اضطريت أطلع فيزا المشتريات وأدفع تمن التصليح، وقسطت المبلغ على كذا شهر بفوائد قطمت ضهري. الصدمة بقى إن بعد أسبوع واحد بس، لقيت شريف داخل البيت ومعاه تذكرتين لحفلة كبيرة في ستاد القاهرة لمطرب مشهور، التذكرة الواحدة بمبلغ خيالي! وقال بانبهار: 

“دي فرصة متتعوضش، الحفلة دي هتكسر الدنيا ولازم نروح”. طبعاً البوتاجاز المكسور وأكل البيت كان ممكن يستنى ويموت بالجوع، لكن رفاهيته وخروجاته خط أحمر ومفيهاش كلام ولا “نص بالنص”.

الموضوع زاد عن حده وبقى يستغلني بشكل مقرف، بدأ يفرض عليا غرامات و”رسوم تأخير” لو اتأخرت يوم واحد بس في الشهر عن إني أدفع له نص إيجار الشقة! كان بيبعتلي رسايل رسمية وجافة جداً على الواتساب، يكتبلي فيها المبالغ بالقرش والمليم، ويحطلي بنود الشرح المعلقة كأننا في شركة مش في بيت زوجية. في الأول قولت في نفسي يمكن ده طبع فيه أو نوع من أنواع الهزار الثقيل المنفر، بس بعد فترة لاحظت حاجة غريبة جداً خلت الشك يلعب في فار راسي: 

شريف من يوم ما اتجوزنا مَورانيش عقد إيجار الشقة دي خالص، ولا عمري شوفت إيصالات دفع للمالك أو البواب! كل ما أسأله يقولي بحسم: 

— صاحب العمارة راجل صعب ومقفل جداً ومبيحبش اللت والعجن.. أنا مخلص معاه كل حاجة ومظبط دنيتي، متدخليش نفسك في اللي مالكيش فيه.

وفي يوم من الأيام، وأنا بنظف وببص في صندوق البوكس بتاع البريد تحت في مدخل العمارة، لقيت ظرف جاي من مصلحة الضرائب العقارية.

الغريب إن الظرف كان موجه لـ “تركة الورثة للمرحوم أسامة الشناوي”.. أسامة الشناوي ده يبقى أبويا أنا!

جسمي كله سقع وحسيت برعشة رهيبة. بابا مات من لما كان عندي 16 سنة، وأمي وقتها قالتلي إن بعد ما دفعنا مصاريف المستشفى والعلاج الطويل، متبقاش لينا أي حاجة غير شوية كراكيب وصور قديمة وديون سددناها بالعافية. 

خدت الظرف وطلعت الشقة، ووريته لشريف وأنا مش فاهمة حاجة. شريف أول ما شاف الظرف مديش إيده حتى ياخده مني، وبصلي بتهرب واضح:

تلاقيه غلطة من موظف في الحي أو تشابه أسماء، ارمي الورقة دي في الزبالة. 

— تشابه أسماء إزاي يا شريف؟! ده مكتوب فيه اسم بابا بالكامل، ومكتوب فيه عنوان الشقة دي بالظبط اللي احنا قاعدين فيها! زعق فيا بحدة وعصبية مبالغ فيها: 

— دينا، أنا مش فاضي لقصص الخيال العلمي وأوهامك دي! قولتلك ارمي الزفت ده وموجعيش دماغي.

طبعاً مرمتهوش.. شيلته في قاع حقيبتي وداريته كويس. وفي نفس الليلة، صحيت من النوم ومحستش بيه جمبي في السرير، قمت براحة وسمعت صوته بيتكلم بهمس في بلكونة الشقة وهو متوتر. سمعته بيقول بصوت واطي جداً: 

— خلاص هانت، متبقاش غير 3 أسابيع بس.. أول ما تتم 30 سنة، هتمضي على كل حاجة وتنتهي السيرة دي والمشكلة تتحل تماماً والورق كله يبقى في جيبنا.

الكاتبة نرمين عادل همام

أول ما حس بحركتي ورايا، لف بسرعة وقفل السكة في ثانية ووشه جاب ميت لون. بصيت له بشك وقولتله: “كنت بتتكلم مع مين في وقت زي ده يا شريف؟” اتنحنح وقال بتلعثم:

 – ده.. ده زميلي في المكتب، شغل مستعجل.

ومين دي اللي هتمضي أول ما تتم 30 سنة؟ وإيه هو الشغل ده؟ ضحك بصوت عالي وسخيف عشان يداري توتره وقال: – يا ستي ده تأمين على الحياة عاملهولك، وكنت عايز أعملهالك مفاجأة في عيد ميلادك الـ 30.. بلاش ذكائك ده بقى وبطلي تفتيش ورايا.

من يومها وبدأ الشك ياكل في قلبي، وقررت إني مش هسكت ولا هكون مغفلة. بدأت أحفظ نسخ من كل حاجة بتقع تحت إيدي؛ كشوف الحسابات، تحويلات المرتب اللي ببعتهاله على المحفظة الإلكترونية، الرسايل اللي بيبعتلي فيها بنود المصاريف والغرامات، وحتى صور أي وثيقة ألاقيها في البيت. مش بس كدة، أنا رحت فتحت حساب في بنك تاني خالص غير اللي يعرفه، وبقيت أشيل فيه أي قرش أقدر أوفره من وراه. مكنتش فاهمة إيه اللي بيحصل بالظبط، بس ولأول مرة واجهت نفسي بحقيقة مُرة: 

جوزي مش بس بيخبي عليا مرتبه، ده وراه مصيبة سودا وأخطر بكتير من فلوسه.

الخناقة الأخيرة والنهائية بينا بدأت بسبب حاجة تافهة متسواش.. زجاجة مسحوق غسيل. كان واقف في المطبخ وبصلي بكل برود وقالي: “المسحوق خلص، وإنتي راجعة من الشغل بكره عدي هاتي واحد كبير”. رديت عليه وتعب الشغل باين على صوتي: “شريف، أنا معيش سيولة ولا مليم في المحفظة لحد يوم الجمعة الجاية لما أقبض”. رفع حاجبة وقالي بمنتهى القسوة: — خلاص، يبقى تغسلي الهدوم على إيدك وتتصرفي. مسكت نفسي وقولتله: 

– بس دي هدوم الشغل بتاعتك إنت كمان اللي هتتغسل!

خلاص متغسليهاش.. وعلى فكرة، شغل البيت اللي إنتي بتذلينا بيه ده، أي شغالة باليومية تقدر تيجي تعمل أحسن منه وتستبدلك في ثانية.

في اللحظة دي، حسيت إن فيه حاجة جوايا انكسرت ومبقتش قابلة للتصليح، بس دموعي مانزلتش.. لقتي نفسي بكامل ثباتي بدخل الأوضة، وأطلع شنطتين سفر كبار، وبدأت ألم هدومي وحاجتي وأحشيها في الشنط قدام عينيه وبكل عزم عندي. وقف عند باب الأوضة وبصلي بذهول وهو مش مصدق:

– إنتي بتعملي إيه؟ بصيت له في عينه بكل قوة وقولتله: 

“بفضيلك البيت.. وبديك الفرصة كاملة عشان تشوف حد يستبدلني”.

 

في الأول ضحك واتمسخر وافتكرني بهدد وخلاص، بس لما شافني بلم مستنداتي وورقي المهم في ملف، ملامحه اتقلبت وحاول يشد الملف من إيدي بالعافية وهو بيزعق:

الورق ده يفضل هنا في البيت وميخرجش! صممت وشدلت الملف منه وقصاده: 

— ده ورقي وحاجتي أنا! بصلي بكل غل وجبروت وقالي:

 — مفيش حاجة  في البيت ده ملكك، إنتي هنا ضيفة وبس!

وفي اللحظة دي، الباب خبط خبطات ورا بعضها قوية. فتحت الباب واتفاجأت بأمه، “الحاجة ثريا”، واقفة ومعاها راجل لابس بدلة شيك ومحامي معاه شنطة ورق.

الحاجة ثريا كانت عينيها حمرا ومنتفخة من كتر العياط، وإيديها بترتعش وهي ماسكة سلسلة مفاتيح الشقة القديمة بتاعتها. أول ما دخلت وبصت لابنها، قالت بنبرة كلها صدمة وقهر: 

“أنا عرفت كل حاجة إنت عملتها يا شريف.. ودتني في داهية وعميت عيني بغشمك”. شريف وشه شحب تماماً وبقى زي الأموات، وحسيت إن ركبه مش شايلاه.

المحامي خطى خطوتين بكل هدوء، وفتح الشنطة وطلع عقد ملكية مسجل في الشهر العقاري وحطه على الترابيزة قدامنا، وبصلي وقالي: 

“المدام دينا الشناوي.. الشقة دي والدك المرحوم أسامة الشناوي شاريها من سنين طويلة، ومسجلها باسمك، ومحميّة بوصية شرعية مقفولة مكنش ينفع تتصرفي فيها أو تتباع إلا لما تتمي 30 سنة كاملة من عمرك”.

وقفت مكاني مش قادرة آخد نفسي، الهوا طار من صدري وبصيت لشريف وأنا مش مصدقة الـمهزلة دي. هنا الحاجة ثريا اتكلمت، وقالت الجملة اللي نسفت كل حاجة وهدت السقف فوق رؤوسنا: 

“ابني كان بياخد منك إيجار وفواتير بقاله 6 سنين عشان تعيشي في الشقة اللي أبوكي سابهالك وكاتبها باسمك! وكان مستني عيد ميلادك الـ 30 بعد 3 أسابيع عشان يخليكي تمضي على توكيل عام وتنازل، وياخد الشقة منك ويبيعها لحسابه!”

الكاتبة نرمين عادل همام

اللي اكتشفته بعد الساعات دي كان أبشع وأكتر سواداً من اللي أي عقل بشري ممكن يتخيله.. الغدر لما بييجي من أقرب الناس بيموت.

يا ترى لو كنتِ مكاني في اللحظة دي.. كنتِ هتلمي باقي حاجتك وتمشي فوراً وتفضّي المكان، ولا كنتِ هتقفي وسطهم وتدوسي على وجعك عشان تطالبي بالحقيقة كاملة وتعرفي كل تفصيلة في المؤامرة دي؟…تابع للجزء الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *