ج2 حكايات زهرة الربيع
نزلت السلالم وأنا مش شايفة قدامي، دموعي مغرقة وشي، وصوت صراخ شريف لسه بيرن في ودني، وكلمة “طالق” بتعيد نفسها في دماغي زي الطلقات. خرجت للشارع بشنطة هدومي، والناس في الحتة اللي كانت بتحلف بأدب شريف وطليقته واقفين يبصوا عليا بنظرات همس ولمز؛ الخبر اتنشر في الدقايق دي زي النار في الهشيم.
رجعت لبيت أمي القديم، دخلت وأنا كلي كسرة، رميت نفسي في حضنها وأنا بنهار. أمي مكانتش عارفة تواسيني ولا تلومني، كانت تبصلي بحزن وتقول: “يا بنتي ياما نصحتك، قولتلك البيوت اللي بتتبني على خراب بيوت تانية مابتكملش، والظلم ظلمات.. ذنب البنت الغلبانة وابنها جه لحد عندك”.
فات أول أسبوع وأنا حابسة نفسي في الأوضة، مابكلش ولا بشرب، ومستنية تليفون من شريف، كنت بقول لنفسي: “أكيد هيهدا.. أكيد الحب اللي بينا في التلت سنين مش هيهون عليه وهيحنلي”. بس الصدمة التانية كانت أشد. في اليوم الثامن، الباب رن، جريت بلهفة أفتكرته هو، بس لقيت محضر باعتلي إعلان بدعوى طلاق رسمي، وشريف مش بس طلقني غيابي، ده كمان عملي “منع من دخول الشقة” ورفع قض*ية استرداد لكل الدهب والمؤخر بحجة التدليس والغش بناءً على الفلاشة والتسجيلات اللي طليقته ادهاله!
نزلت للمحامي بتاعي وأنا منهارة، ورأيته الأدلة، بصلي وهز راسه بيأس وقال: “الموقف القانوني صعب.. التسجيلات والفلاشة اللي معاهم تثبت إنك دخلتي البيت بنية إلحاق الضرر وسرقة مستندات خاصة، وشريف جاب شهود من الجيران إنك كنتي بتعطليه عن رؤية ابنه المصاب.. منظرك قدام القاضي هيبقى وحش جداً”.
خرجت من مكتب المحامي والدنيا بتلف بيا، وقررت أروح لشريف الشغل، قولت لازم أقابله في المطار قبل ما يطلع أي رحلة، وأستعطفه. وقفت في المكان اللي بيتجمع فيه الطيارين، ولمحته من بعيد.. لابس بدلت الكحلي، بس مكنش شريف بتاع زمان، وشه كان مطفي، والهم كاسره. جريت عليه ووقفت قدامه وأنا بعيط: “شريف.. أرجوك اسمعني، أنا عملت كده من حبي فيك، مكنتش قادرة أشوفك مع غيري.. سمحني ومتضيعش تلت سنين حب”.
بصلي ببرود وجفاء رعبني، ومشي خطوتين لورا كأنه قرفان يلمسني، وقال بصوت واطي ومسموم: “حب؟ أنتي تعرفي إيه عن الحب؟ أنتي مرض.. أنتي دخلتي بيتي زي السوس اللي نخر فيه لحد ما وقعتيه. أنا خسرت ابني اللي عاجز بسببي، وخسرت نفسي.. تلت سنين كنت عايش مع شيطانة ومخدوع في رقتها المزيفة.. أنا بكرهك يا شيماء، وبكره اليوم اللي شفتك فيه، ولو بايدي أمحي السنين دي من عمري هأمحيكِ معاها”. وسابني ومشي وسط نظرات زمايله المستغربة.
رجعت البيت وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني. وفي نفس الليلة، بدأت الكوابيس.. كنت بنام أشوف نفسي وسط نار قايدة، وسيف ابن شريف قاعد على كرسيه المتحرك وبيشاور عليا ويضحك، وأصحى وأنا عرقانة وبصرخ.
مبقاش في حياتي غير السواد، لحد ما عدا شهرين، وتعبت فجأة.. دوخة مستمرة وترجيع، أمي أخدتني ورحنا للدكتور، وبعد الفحوصات والتحاليل، الدكتور بص في الورقة وبصلي وقال: “مبروك يا مدام.. أنتي حامل في الشهر التاني”.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. حامل؟ حامل من شريف بعد ما كل حاجة انتهت؟ حسيت بأمل غريب نور في قلبي، وقولت: “بس! هو ده المفتاح اللي هيرجعلي شريف.. شريف بيموت في الأطفال، ومستحيل يسيب ابنه التاني يتولد من غير أب”.
مسكت التليفون وبعتله رسالة فوراً: “شريف، أنا حامل في ابنك.. أرجوك بلاش نعمل في الطفل الجديد اللي عملناه في سيف، تعالى ونبدأ صفحة جديدة عشان خاطر اللي في بطني”.
قعدت جمب التليفون مستنية الرد والساعات بتمر كأنها سنين.. وفجأة التليفون رن.. مكنتش رسالة، ده كان اتصال من رقم شريف.. فتحت الخط بلهفة وأنا بصرخ: “شريف! حبيبي!”.. بس الصوت اللي رد عليا مكنش صوت شريف.. كان صوت طليقته، وقالتلي بضحكة كلها شر ملوش آخر: “مبروك يا عروسة.. بس شريف مش هيرد عليكي تاني.. وعايزاكي تسمعي المفاجأة الجديدة دي كويس أوي..”!
صوت ضحكتها كان بيرن في ودني زي الفحيح، جمد الدم في عروقي، وقبل ما أنطق بكلمة، كملت كلامها وثقتها بتهد المتبقي من طولي: “شريف مش هيرد عليكي تاني يا شيماء.. شريف ساب البلد كلها. قدم طلب نقل لشركة طيران دولية في الخليج، وأنا وسيف مسافرين معاه بعد كام يوم عشان سيف يكمل علاجه برة على نفقته.. شريف رمى كل حاجة ورا ظهره، رماكي أنتي والماضي الزبالة بتاعكم، وجاي يبتدئ معايا ومع ابنه من جديد.. ورسالتك دي؟ أنا اللي قريتها، وشريف شافها ومتهزش فيه شعره واحدة، بالعكس.. قالي دي واحدة كدابة ومستعدة تعمل أي حاجة عشان ترجعلي، وحتى لو كان بجد.. فالطفل ده ملوش أب عندي!”.
الخط قطع.. الصوت اختفى بس الدنيا فضلت تلف بيا. التليفون وقع من إيدي واتفرفك على الأرض مية حتة، وزي ما يكون قلبي هو اللي اتفرفك معاه. وقعت على ركبي وأنا بصرخ صرخة مكتومة، حاسة بنار بتغلي جوايا.. شريف رجع لها؟ شريف سابني وأنا في بطني حتة منه ورايح يعوضهم هما عن تلت سنين ظلم؟
أمي جت تجري على صوتي، شافتني بالمنظر ده والموبايل مكسور، فهمت كل حاجة. قعدت جمبي في الأرض وضمتني وهي بتبكي وتقول: “يا بنتي احتسبي.. دا دين وبيتسد، اللي عملتيه في البنت المسكينة بتدوقيه حرف بحرف.. اطلبي الغفران من ربنا لعل وعسى الحمل دا يمر على خير”.
بس أنا مكنتش قادرة أستسلم، الغيرة العميا والغل اللي عموا قلبي زمان رجعوا تاني وبقوة.. قولت مستحيل! مستحيل يسافروا ويسيبوني هنا أموت بالبطيء! نزلت وجريت في الشوارع زي المجنونة، رحت لعمارته القديمة، طلعت السلالم وأنا بنهج وبخبط على الباب بكل قوتي، بصرخ وبقول: “شريف! اخرج يا شريف! متعملش فيا كده! أنا بحبك!”.
الجيران بدأت تفتح الأبواب وبصات القرف والشماتة في عيونهم كانت بتدبحني. خرج بواب العمارة وقالي بحدة: “يا مدام امشي من هنا بدل ما نطلبلك البوليس! البيه الكابتن سلم الشقة لأصحاب الملك ومشي هو والست بتاعته وابنه من أول امبارح، العمارة فضيت عليكي خلاص!”.
رجعت بيتنا القديم وأنا زي الج*ثة الحية.. مفيش أي وسيلة تواصل، مفيش طريق يوصلني ليه، اختفى تماماً كأنه مكنش موجود في حياتي.
مرت الأيام والشهور وأنا عايشة في جحيم حقيقي.. بطني بدأت تكبر، وكل ما تكبر، بحس بالذنب والخوف بيزيدوا. الحمل كان صعب جداً ومؤلم، كنت دايماً بنزف والدكاترة يقولوا لي: “حالتك النفسية بتدمر الجنين، لو مهدتيش الطفل هينزل مشوه أو هتموتي معاه”. بس إزاي أهدى؟
كل ما أبص في المراية، بشوف وش طليقته وهي بتضحك، وبسمع صوت سيف وهو بيعيط على كرسيه المتحرك. بقيت أخاف من الضلمة، وبقيت أحس إن في حد قاعد معايا في الأوضة دايماً بيراقبني ويحاسبني على كل لحظة دلع عشتها مع شريف وأنا واخدة مكان مش مكاني.
وفعلاً، في نص الشهر السابع، جالي الطلق فجأة.. مغص رهيب خلاني أصرخ لدرجة إن الجيران اتلمت ونقلوني المستشفى وأنا غرقانة في دمي. دخلت أوضة العمليات وأنا بين الحياة والموت، كنت حاسة إن روحي بتطلع، وبدعي وبقول: “يارب سامحني.. يارب احمي ابني بلاش هو يدفع تمن ذنبي”.
بعد ساعات من العذاب، فقت من البنج، لقيت نفسي في أوضة ضلمة، وأمي قاعدة جمبي ووشها غرقان دموع ومخبية وشها بإيديها. سألتها بصوت مبحوح وخايف: “أمي.. ابني فين؟ شريف الصغير فين؟ هو كويس صح؟”.
أمي مبصتليش، فضلت تبكي بهستيرية، لحد ما دخل الدكتور المسؤول.. ملامحه كانت جادة وحزينة، قرب مني وقال بصوت واطي: “الحمد لله على سلامتك يا مدام.. قدر الله وما شاء فعل، الطفل اتولد قبل معاده بكتير، وعنده عيب خلقي شديد في ضهره ورجليه.. ومحتاج عمليات كتير جداً ونسبة شفائه صعبة.. هو حالياً في الحضانة تحت الأجهزة”.
الكلمة نزلت عليا كأنها خنجر اتغرس في نص قلبي.. عيب في ضهره ورجليه؟ عاجز؟ زي سيف؟! ربنا عاقبني في أعز ما أملك.. نفس الوجع ونفس الكسرة اللي سببتها لسيف، ابني هيعيش فيها!
قمت من على السرير زي المجنونة، بشد الخراطيم من إيدي وأمي بتصرخ وتمسكني، جريت في ممرات المستشفى وأنا بهلوس لحد ما وصلت لأوضة الحضانة.. وقفت ورا الإزاز، وبصيت على الحتة اللحم الحمرا اللي نايمة جوة وسط الأجهزة.. طفل صغير بريء، ملوش أي ذنب، بس شايل ذنب أمه كامل!
وفجأة وأنا واقفة ببكي ورا الإزاز وحاطة إيدي عليه، تليفون أمي اللي كان في جيب جلابيتي رن.. طلعت التليفون وأنا مش شايفة من الدموع، ولقيته رقم دولي غريب.. فتحت الخط وأنا بترعش وجالي صوت شريف.. بس الصوت مكنش فيه لا غضب ولا كره.. كان صوت هادي جداً، بارد لدرجة الموت، وقالي: “سمعت اللي حصل لابنك يا شيماء.. وجيت أقولك كلمتين اتنين بس عشان ترتاحي..”!

