ج 1 متجوز من 8 سنين حكايات روماني مكرم
ج1
أنا متجوز من 8سنين وبثق في مراتي جدا جدا ا وعندنا عيال مراتي بتشتغل وليها مرتب وكانت دايمآ بتقولي إن مرتبها 6الاف جنيه وانا باخد المرتب ده عشان يساعد في مصاريف البيت ونعمل حاجه لاولادنا لكن اكتشفت إن مرتبها الحقيقي 12 الف جنيه وهى بتديني 6 الاف وتخبئ الباقي لما واجهتها قالت إن الفلوس دي بتساعد بيها ابوها الى علمها ووصلها للوظيفه دى وعشان بتصرف على اخواتها فى تعليمهم عشان انا قولتلها من هنا ورايح القبض كله يجيلي لكنها رفضت خالص وقالت إنها مش هتقطع المساعدة عن أهلها
البدايه
تمن سنين وأنا نايم على وداني، تمن سنين وأنا فاكر إن الست اللي معايا في البيت وفي السرير، اللي شالت اسمي وجابت عيالي، هي كتاب مفتوح بنقرا فيه سوا. كنت باصحى من النجمة، عيني في وسط راسي، أطحن في الصخر عشان لقمة العيش وعشان العيال دي تكبر مستورة. وهي كانت تيجي أول الشهر، تحط الست آلاف جنيه في إيدي وتقول لي: “ادي مرتب الشقا كله يا بو العيال، إيد على إيد تساعد، عشان نأمن مستقبل الولاد”. وكنت أشيلها فوق راسي، وأقول أصيلة وبنت ناس وعمرها ما اتعالت عليا بقرشها.
لحد اليوم الأسود دا.. اليوم اللي كل حاجة فيه اتهدت فوق دماغي.
كنت قاعد في الصالة براجع ورق تقديم المدارس بتاع الواد الصغير، وتلفونها كان جمب مني على الترابيزة. رن رنة ورا التانية، ورسائل ورا بعض. في الأول نفضت، بس لما الرن زاد، ومكتوب اسم “حسابات الشركة”، قلت يمكن حاجة طارئة. فتحت الشاشة.. وكانت الصدمة اللي شلت حركتي.
رسالة البنك الرسمية بتحويل المرتب: “تم إيداع مبلغ 12,400 جنيه مصري في حسابكم”.
عيني زغللت، الدم هرب من عروقي وبقيت حاسس إن الحيطة بتلف بيا. 12 ألف؟ مش 6؟ يعني تمن سنين وأنا مخدوع؟ تمن سنين وهي بتديني النص وتشيل النص في الدرى؟ أنا اللي كنت بحرم نفسي من اللقمة عشان أجيب لها وللعيال اللي نفسهم فيه؟
دخلت من باب الشقة، شايلة أكياس خضار وبتضحك. ضحكتها الرقيعة دي نزلت على قلبي زي مية النار. أول ما شافت وشي متغيم، ضحكتها اختفت.
“في إيه يا أحمد؟ مالك قبت وشك كدة ليه ولابس الوش الخشب؟”
مسكت التلفون ولفيت الشاشة في وشها، وصوتي كان طالع مبحوح من كتر الغيظ: “الوش الخشب عشان عايش مع واحدة وشين.. إيه دا يا مدام؟ إيه الـ 12 ألف دول؟ أنتي كنتي بتغفليني؟”
وشها جاب ألوان، اتسمرت مكانها والأكياس وقعت من إيدها على الأرض. الطماطم اتدحرجت في الصالة، بس مكنش فيه وقت للمظاهر. حاولت تجمع ثباتها بسرعة، لوت بوزها وقالت بنبرة فيها تحدي غريب عمري ما شفته منها:
“جرى إيه يا أحمد؟ وأنت بتفتش في تليفوني ليه أصلاً؟ وبعدين آه، مرتب الصافي بتاعي 12 ألف.. فين الغفلقة في كدة؟”
“فين الغفلقة؟” صرخت فيها لدرجة إن الجيران أكيد سمعوا: “أنتي كنتي بتقوليلي مرتبك 6 آلاف! تمن سنين بتاكلي معايا عيش وملح وبتخبي عليا نص شقاكي؟ وأنا زي المغفل حارم نفسي عشان القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود!”
ربعت إيدها وقالت ببرود يقهر: “الفلوس دي أنا مش بفسح بيها نفسي ولا بصرفها على ميكب. الفلوس دي بتروح لأبويا.. الراجل اللي طفح الدم عشان يعلمني ويوصلني للمركز والوظيفة دي. الفلوس دي بتعلم إخواتي الصغيرين وتستر بيتنا القديم. لو كنت قلت لك من الأول، كنت هتقول لي لأ بيتك وعيالك أولى، وأنا مكنتش هقدر أكسر بخاطر أبويا”.
الكلام نزل عليا زي الكرباج. قهرتني.. حستتني إني غريب، إني مش أمان.
“وأنا مش بيتك؟ والعيال دي مش عيالك؟ تضحكي عليا وتستغفليني تمن سنين عشان أهلك؟ من هنا ورايح يا بنت الناس، القبض كله يجيلي أول الشهر جنيه ينطح جنيه، وأنا اللي أدير البيت وأشوف هيروح فين!”
ملامحها اتغيرت تماماً، عينيها ضيقت وظهرت فيها قساوة عمري ما تخيلتها في مراتي الهادية. قربت مني وقالت بصوت واطي بس كله سم:
“على جثتي يا أحمد.. المرتب كله مش هتشوف منه مليم بعد كدة. والـ 6 آلاف اللي كنت بديهملك، انسى إنهم يدخلوا البيت تاني مادام اعتبرت مسعدتي لأهلي غفلقة. أنا مش هقطع المساعدة عن أبويا وإخواتي عشان أرضي كبريائك!”
سابتني واقف في الصالة زي التمثال ودخلت رقعت باب الأوضة وراها. الدنيا اسودت في عيني..
الدم كان بيغلي في نفوخي والشرار بيطلع من عيني، ومبقتش شايف قدامي. تمن سنين ثقة اتمسحوا في دقيقة، والست اللي كنت فاكرها حتة مني، بقت واقفة ند بند قدامي وبتخيرني بينها وبين أهلي.
روحت رايح وراها وضارب باب الأوضة برجلي فتحته، وقفت بطولي قدامها وسنان بلي كز على بعضها من كتر الغل. هي اتخضت من دخلتي وقامت وقفت.
شاورمت بصباعي في وشها وقلت لها بصوت زي الرعد: “بصي بقى يا بنت الناس.. الكلام الخايب بتاع ‘على جثتك’ دا تبليه وتشرَبي ميته. أنتي سحبتي من ورايا شقى وعمر، وكنتي بتغفليني تمن سنين كاملين وبتديني نص الحقيقة. من النجمة، الفلوس اللي أبوكي وأهلك خدوها مني ومن عيالي في الدرى تمن سنين ترجع كلها جنيه ينطح جنيه.. تتصرفي، تجيبيهم من تحت الأرض، يبيعوا أرض، يبيعوا دهب، مليش فيه! الفلوس دي حقي وحق عيالي اللي اتحرموا من اللقمة عشان بشواتك يتعلموا.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
بصت لي بذهول والصدمة لجمتها، لسه هتفتح بقها عشان تتكلم، رحت مقاطعها وأنا بخبط على الدولاب بقبضة إيدي: “ولحد ما الفلوس دي تيجي، رجلك مت عتبش بيت أبوكي، وعلاقتك بأهلك دول تتـقطع خالص! لا تليفون، لا زيارة، ولا سلام لله حتى.
وشها اتقلب وبقى أبيض زي الأموات، وعينيها برقت وهي شايفة الوش التاني لأحمد اللي عمرها ما تخيلت إنه موجود..
وشها اتقلب وبقى أبيض زي الأموات، وعينيها برقت وهي شايفة الوش التاني لأحمد اللي عمرها ما تخيلت إنه موجود. فضلت واقفة مكانها دقايق مذهولة، مش مستوعبة إن الرعب ده طالع من الراجل الهادي اللي عاشت معاه تمن سنين.
فجأة، الصدمة اللي كانت ملجماها تحولت لبركان غضب. عينيها لمعت بدموع حابساها، وصوتها طلع مخنوق بس قوي: “ترجع؟ فلوس إيه دي اللي ترجع يا أحمد؟! الفلوس دي كانت من عرق جبيني، مش من جيبك! أنا عمري ما قصرت في بيتك، ولا عيالك ناموا جعانين. أبويا اللي أنت عايزني أقاطعه ده، هو اللي عملني! هو اللي باع حتة الأرض الوحيدة اللي حيلته عشان يدفع لي مصاريف الجامعة ويوصلني للمكانة دي! وأخواتي دول لحمي.. عايزني أسيبهم يضيعوا عشان ترتاح؟!”
ضحكت بمرارة وصوتي طلع أعلى: “لحمك؟ وأنا وعيالك كنا إيه؟ مسرحية؟ كنتي بتيجي تمثلي عليا دور الأصيلة الصابرة وتديني النص وتخبي النص! الثقة اللي اتهدت دي تمنها كام؟ الغفلقة دي تمنها كام؟”
قربت مني خطوة، والتحدي في عينيها زاد: “أنا مكنتش بمثل! أنا كنت بساعد أبويا اللي كبر وعجز ومبقاش قادر على مصاريف التعليم. لو كنت قلت لك، كنت هترفض وتعمل مشكلة، وأنا مكنتش هتحمل أشوف أبويا محتاج وأنا معايا! لكن تقطع علاقتي بأهلي؟ وترجع فلوس هما صرفوها على لقمة العيش والتعليم؟ ده في الحلم يا أحمد.. أعلى ما في خيلك اركبه!”
الكلام كان زي البنزين اللي اترش على النار اللي جوايا. لفت ضهري وخرجت للصالة وأنا مش شايف قدامي، رقعت باب الشقة ورايا ونزلت في الشوارع الفاضية. كنت بمشي والأسئلة بتاكل في عقلي.. تمن سنين من عمري ضاعوا مع واحدة كانت بتدير حياتين في نفس الوقت؟ تمن سنين وأنا بحسب القرش على نفسي عشان نشتري شقة تمليك للعيال، وهي بتشيل تلاتة وأربعة آلاف جنيه كل شهر توديهم هناك من ورايا؟
فضلت ألف في الشوارع لحد الفجر، عقلي مش ملاحق على الأفكار. لما رجعت الشقة، كانت الدنيا هس هس. دخلت أوضة العيال، لقيتهم نايمين في سلام.. غطيتهم وأنا قلبي بيتعصر عليهم. روحت على الصالة وقعدت على الكنبة، مستني الصبح يطلع عشان أشوف آخر المأساة دي إيه.
على الساعة سبعة الصبح، باب الأوضة اتفتح. خرجت وهي لابسة هدوم الشغل، وشها كان دبلان وعينيها منفخة من كتر العياط، بس ملامحها كانت متخشبة. مابصتليش وهي رايحة ناحية الباب.
وقفت في طريقها وقلت بجمود: “رايحة فين؟”
بصت لي وبرود العالم كله في عينيها: “رايحة شغلي.. الشغل اللي بيجيب الفلوس اللي عاملة الأزمة دي كلها.”
مسكتها من دراعها بقوة: “أنا قلت رجلك متعتبش برة الشقة دي إلا لما شروطي تتنفذ! الفلوس اللي راحت ترجع، وأهلك ينسوا إن ليهم بنت!”
نترت إيدها مني بقوة وعصيبة: “أنا مش جارية عندك يا أحمد! ومش هسيب شغلي، ومش هقاطع أبويا! لو عيشتي معاك هتبقى تمنها إني أرمي أبويا وأخواتي في الشارع، يبقى الباب يفوت جمل!”
قالت الكلمة دي وفتحت باب الشقة وخرجت، ورقعت الباب وراها.. سابتني واقف مكاني، والدمار بيحاوطني من كل ناحية. الكلام كان تقيل، والتهديد بالانفصال بقى حقيقة بتدير وشها ليا.
قعدت على الأرض وسط الطماطم اللي كانت لسه متدحرجة من البارح، وبقيت بكلم نفسي: “باعتني وباعت بيتها في دقيقة عشان أهلها؟ طب والعيال؟”
وفجأة تليفوني أنا اللي رن.. بصيت في الشاشة لقيت الرقم اللي مكنتش متوقع أشوفه خالص في التوقيت ده.. كان حمايا!
#الكاتب_رومانى_مكرم

