ج1 افتكروني عميا
رشا خالد
أول صوت سمعته فاطمة المنياوي لما استردت وعيها ما كانش أنين ألمها، لكن كان ضحكة بنت عمها.
كانت مرمية تحت سلم القبو في فيلتها ب التجمع الخامس. الشاش والضمادات اللي على عينها من عملية زراعة القرنية الحديثة كانت مغرقاها الدم، ومعصم إيدها اليمين كان ملوي ومتني تحت جزع جزمة مصطفى، جوزها.
جنبه، كانت رانيا، بنت عم فاطمة، حاضناه من وسطه بقرب وود ما بقاش محتاج أي توضيح ولا تفسير.
تَفّ مصطفى عليها وقال بقرف
عمرك ما هتشوفي اللي قدامك، يا خفاش يا أعمى.
فاطمة ما بكتش. على مدار 6 شهور، من وقت ما صابتها التهابات ودمرت قرنية عينها، الكل افتكر إن عماها المؤقت دا ضعف وعجز.
مصطفى مسك إدارة شركة سنتينيل مصر، شركة الأمن والتكنولوجيا اللي هي بنيتها بنفسها من أول ورشة صغيرة في شبرا. ورانيا نقلت معيشة في الفيلا بحجة إنها جاية تراعي بنت عمها وتهتم بيها.
مع بعض، غيروا كل الباسوردات، وفصلوا الموظفين المخلصين ليها، وبدأوا يبيعوا في ممتلكات فاكرين إنها ملك فاطمة.
كانوا فاكرين إنها مش شايفه ولا حاسة بحاجة.
بس فاطمة اتعلمت تكشف الكذب وتكشف الكذب من قبل ما تفقد بصرها بكثير. كانت بتعرف ريحة برفان رانيا والسكتات الفجائية اللي بتحصل أول ما تدخل أي أوضة، والكلام المكتوم ورا باب المكتب.
قبل أسبوعين، سكرتيرتها
ومساعدتها شيرين حذرتها إن مصطفى بيسأل إزاي يلغي أو يغير عقد التنازل والوصية. فاطمة مثلت وقتها غضبها وثورتها وفصلت شيرين قدام الكل، تماماً زي ما هو كان عاوز وبيطلب.
بس في السر، عينت شيرين كمحققة داخلية وادتها صلاحية الوصول لنسخة معزولة ومحمية من السيرفرات.
من الساعتها، كل تحويل مالي، وكل مكالمة، وكل ورقة متزورة كانت بتتسجل وتتبعت نسخة منها برة البيت.
حتى عملية عينها كانت جزء من الخطة. فاطمة قدمت معاد العملية من غير ما تقول لحد، وطلبت من المستشفى تحتفظ بعينات من كل الأدوية والقطرات اللي بتاخدها.
مصطفى خلط بين صبرها وجهلها. ورانيا افتكرت سكوتها خوف.
في اليوم ده، وقبل ما يزقوها من على السلم، الاتنين كانوا بيتكلموا عن تحويل 240 مليون جنيه لحساب في بنك في بنما. فاطمة كانت معلقة ميكروفون غير مرئي ومتناهي الصغر في ياقة روب نومها.
وطّى مصطفى وجاب دوسيه وحطه جنب وشها
وقّعي على تنازل أسهمك، وساعتها هنطلبلك الإسعاف.
ردت فاطمة بصوت مجهد
ولو موقّعتش؟
قربت رانيا شفايفها من ودن فاطمة وقالت بخبث
هنقول إنك وقعتي من على السلم. عمياء ومسكينة، وتعبانة ومشتتة بعد العملية.. محدش هيشك فينا أبداً.
فاطمة أخدت نفس عميق. الوجع كان بيقطع في معصم إيدها، بس صوتها خرج ثابت وقوي
يا نظام.. فعّل بروتوكول الطوارئ. اقفل كل
المنافذ.. وافتح أقفاص القبو.
الأبواب الصلب والأقفال الإلكترونية اترزعت واتقفلت بصوت مرعب.
الفيلا كلها غامها الضلام.
ومن عمق القبو، خرجت 3 زمجرات زئير مرعبة.
صرخت رانيا برعب، وشال مصطفى رجله فوراً من على معصم فاطمة.
ما كانوش كلاب ضالة.. دول كانوا كلاب دوبرمان هجومية مدربة تبع الحراسة، وما بتسمعش غير صوت فاطمة بس.
بس هما ما كانوش يعرفوا كده.
قال فاطمة بهدوء
اخرجوا اثبتوا.
الزمجرة وقفت على بعد أمتار قليلة منهم.
مصطفى كان بينهج بصعوبة ورعب
افتحي الأبواب يا فاطمة.. خلاص بلاش غشومية!
رفعت وشها المغرق بالدم وقالت
لأ مش دلوقتي.. الأول هتفهموني ليه حاولتوا تقت*لوني مرتين؟
السكوت التام اللي جه بعد جملتها.. كان هو أول اعتراف منهم.
مصطفى استرد تكبره وعنجهيته بسرعة؛ كان طول عمره فاكر إن الصوت العالي يقدر يغطي على سوء التخطيط.
قال
انتِ معندكيش أي إثبات.. انتِ مصابة، ومخدرة، وعمياء!
ردت فاطمة
عمياء موقتاً.
ضحكت رانيا ضحكة عصبية وقالت
وحتى لو شفتي؟ لما تبصي تاني مش هتلاقي شركة ولا بيت ولا فلوس. بجد يا بنت عمي، كان المفروض تعترفي من الأول إن مصطفى بيعرف يدير الأمور أحسن منك!
فاطمة كانت حافظة كل شبر في الفيلا دي؛ هي اللي صممتها بنفسها عشان تكون مقر عرض حي وتوضيحي لصفقات البنوك والجهات الحكومية
مستشعرات حرارية، ميكروفونات بيئية، سيرفرات معزولة، وبروتوكول طوارئ يستحيل إيقافه إلا ببصمة صوتها.
قالت
يا نظام.. شغّل الملف رقم 1942.
السماعات اللي في القبو اشتغلت فوراً.
خرج صوت رانيا الأول، واضح ونقي وهادي، بل وحتى فيه نبرة ملل
لو العملية نجحت هترجع تراجع الحسابات.. لازم تبان حادثة ثانية.
وبعدها جه صوت مصطفى
النهاردة بالليل هتوقع.. ولو عنّدت، السلم هيقوم بالباقي.
رانيا اتثبتت مكانها وما بقتش قادرة تاخد نفسها.
جري مصطفى ناحية لوحة التحكم، بس سلطان أكبر كلب دوبرمان فيهم نط وقرب منه وكشر عن سنانه. رجع مصطفى لورا فوراً ورجليه بتخبط في بعض.
تمتم مصطفى وهو بيمسح عرقه
تسجيل من غير إذن المحكمة ملوش أي قيمة قانونية قدام القاضي!
قالت فاطمة
ممكن ما يكونش كافي لوحده..
سندت فاطمة ظهرها على الحيطة وقدرت تقعد. معصمها كان بيلتهب نار، بس رفضت تتوسل أو تترجاهم.
وقالت
الأسبوع اللي فات سبتكم تسرقوا ملف مزيف اسمه البيع الكلي. الملف ده كان جواها كود تتبع ونقطة بث إلكترونية. كل مرة فتحتوه، كان بياخد نسخة من محادثاتكم ويبعتها لمكتب توثيق ومحاماة في وسط البلد.
وش مصطفى اصفرّ
انتِ بتكدبي!
الملف كمان سجل تزوير إمضتي، والحساب المفتوح في بنما، والإيميلات اللي اتبعتت لدكتور العيون اللي رشيتموه عشان يلعب في الأدوية
بتاعتي.
لفت رانيا لمصطفى وصرخت فيه
انت مش قلتلي إن الرسائل دي اتمسحت
تماماً؟!
زعق مصطفى
اخرسي انتِ!
صرخت رانيا
انت اللي قلتلي يستحيل حد يتتبعنا!
الخوف دمر التحالف اللي بينهم بمنتهى السهولة والسرعة.
ابتسمت فاطمة ابتسامة خفيفة.. ده بالضبط اللي كانت مستنياه.
قالت فاطمة
وفي حاجة كمان.. الشركة عمرها ما كانت باسمي شخصياً.
اتسمر مصطفى مكانه
انتِ بتقولي إيه يا مجنونة؟
من 4 سنين نقلت ملكية إدارة سنتينيل مصر لمؤسسة أصلية خاصة. أنا المديرة الوحيدة، بس الأسهم يستحيل تتباع أو تترهن أو تتبادل من غير موافقة 3 أمناء.
هزت رانيا رأسها بنفي وهستيريا
مستحيل.. أنا شفت الأوراق بنفسي!
شفتي أوراق مزورة ومجهزة مخصوص عشانكم.
عدت فاطمة الأسامي بهدوء
المستشارة المتقاعدة ماجدة عبد السلام، ولواء المخابرات السابق محسن علام، والمحامية بتاعتي فريدة الجبالي.
وش مصطفى اتخطف والدم هرب منه تماماً.
سألت رانيا بصوت مكسور
طالما كده.. سبتينا نتمادى ونوصل لكده ليه؟
عشان الشك لوحده مش كفاية.. كان لازم تحسوا بإنكم كسبتم وخلاص انتصرتم. الناس المغرورة بتسيب وراها بلاوي لما تفتكر إنها خلاص ملكت الدنيا.
من بعيد، ابتدت أصوات سرينات الشرطة تظهر وتقرب.
بص مصطفى ناحية الباب المقفول
انتِ طلبتِ الشرطة!
ردت فاطمة
لأ.
مالت فاطمة برأسها وهي بتسمع عربيات كتيرة بتقف برة الفيلا.
النيابة العامة كانت في طريقها للفيلا من قبل ما تزقوني
من على السلم أصلاً.
إضاءة القبو تحولت للون الأحمر الفاقع.
أعلن النظام الآلي بدء بروتوكول تسليم الأدلة والإثباتات.
تصرف مصطفى بيأس وجنون؛ شد فاطمة من شعرها، وطلع مطواة من جيبه وحط س*لاحها على رقبتها
يبقى هنخرج من هنا وانتِ معانا وغصباً عنك!
رجعت رانيا لورا بخوف
مصطفى انت أجننت؟! ده ما كانش ضمن الاتفاق!
زعق فيها
اخرسي يا إما هسيبك هنا معاها!
فاطمة ما اتحركتش ولا اتهزت.
قالت ببرود
سلطان.. جرّده.
نط الكلب الدوبرمان بمنتهى الدقة والسرعة، ضرب دراع مصطفى بفكّه وطير المطواة على الأرض من غير ما يعضه في جسمه. وقع مصطفى على ركبه وهو بيصرخ زي العيال الصغار.
أتفتحت الأبواب الصلب أول ما النظام التعرفي اتعرف على البصمة الخاصة ب فريدة الجبالي.
دخل رجال النيابة، ورجال المباحث، و من مسعفي الإسعاف، ومعاهم فريدة المحامية.
رفعت رانيا إيدها لفوق فوراً وهي بتصرخ وتشار على مصطفى
هو اللي خطط لكل حاجة! هو اللي أجبرني! أنا كنت فاكرة إني بساعد بنت عمي بس!
بصلها مصطفى بغل وكره
انتِ اللي غيرتي قطرات العلاج بإيدك!
ردت رانيا
عشان انت اللي قلت إن فاطمة هتتمحى ونورث كل حاجة!
رفعت فريدة المحامية التابلت بتاعها وقالت
شكراً جداً.. الاعتراف ده اتسجل وتم بثه مباشرة للمحضر الرسمي في النيابة.
كلبشوا مصطفى بتهمة الشروع في الق*تل الفردي الق*تل العمد، والتسبب
في إصابات، والتهديد بالس*لاح، وتزوير أوراق رسمية، والنصب والإدارة الخائنة والأمانة، والتآمر الإجرامي.
واتقبض على رانيا بتهم التزوير، وانتحال الشخصية، والتآمر الإجرامي، والتلعب بالأدوية.
ولما جُم يمشوا بيها وجنب فاطمة، حاول مصطفى يسترد كبرياءه المكسور وقال
من غيري انتِ ولا حاجة وما تعرفيش تديري خردة.. انتِ حتى مش عارفة تمشي بطولك!
المسعفين تثبتوا معصم فاطمة المصاب. وقفت فاطمة بمساعدة فريدة، بس ما طأطأتش رأسها
أنا بنيت إمبراطورية قبل ما أعرفك أساساً.. انت كل اللي اتعلمته إنك تصرف فلوسي وتتصور جنب نجاحاتي.
عيطت رانيا بحرقة
فاطمة.. أنا بنت عمك!
سكتت فاطمة ثواني.. افتكرت بنت عمها الصغار اللي كبرت معاها في بيت واحد، وكانت بتجري تستخبى في سريرها وقت الرعد والبرق، وافتكرت البنت اللي دفعتلها مصاريف كلية الطب والتجارة، والشباب اللي فتحتلهم أبواب شغل لما محدش كان راضي يشغلهم…..يتبع للجزء الاخير

