ج1 كرامة امي للكاتبة نرمين عادل همام

ج1

الدنيا كانت ضلمة وهادية برة، بس الضلمة والخنقة اللي جوة قلب “ندى” كانت أكبر بكتير. أنفاسها كانت رايحة جاية متلاحقة وهي قاعدة في صالة الشقة، حاسة بتقل غريب كاتم على نفسها، مش بس من تعب الولادة والخياطة اللي لسة ممشتش وجعها واللي ممرش عليها غير كام أسبوع، لأ، ده فيه غصة وكسرة نفس واقفة في زورها بقالها أيام. كانت بتبص لحواليها، لجدران الشقة الواسعة في أرقى حتة في “مصر الجديدة”، الشقة اللي ياما شقيت فيها وكانت شيفاها عش الزوجية الدافي والجنة بتاعتها، بس النهاردة؟ النهاردة شيفاها قفص بارد بيخنقها.

لفت ندى وشها وبصت ناحية سرير الأطفال الصغير، شافت أمها “الحاجة فاطمة” قاعدة على طرف السرير، ضهرها محني، وعمالة تهز في حفيدها الصغير “إياد” بكل قوتها عشان ينام ويرتاح. وش الحاجة فاطمة كان مخطوف ومصّفر، وعينيها دبلانة وتحتها هالات سودا تفجع، وجسمها اللي خَس النص في الشهر ده كان بيرتعش من أقل مجهود.

الست الطيبة دي كانت بتصحى من قبل الفجر، تقيد المطبخ وتعمل لقمة مغذية لبنتها، وتغسل غيار الواد على إيديها عشان خايفة عليه من غسالة الأوتوماتيك، وتفضل سهرانة لوش الصبح تلف بالواد في الصالة عشان ندى ترتاح وتنام شوية.

قلب ندى اتعصر من الحزن والندم، وحست بدموع سخنة بتشوي جفونها وهي شيفة أمها بتدبل وتموت بالبطيء عشانها. قامت بالعافية، مشيت بخطوات تقيلة وجت عند رجلي أمها، قعدت في الأرض ومسكت إيد أمها الخشنة اللي اتشققت من مواعين المطبخ ومسح الشقة، وضمتها لوشها وهي بتبكي بقهر.

: ندى كانت حاسة بذنب رهيب، دموعها نازلة ومفيش في قلبها غير الوجع على الست اللي شقيت عشانها العمر كله وجاية تشقى في كبرها كمان، صوتها طلع مخنوق ومكسور: 

“سامحيني يا أمي.. أنا السبب في كل الوجع والتعب ده. شيلتك همي وهم ابني وإنتي صحتك مبقتش مستحملة هدة الحيل دي. بصي لوشك في المراية يا حبيبتي، وشك اتخطف وخسيتي النص بسببي.. أنا جيت عليكي أوي.”

الأم رغم الهدد وألم عضمها اللي مبيخليهاش تنام، بصلتها بعيون كلها حنية ورضا، وطبطبت على كتف بنتها بالراحة وهي بتحاول تخبي وجعها وبتتظاهر إنها زي الفل عشان متوجعش قلب بنتها: 

“يا هبلة بس، تعبك راحة يا قلب أمك! ده إياد ده حتة من قلبي، وأنا لو مكنتش أخدمك في وقت زي ده وأشيلك في نفاسك هخدم مين يعني؟ المهم عندي أشوفك واقفه على رجليكي وناجحة في بيتك. متشيليش همي واستهدي بالله، أنا صحتي بمبي وزي الفل.”

 

الهدوء ده مكملش كتير، وعلى المغرب كدة، الباب اتفتح ودخلت “الحاجة وفاء” حماة ندى، ووراها ابنها “كريم”. كانوا لسة راجعين من سفرية طويلة، شهر بحاله قضوها استجمام وفسح في الإسكندرية، هربانين من دوشة العيل الصغير ومسؤولية مصاريف النفاس والبيت، وسابوا الجمل بما حمل على كاهل الست العجوزة.

الحاجة وفاء دخلت بخطوات رنانة، رمت شنط السفر في الصالة، ولا فكرت حتى تسلم على ندى أو تبوس حفيدها اللي بقالها شهر مشفتهوش.

قعدت على الكنبة المذهبة الكبيرة، وفضلت تبص يمين وشمال بنظرات فاحصة وباردة، كأنها بتفتش وراهم، وبعدين حطت رجل على رجل ووجهت كلامها لندى بنبرة ناشفة مفيهاش ريحة اللحم والدم، نبرة تاجر جاي يلم فلوسه.

ندى حست بوخزة في قلبها، ونفسها ضاق، وحست بريحة غدر ونذالة بتملى الأوضة وهي سامعة كلام حماتها.

الست كانت بتتكلم ببرود تام وثقة زايدة، مفيش في عينيها أي رحمة، كأنها بتدير صفقة تجارية في سوق: “حمد الله على السلامة يا ندى.

عموماً يا حبيبتي، بما إن الشهر عدا والحمد لله قمتي بالسلامة، والدنيا بقت تمام والواد كبر.. فإحنا بقى محتاجين نقعد كدة مع بعض ونتصفي في الحسابات اللي علينا.”

ندى عينيها اتسعت بصدمة، ودقات قلبها السريعة خلتها مش قادرة تستوعب اللي بتسمعه، سألتها بذهول حقيقي: “حسابات؟ حسابات إيه يا ماما مش فاهمة؟ هو إحنا بيننا حسابات وإيه اللي يتصفى؟”

: رفعت حاجبها وجمعت شفايفها بابتسامة صفرا مستفزة، وقالت بمنتهى البجاحة: 

“حساب قعاد أمك هنا طول الشهر ده يا حبيبتي! هو البيت بيتها ولا إيه؟ أكل وشرب ونوم وتكييفات واستهلاك كهربا وميّة وغاز.. إحنا قدرنا الموضوع ده بحق ربنا، وخمسين ألف جنيه تندفع فوراً تمن الإقامة دي.”

الصالون بقى زي القبر من الصمت. ندى حست إن الحيطان بتلف بيها، وسامعة صوت ضربات قلبها زي دقات طبلة في ودنها. لفت بجسمها المرتعش وبصت لجوزها “كريم”، كانت بتدور في عينه على أي ذرة رجولة أو رفض، كانت مستنياه يزعق لأمه ويقولها عيب دي أم مراتي اللي شالت بيتنا.

 

كريم كان واقف جنب أمه، باصص في شاشة تليفونه وبيلعب فيه وعامل نفسه مش هنا، ومتهرب تماماً من نظرات ندى، ولما لقى نفسه محاصر، رفع عينه وبصلها بملامح باردة مفيهاش أي مروءة ولا أصل.

في اللحظة دي، ندى حست بمرارة الخذلان الحقيقي. تذكرت من شهر بس لما كانت بتعيط وتترجاه يجيبولها “ممرضة” أو “مربية” تساعد أمها عشان الست تعبانة ومبتتحركش كتير، وتذكرت إزاي رفض وقتها ونشف دماغه وقالها “المربيات بيقشوا الفلوس.. وأمك أولى وأضمن، ده الغريب ملوش أمان”.

اتاري كل الكلام ده كان فيلم ومصلحة عشان يستغلوا الست الطيبة ببلاش. الغضب والقهر اتجمعوا في صدر ندى، وخرجوا من بقها زي البركان.

صوتها كان بيرتجف من القهر، وعينيها مليانة دموع غضب وهي بتبص لكريم وبتصرخ فيه بكل وجعها: “إنت ساكت ليه يا كريم؟ سامع أمك بتقول إيه؟ خمسين ألف جنيه عشان أمي قاعدة بتخدم الكلب في بيتك؟ أمي اللي اتهد حيلها وبقت مش قادرة تقف على رجليها عشان تشيلني وتشيل ابنك اللي إنت هربت منه ورحت تتفسح؟!”

رد بنبرة جافة، حاطط إيده في جيبه ومنحاز تماماً لأمه، بمنتهى الأنانية:

“وأنا مالي يا ندى؟ كلام أمي صح وميزعلش.. البيت ده بيتي وبيتها، وأمك في الأول والآخر شخص غريب عن البيت، وجت عاشت واستهلكت مرافق الشقة شهر كامل. الحق حق وميزعلش حد، والشرع بيقول كدة.”

صرخت بأعلى صوتها، والدموع بتنفجر من عينيها، والذهول مالي كيانها من وساخة الرد:

“شخص غريب؟! أمي أنا غريبة يا كريم؟! إنت نسيت كلامك من شهر؟ لما قولتلك نجيب ممرضة وقولتلي لأ الممرضة غالية وأمك مضمونة وهتاخد بالها من الواد أكتر من الغريب؟ دلوقتي لما مصلحتكم خلصت وبقيت مش محتاجها بقت غريبة؟!”

أداها ضهره بلامالاة مقززة وهو ماشي ورايح على الأوضة التانية: “أهو اللي حصل بقى.. الممرضة كنا هندفع لها، وأمك أولى تدفع تمن قعادها واستماعها بالبيت. اخلصي وشوفي هتدبري المبلغ ده ازاي عشان أمي مش هتتنازل عن حقها.”

 

ندى دخلت أوضتها بالراحة، مكنتش قادرة تشيل جسمها، بس السكوت ده كان وراه بركان. نار الغدر ولعت في قلبها، وحلفت بكرامتها وكرامة أمها اللي اتهانت إنها مش هتمشيها بالساهل. بكت طول الليل في صمت، وبصت لأمها النايمة من التعب وحست بإن الست دي اتظلمت معاها، واخدت قرار يزلزل الأرض.

أول ما الشمس طلعت، كريم نزل على شغله وهو فاكر إنه كسرها، والحاجة وفاء لبست ونزلت تقعد مع جارتها في الدور الأرضي عشان تقص لها وتتمنظر عليها بفسحة إسكندرية. ندى لقت الجو فضي، وبسرعة ومن غير ما تضيع ثانية، كلمت شركة مقاولات وتوريد عمالة “هدم وتكسير”، صاحبها يبقى الصديق الروح لـ أخوها الله يرحمه.

خلال ساعة واحدة، الشقة كانت مليانة عمال معاهم مرزبات وأجند وشواكيش. ندى وقفت في وسط الصالة زي القائد، وعينيها بتطلع شرار.

الكاتبة نرمين عادل همام

ندى للمقاول بصوت ثابت وناشف زي الحجر: “عايزاك تقش الشقة دي.. مش عايزة فيها مسمار. السيراميك والبورسلين يتكسر ويطلع على الطوب، والدهانات تتقشر، والمطبخ والحمامات يتخلعوا بالحوض بالقاعدة. حتى أسلاك الكهرباء والبرايز اسحبوها من الحيطان. سيبهالي على المحارة والخرسانة.”

العمال اشتغلوا بهمة، وصوت الهبد والرزع ملى العمارة. البورسلين الغالي اتدشدش، الخشب الباركيه اتخلع واترما، المحارة اتأكلت بالأجند لحد ما الطوب الأحمر ظهر كأنه جرح في الحيطة، الشبابيك الألوميتال اتفكت، وأطقم الحمامات اتكسرت بالشاكوش. ندى كانت واقفة تتفرج والدمار ده بيشفي غليلها، لأن الحيطان دي متستاهلش ناس بالخسة دي يعيشوا فيها.

شالت ندى شنط هدومها وهدوم ابنها، وصحت أمها المذهولة اللي مش فاهمة إيه اللي بيحصل، ومسكتها من إيدها، ونزلت السلم وراسها فوق، وركبت تاكسي وطلعت على بيت أمها العتيق في “شبرا”.. تاركة وراها خرابة تليق بقلوب أصحابها.

 

قبل ما ندى تاخد القرار الكبير وتجيب عمال التكسير، وقبل ما الصبح يطلع، كانت الليلة اللي سبقتها مليانة تفاصيل تفرس الحجر. الحاجة وفاء بعد ما رمت قنبلة الخمسين ألف جنيه في وش ندى، مأكتفتش بكدة؛ دي لوت بوزها وبصت لندى بقرف وغل وقالتلها بنبرة أمر: “تفتحي محفظتك دلوقتي وتطلعي الفلوس، وبعد ما تدفعي، تاخدي أمك وتتفضلوا برة بيتي، مش عايزة أشوف وشها هنا تاني!”.

ندى لسة واقفة مذهولة، والدموع هربت من عينيها من كتر الصدمة، لقت حماتها بتطلع تليفونها وبكل غل وغطرسة كلمت “شركة تعقيم ونظافة”.

ندى كانت حاسة إن كرامتها بتتداس بالجزم، وحماتها واقفة بتتكلم في التليفون بفرحة تشفي، وصوتها عالي وعينها في عين ندى:

“أيوة يا فندم، عايزة عربية تعقيم تيجيلي بكرا الصبح بدري.. الشقة محتاجة تترش من ساسها لراسها، وتتطهر بمواد قوية.. أصل كان قاعد فيها ناس.. يعني.. من ريحة تانية، وعايزة البيت يرجع نضيف ويبرق”.

ندى لفت لجوزها كريم، وعينيها بتصرخ من الوجع، مستنية يقول كلمة، لكن كريم اتنحنح ببرود وحط إيده على كتف ندى، وبدأ يبرر وساخة أمه وكأنه هو اللي قلبه أبيض وملاك رحيم.

كان بيتكلم بنبرة هادية ومستفزة، بيحاول يحسن الصورة المقززة، وعينه في الأرض: “يا ندى استهدي بالله، أمي متقصدش حاجة وحشة، ده كله نابع من حسن نيتها وخوفها على الواد الصغير.. إنتي عارفة إن طنط فاطمة في النهاية ست جاية من منطقة شعبية قديمة، ومهما كان،

الكاتبة نرمين عادل همام

أكيد هدومها وحاجتها وهي جاية شايلة معاها ميكروبات وتراب.. التعقيم ده عشان صحة ابننا إياد مش أكتر، متكبريش الموضوع بقى!”.

في اللحظة دي، ندى حست بخيبة أمل كاملة، مفيش فايدة، الراجل ده مات في نظرها. قررت في سرها إنها هتديهم درس العمر، درس يخليهم يلفوا حوالين نفسهم. طلعت تليفونها، وبكل ثبات انفعالي يوجع، دخلت على تطبيق البنك، وحولت مبلغ الخمسين ألف جنيه لحساب كريم…..تابع للجزء الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *