ج الاخير متجوز من 8 سنين حكايات روماني مكرم

ج الاخير

صوت الصفارة المتواصلة كان زي خنجر اتغرس في قلبي وقلب ندى في نفس اللحظة. الدكاترة والممرضين جريوا على جوة الأوضة، والباب الإزاز اتقفل في وشنا. ندى رمت نفسها على الباب، و بقت تخبط عليه بإيدها الاتنين وهي بتصرخ بهستيريا: “أبوياااا! لأ يا رب مش وقته.. متكسرش ضهري يا رب.. خدو عمري وسيبوه!”.

حسن وإخواتها الصغيرين اتلموا حواليها، يحاولوا يشدوها بعيد عن الباب، لكنها كانت زي اللي غرقانة وبتتعلق بقشاية. أنا كنت واقف وراهم، جسمي كله بيترعش، حاسس بالذنب بياكل في ضلوعي. لو الراجل ده جرى له حاجة دلوقتي، أنا السبب.. أنا اللي ضغطت عليه بكلامي، وأنا اللي خليت بنته تخرج من البيت مكسورة ومقهورة، والزعل جاب أجله.

دقايق مرت كأنها تمن سنين كاملين. الممرضة خرجت تجري من الأوضة، وشها مخطوف، ندى مسكت في هدومها: “أبويا ماله يا بنتي؟ قوليلي بالله عليكي!”.

الممرضة ونبرتها سريعة: “عضلة القلب وقفت فجأة، والدكتور بيعمل صدمات كهربائية.. ادعوا له، الدقيقة بتفرق!”.

ندى سمعت كلمة “صدمات” وركبها خانتها، وقعت في الأرض ومبقتش قادرة تقف. حسن أخد الفلوس والفيزا اللي أنا كنت مديهملو وبصلي بدموع: “أنا نازل أجيب الأدوية والحاجة اللي طلبوها يا أبيه أحمد.. أدعي لـ أبويا”. جرى حسن على السلم، وأنا قربت من ندى بالراحة، قعدت على الأرض جمبها، مكنتش قادر أمد إيدي ألمسها بعد ما حرجت عليا، بس قلت بصوت مخنوق ودموعي نازلة: “ندى.. وحياة غلاوة ولادنا، وحياة العيش والملح، قومي ادعي له.. ربنا كبير ومبيقفلش بابه في وش حد مكسور”.

رفعت وشها ليا، عينيها كانت حمرة دم، وقالت بصوت مكسور ومبحوح: “لو جرى له حاجة يا أحمد.. لو مات وهو شايل همي وزعلان مني ومنك.. أنا مش هقعد لك في البيت دقيقة واحدة، وحرماني منك ومن عيالك هيبقى تمن ذنب أبويا اللي في رقبتنا”.

الكلمة نزلت عليا كأنها حكم بالإعدام. العيال؟ بيتي اللي بنيته تمن سنين يتهد؟

فضلت قاعد جمبها، وكلنا رافعين إيدينا للسما، بندعي بقلوب محروقة. وفي وسط الرعب ده، خرج الدكتور وهو بيمسح عرق جبينه، ونفسه عالي.

قمت وقفت أنا وندى في نفس اللحظة. ندى سألته بعينيها قبل لسانها. الدكتور اتنهد تنهيدة طويلة وقال: “الحمد لله.. القلب استجاب في آخر لحظة، والنبض رجع تاني، وضغط الدم بدأ يعلى سنة بسنة.. بس الصدمة مكنتش سهلة على جسمه الضعيف. إحنا علقنا له المحاليل ومستنيين الأدوية اللي حسن نازل يجيبها.. الوضع لسه حرج، بس عدى مرحلة الخطر الشديد بتاعة دلوقتي”.

ندى سجدت في الأرض، وبقت تبكي وتشكر ربنا بصوت مسموع، وأنا حسيت إن روحي ردت فيا من جديد. ربنا إداني فرصة تانية.. فرصة أصلح اللي هديته بغبائي.

على العصر، حسن جه بالأدوية ودخلها للممرضين. الحالة بدأت تستقر أكتر، والدكتور سمح لندى تدخل تشوفه دقيقة واحدة بس ومن غير كلام عشان ميتعبش. دخلت ندى، وأنا وقفت ورا الإزاز، شفتها وهي بتوطي على إيد أبوها تبوسها، وتحط راسها على رجله وتعيط في صمت. الراجل فتح عينه بالراحة، وبص لها بنظرة حنينة، ومسح على شعرها بإيده المرتعشة، وبعدين عينيه اتنقلت برة الأوضة.. وجت في عيني أنا.

أنا وطيت راسي في الأرض من الكسوف والندم. مكنتش قادر أحط عيني في عينه. لكنه شاور لي بإيده بالراحة، كأنه بيقول لي “تعالى”.

بصيت لندى كأني بستأذنها، ملامحها كانت لسه متخشبة بس ملقيتش منها ممانعة. دخلت الأوضة بخطوات تقيلة، وكل خطوة كأنها جبل فوق ضهري. وقفت جمب السرير، ونزلت على إيده بوستها وبكيت: “سامحني يا عمي.. أنا كنت أعمى، ومكنتش فاهم حاجة.. صغر نفسي قدامك، وأنا مستعد للـ أنت تطلبه”.

حمايا شال ماسك الأكسجين بالراحة وقال بصوت ضعيف وزي الهمس: “أنا مش زعلان منك يا بني.. أنا عاذر غيرتك على بيتك وعيالك.. بس ندى صانتك.. ندى شالت فوق طاقتها عشان متم د إيدها للغريب وعشان متكسرش ضهري.. حافظ عليها يا أحمد.. دي حتة من قلبي”.

دموعي نزلت ومسكت إيده: “في نني عيني يا عمي.. والله العظيم في نني عيني، ومن هنا ورايح مصاريف علاجك ومصاريف تعليم إخواتها دي مسؤوليتي أنا الأولانية، ورقبتي سدادة لشقاكم”.

ندى كانت واقفة بتسمع الكلام، وعينيها فيها صراع رهيب بين حبها ليا وتمن سنين العشرة، وبين جرح كبريائها وكرامتها اللي أنا دوست عليها البارح في الصالة..

حمايا بص ل ندى وقال لها: “عشان خاطري يا بنتي.. أحمد جوزك وأبو عيالك، والمسامح كريم”.

ندى مبصتليش، بس بصت لأبوها وقالت بصوت مخنوق: “عشان خاطرك أنت يا أبويا.. وعشان متنشغلش بحاجة غير صحتك”.

خرجنا برة الأوضة بعد ما الدكتور طلب مننا نسيبه يرتاح. وقفنا في طرقة المستشفى سوا، الدنيا كانت بدأت تليل.

التفت ل ندى وقلت لها: “ندى.. يلا نروح نجيب العيال ونطمنهم، وأنا هسيبك هنا جمب عمي وأنا هقعد مع إخواتك في البيت أشوف طلباتهم”.

بصت لي بنظرة غامضة، وقالت ببرود رجّع الخوف لقلبي تاني: “أنا هقعد هنا مع أبويا يا أحمد.. وأنت خد العيال وروح بيهم.. الكلام اللي بيني وبينك منتهى يا أحمد، المسامحة اللي أبويا طلبها دي عشان هو يصفى من ناحيتك، لكن الجرح اللي في قلبي أنا.. لسه بينزف ومفتوح، ومش كلمة كلمتين هيداووه”.

سابتني ومشيت ناحية كراسي الانتظار، وقعدت وضهرها ليا..

حسيت إن المأساة مخلصتش، وإن رجوع ندى لبيتي وليا كزوجة بتثق فيا وبتحبني بقا محتاج معجزة.. وأنا واقف محتار مش عارف الخطوة الجاية هعمل فيها إيه عشان أرجع قلبها اللي انقفل بقفل من حديد..

#الكاتب_رومانى_مكرم

فضلت واقف في طرقة المستشفى وعيني عليها.. على ضهرها اللي كان مفرود بتحدي بس بيترعش من كتر الوجع. الكلام طلع منها زي الرصاص، جمد الدم في عروقي. “الجرح اللي في قلبي لسه بينزف ومفتوح”.. الكلمة دي كانت بتلف في دماغي وأنا نازل على السلم ودموعي بتغطي وشي. لأول مرة أحس بطعم العجز الحقيقي، العجز مش إنك متلاقيش فلوس، العجز إنك تملك الدنيا كلها وتكون مش قادر تشتري نظرة رضا واحدة من الست اللي حبتها.

روحت البيت.. الشقة كانت ضلمة وكئيبة، تمن سنين من الدفا اتمسحوا وبقت جدران خرسانية باردة. دخلت أوضة العيال، لقيتهم نايمين من كتر التعب والخوف. قعدت جمبهم وأنا بملس على شعرهم، وبفتكر كلام ندى: “كنت باجي أول الشهر أحط الست آلاف في إيدك وأقول لك ادي مرتب الشقا كله يا بو العيال”. كانت بتعمل كدة وهي شايلة جبل فوق كتافها، خايفة على مشاعري، خايفة أحس بالنقص أو الهم، وأنا بكل قسوة رحت رامي الطماطم على الأرض وصرخت فيها: “أنتي جارية!”.

الندم كان بياكل في صدري زي السوس. قمت ونظفت الصالة، ولميت الطماطم اللي كانت مدحرجة، ومسحت الأرض.. كنت بنظف الشقة وكأني بحاول أنظف الوسخ اللي سكن روحي البارح. جهزت لقمة للعيال، وصحيتهم وفهمتهم إن جدهم تعبان شوية وماما جمبه في المستشفى، وإن بابا هو اللي هيخلّي باله منهم الكام يوم دول.

تلات أيام مروا وأنا عايش في شبه غيبوبة. بصحى الصبح أودي العيال لأختي تاخد بالها منهم، وأروح على المستشفى. مكنتش بدخل لندى الأوضة، كنت بقف عند الباب من برة، أشوف حسن وهو خارج أدي له الأكل الدافئ اللي عامله بإيدي لندى وإخواتها، وأدي له الأدوية الناقصة، وأدفع حساب المستشفى أول بأول من فيزا المشتريات والقرشين اللي كنت شايلهم للزمن. حسن كان بيبص لي بنظرة فيها حنية وعذر، لكن ندى.. ندى كانت لما تلمح خيالي من ورا الإزاز، تدير وشها الناحية التانية فوراً.

في اليوم الرابع، الدكتور طمنا إن حمايا حالته استقرت تماماً وينفع يكمل علاجه في البيت، بس محتاج راحة تامة ومتابعة وجو هادي.

روحت جري على الشقة، نزلت اشتريت مرتبة طبية غالية، ورتبت أوضة في شقتنا تكون متهوية وجميلة، وروحت لبيت حمايا القديم أخدت لبسه وحاجته وجبت إخواتها الصغيرين في عربية، وقلت لهم: “من هنا ورايح، بيت أحمد وندى هو بيتكم.. عمي مش هيرجع الشقة القديمة دي لحد ما يقف على رجليه، وأنا اللي هخدمه برقبتي”.

ساعة خروج حمايا من المستشفى، كنت واقف بالعربية قدام الباب. حمايا خرج على كرسي متحرك وندى سانداه من ناحية وحسن من ناحية. أول ما شافتني ندى، وقفت، وملامحها اتغيرت.

قربت منها وطيت راسي وقلت بصوت واطي: “عشان خاطر صحة عمي يا ندى.. بلاش خناق دلوقتي. أنا رتبت كل حاجة في الشقة، وهناك الرعاية هتبقى أسهل عشان العيال وعشان نكون كلنا جمبه.. اركبي وأنا مش هسمعك صوتي خالص لو ده يريحك”.

حمايا بص لندى وهز راسه بمعنى “وافقي يابنتي”، فما كان منها إلا إنها اتنهدت وركبت في الكنبة الورانية جمب أبوها، وأنا سقت العربية والسكوت كان تالتنا.

وصلنا الشقة، وشيلت حمايا على كتافي لغدير الأوضة اللي جهزتها له. ندى لما دخلت الأوضة وشافت الترتيب والمرتبة الطبية والأدوية المتنظمة بالدقيقة، لمت شفايفها وبصت في الأرض، ومقالتش ولا كلمة.

البيت رجع اتجمع تاني، بس الروح مكنتش موجودة. حمايا وإخواتها في أوضة، والعيال في أوضتهم، وندى نامت مع العيال.. وأنا بقيت غريب في صالتي، بنام على الكنبة وعيني مش بتشوف النوم.

فات أسبوع كامل على الوضع ده. كنت باصحى من النجمة أعمل الفطار للكل، وأنزل أشتري الطلبات، وأرجع أساعد حمايا يدخل الحمام أو ياخد دواه، وندى تروح شغلها وترجع تدخل أوضتها تقعد مع أبوها وعيالها. مفيش بيني وبينها غير الكلمات الرسمية: “عايزة حاجة؟” .. “لأ شكراً”.

لحد الليلة دي.. ليلة الجمعة.

الدنيا كانت هس هس والكل نام. قمت من على الكنبة ودخلت المطبخ أشرب مية. وأنا راجع، شفت باب أوضة العيال موارب، والضوء خفيف جوة. بصيت بالراحة..

لقيت ندى قاعدة على الأرض، ساندة راسها على السرير وبتعيط بكسرة ونحيب مكتوم عشان مصحيش العيال. كانت ماسكة في إيدها الصورة مالت فرحنا اللي كانت محطوطة في الصالة.

قلبي وجعني ومقدرتش أتحمل أكتر من كدة. دخلت الأوضة بخطوات بطيئة، وقعدت على الأرض جمبها. هي اتخضت ولما شافتني حطت الصورة بسرعة ومسحت دموعها وقامت عشان تخرج.

مسكت طرف عبايتها، ونبرة صوتي كانت ميتة من كتر الشوق والندم: “ندى.. لحد إمتى؟ أنا بموت في اليوم ألف مرة يا ندى.. العقاب ده قاسي قوي عليا”.

لفت وشها ليا، وعينيها طلعت كل النار والوجع اللي كتماه أسبوع كامل: “وقاسي عليا أنا كمان يا أحمد! أنت فاكرني متهنية؟ أنت كسرت حاجة جوايا مكنتش أتخيل إنها تتكسر منك بالذات! تمن سنين وأنا شيفاك ضهري وأماني، تمن سنين وأنا بستحمل نظرات الحزن في عين أبويا وهو بيموت بالبطيء عشان مخربش بيتك ومحملكش هم فوق همك.. وتيجي في ليلة واحدة، تفتش في تليفوني، وتتهمني في شرفي وأمانتي، وتقول لي رجع الفلوس واقطعي أهلك؟! أنت دوست على كرامتي وجرحت عزة نفسي قدام إخواتي الصغيرين.. أنا بقيت باصحة الصبح أبص في وشك، مابشوفش أحمد حبيبي.. بشوف الراجل اللي كان عايز يرمي أبويا في الشارع وهو بيموت عشان كبريائه!”.

بكيت ومسكت إيدها وبقيت أبوسها بهستيريا: “حقك عليا.. اقطعي رقبتي.. أنا كنت غبي، الشيطان عامى عيني، الغيرة عمتني لما حسيت إنك خبيتي عليا.. والله العظيم أنا بحبك وبحب أهلك ومستعد أكون خدام ليهم، بس بلاش النظرة دي.. بلاش البعد ده يانندى.. العيال بيموتوا في وسطنا والبيت بيتهد”.

ندى سحبت إيدها مني بالراحة، وبصت لي بنظرة طويلة، نظرة كان فيها مزيج غريب من الحب الباقي والعزة اللي مش قادرة تتنازل. اتنهدت وقالت بصوت واطي: “أنا مش هقدر أخرب بيتي وعيالي يا أحمد.. ومش هنسى إنك شيلت أبويا على كتافك ودفعت كل اللي وراك وقدامك عشان تعالجه.. بس عشان أرجع أحمد لقلبي تاني.. عشان الثقة والأمان يرجعوا زي الأول.. أنا محتاجة وقت.. ووقت طويل قوي يا أحمد.. ومش عارفة إذا كان قلبي هيصفي من ناحيتك تاني فعلاً ولا لأ”.

سابتني وقامت وقفت جمب الشباك وتبص للشوارع الضلمة.. وأنا فضلت قاعد على الأرض، حاسس إن خطوة واحدة بس بتفصلني عن نهاية القصة.. يا إما المعجزة تحصل وقلب ندى يفتح لي تاني، يا إما نعيش تحت سقف واحد كالأغراب لحد ما العمر يخلص..

#الكاتب_رومانى_مكرم

مرت شهور على الليلة دي، والبيت عايش في مرحلة “الهدنة الزجاجية”.. شقة تجمعنا كلنا، بس بيني وبين ندى جدار عازل من الصمت والعتاب اللامحسوس. حمايا صحته بدأت تتحسن بشكل ملحوظ بفضل ربنا وبفضل الرعاية الطبية المكثفة والراحة، وإخواتها الصغيرين انتظموا في مدارسهم وبقوا يعتبروني أخوهم الكبير وسندهم. كنت بعمل كل ده مش عشان أرضي كبريائي، ولا عشان أثبت لندى إني “بطل”، كنت بعمله تكفيراً عن ذنب حقيقي لسه حاسس بمرارته في حلقي.

وفاتت سنة كاملة.. سنة بحالها وأنا بنام على الكنبة في الصالة، متحمل برد الشتا وحر الصيف، راضي بعقابي ومستعد أعيش عمري كله كدة بس ندى تفضل تحت سقفي ومتمشيش. كنت باجي أول كل شهر، أقبض مرتبي، وأروح داخل أوضة حمايا بحضور ندى، وأحط الفلوس كلها في إيدها وأقول لها: “ده شقا الشهر يا أم العيال.. شوفي بيت أبوكي وإخواتك محتاجين إيه الأول، والباقي مشي بيه بيتنا وعيالنا، وأنا لو عوزت مصروف سجايري هبقى أطلبه منك”. ندى كانت بتاخد الفلوس بنظرة غامضة، مفيش فيها شماتة، بس فيها هدوء يخوف.

لحد اليوم ده.. يوم عيد جوازنا التاسع.

صحيت من النوم، رتبت الصالة كالعادة، ودخلت المطبخ أعمل الفطار للكل. لقيت حمايا قاعد على الكرسي في البلكونة بيشرب الشاي وبيبتسم لي، الراجل ده كان هو همزة الوصل الوحيدة اللي باقية، وكان دايماً يطبطب على كتفي ويقول لي: “اصبر يا بني.. الست الأصيلة جرحها بياخد وقت، بس مبيتمحيش إلا بالصبر”.

دخلت المطبخ، وفجأة لقيت ندى واقفة ورايا. مكنتش لابسة هدوم الشغل، كانت لابسة فستان هادي من اللي بحبهم، ووشها مكنش متخشب ولا باهت.. كان فيه لمحة من “ندى القديمة”.

بصت لي وقالت بصوت هادي عمري ما سمعته من سنة: “أحمد.. سيب اللي في إيدك وتعالى معايا الأوضة، عايزة أتكلم معاك”.

قلبي دق بسرعة الصاروخ، ورجلي شالتني بصعوبة وأنا ماشي وراها. دخلت الأوضة، لقيت الشنط مالت السفر محطوطة على السرير! الدنيا اسودت في عيني وركبي خبطت في بعضها.. هل خلاص؟ السنة خلصت وقررت تمشي؟

“ندى.. أنتي ماشية؟” صوتي طلع مبحوح ومكسور.

ندى قربت من السرير، وفتحت الشنطة.. بس مكنش فيها هدومها. طلعت منها علبة قطيفة حمراء صغننة، ودفتر توفير، وحطتهم في إيدي.

بصيت في إيدي بذهول: “إيه ده؟”

ندى اتنهدت، ودمعة هربت من عينها بس المرة دي كانت دمعة صافية: “ده دفتر التوفير اللي كنت بشيل فيه الـ 6 آلاف جنيه بتوعي طول السنة اللي فاتت يا أحمد.. والعلبة دي فيها دهب أمي اللي أبويا كان شايله للزمن وكنت واهباه لإخواتي. أنا طول السنة اللي فاتت مكنتش بصرف مليم من مرتبك ولا مرتبي على أهلي في السر.. الفلوس اللي كنت بتدهالي أول الشهر، كنت بأكل منها بيتنا وعيالي، والباقي كنت بشيله هنا عشان نسدد بيه فيزا المشتريات والدين اللي أنت استلفته عشان تعالج أبويا”.

بلعت ريقي وأنا مش مستوعب، وهي كملت ونبرتها بدأت تصفى: “أنا قعدت سنة كاملة مراقباك يا أحمد.. شفتك وأنت بتصحى من النجمة تخترع أي حاجة عشان ترضي أبويا، شفتك وأنت بتشيله على كتافك وتنظف مكانه من غير ما تتأفف ثانية واحدة. شفت كسرة عينك وأنت بتبص لي، وشفت دموعك وأنت فاكرني نايمة.. أنا كنت قاسية معاك، وعاقبتك عقاب شديد، بس مكنتش قساوة كره.. كانت قساوة خوف.. كنت خايفة أسامحك بسرعة فترجع تكسرني تاني، كنت خايفة تفتكر إن كرامتي رخيصة”.

مسكت إيدي الاتنين، ولأول مرة من سنة حسيت بدفا كفوفها: “بس الراجل اللي يشيل حماته وأهل مراته في وقت المرض، ويصون عيالهم ويحرم نفسه عشانهم سنة كاملة وهو مكسور الخاطر.. ده مش راجل أناني يا أحمد.. ده راجل أصيل، بس الغيرة والشيطان عموا عينه في لحظة غضب. وأنا النهاردة، وبشهادة أبويا اللي واقف على رجليه بسببك بعد ربنا، بنهي العقاب ده.. وبقول لك حمد الله على السلامة يا بو العيال.. وحشتني”.

رميت الدفتر والعلبة من إيدي، وأخدتها في حضني وأنا ببكي زي العيل الصغير اللي لقى أمه بعد توهة.. بكيت تمن سنين وبكيت سنة العذاب، وحسيت إن الروح ردت في جدران الشقة من تاني، والبيت اللي اتهد اتمهد وبقى أقوى م الأول، لأن الأساس المرة دي مكنش بس ثقة عمياء.. كان فهم حقيقي ومشاركة ومسامحة.

خرجنا للصالة وإحنا ماسكين إيد بعض، لقيت حمايا واقف وساند على عكازه وبيعيط وفاتح دراعاته لينا، والعيال جريوا علينا وحضنونا.. وبقت الشقة اللي كانت ضلمة، منورة بنور الشمس والدفا.

### 💡 الحكمة من “حكايات رومانى مكرم”

البيوت متبتتبنيش بس بالحب والفلوس.. البيوت بتتبني بـ **”الأمان والستر”**.

1. **الستر ملوش علاقة بالكدب:** الزوجة لما تخبي جزء من شقاها عشان تستر أهلها وأبوها اللي كبر، ده مش غفلقة للزوج، ده بر وإحسان وشهامة.. والراجل العاقل لازم يدور على “النية” قبل ما يحكم على “الفعل”. لو شريكة حياتك كتاب مفتوح، متخليش صفحة واحدة غامضة تخليك تحرق الكتاب كله.

2. **البيوت أسرار والغيرة العمياء خراب:** التفتيش ورا الشريك والشك الأعمى بيحول البيت من سكن لساحة حرب. لحظة غضب واحدة وكبرياء زايد ممكن يهدوا تمن سنين عشرة وثقة في دقيقة واحدة، والكلمة الكبيرة اللي بتطلع في وقت الغل بتبقى زي الرصاصة.. لو دخلت القلب مبتطلعش غير بطلوع الروح.

3. **الرجولة أفعال مش كبرياء:** الرجولة مش إنك تمشي كلامك بالصوت العالي والوش الخشب، الرجولة هي إنك تكون “سند وضهر” لمراتك ولأهلها في وقت الشدة. والاعتراف بالحق والاعتذار وتصليح الغلط مبيقللش من الراجل، بالعكس.. ده بيكبره في عين مراته وولاده ويخليه فوق الراس.

4. **المسامحة محتاجة وقت وأثر:** الجرح الغويط مبيلمش بكلمة “آسف” ولا بكلمتين حلوين.. محتاج صبر، ومحتاج أفعال تثبت إن البني آدم اتعلم فعلاً من غلطه. اصبر على اللي بتحبه لحد ما يصفى، مادام الباقي من العشرة يستاهل.

**تمت بحمد الله**

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *