غدر الخيانة ج3 والاخير بقلم نرمين عادل همام

بقلم نرمين عادل همام

غدر الخيانة ج3 والاخير بقلم نرمين عادل همام

سليم الذكريات سحبته لورا، لليلة مجنونة قضوها في المكتب ده بالذات، ليلة حيطان الأوضة شهدت فيها على عاصفة من الشوق والمتعة.

افتكر إزاي الأجواء ولعت بينهم، لما إيديهم اتأخرت على الورق اللي متبعتر، وفي لحظة خطفها وزق كل حاجة على الأرض. افتكر جسمها الناعم وهو بيقعد فوق خشب المكتب البارد، والتناقض اللي بيجنن بين برودة الخشب وسخونة أنفاسها اللي كانت بتلفح وشه. مداعباته ليها وقتها كانت كلها جرأة وتجرؤ، وبوساته بتسيب علامات الشغف على رقبتها وكتافها، وضحكتها المكتومة اللي في ثانية اتقلبت لآهات وتنهيدات طالعة من قلبها.

سرح أكتر في خياله، واقتربت منه الصورة لما سحب كرسي المكتب الجلدي وقعد، وجت هي قعدت على رجله، وشها في وشه. في اللحظة دي، القرب كان بيحرق؛ إيديه كانت بتتحرك براحتها وبتتلذذ بتفاصيل جسمها، وهي لافة دراعاتها حوالين رقبته، وبتدفن وشها في صدره مع كل لمسة جريئة بتخليها تترعش بين إيديه. دقات قلبهم كانت سريعة وماشية مع بعض في إيقاع واحد كله رغبة متولعة.

واخيرا بقى.. كانت هناك، على الكنبة الجلد السودة اللي في ركن المكتب.

افتكر سليم بوضوح صوت حكّ الجسد مع الجلد بتاع الكنبة مع كل حركة مشتاقة. الشهقات بدأت تعلى وتتلاحق في هدوء الأوضة، وصوت الأنفاس اللاهثة بقى مالي المكان. بدأ يقلعها هدومها براحة وبتلذذ، حتة ورا حتة، وهو مستمتع بكل شبر بيبان من جسمها تحت النور الساهي. الموضوح مكنش مجرد تقليع، ده كان طقس متعة لوحده؛ بدأ يتذوق بشرتها ببوسات رايقة وغريقة، بيدوق كل تفصيلة فيها كأنه بيدوق أغلى وأطعم فاكهة نادرة كان مستنيها من زمان. رعشة جسمها وصوت نفسها السريع فوق الكنبة السودة دي كانوا أحلى مزيكا سمعها في الليلة اللي مابتتنسيش دي.

فتح سليم عينيه ببطء، وطلع تنهيدة سخنة.. وعقله لسه محبوس في الليلة دي ومش عايز يرجع.

رجع في ثانيه لعادل وال فيه

البقعة الحمراء بتكبر وتفرش على قميصه. وراهم، عند بوابة المخزن الكبيرة، كانت واقفة الست العجوزة اللي شعرها قطن فضي ولابسة بالطو أسود طويل.. “الست فوزية”. نزلت طبنجتها وقالت ببرود وعليها لكنة غريبة: “أنت رغّاي قوي يا عادل.. والكلام الكتير بيموّت”.

عادل انهار وجثته وقعت تحت رجلين سليم. فريدة جِريت على سليم، وقطعت الحبال بسكينة كانت واقعة على الأرض. إيدين سليم فكت وقامت قفشت في ذراعات فريدة بلهفة: “العيال في أمان؟!” “آه.. في أمان”.

سليم قفل عينيه لثانية وخد نفسه.. وفي اللحظة دي جسمه ساب وهبط من كتر النزيف. فريدة لحقته وسندته: “يا غبي…” همست له. بوقه لمس شعرها: “أنتِ جيتي..”. “أنا قلت مش عارفة أنا حاسة بإيه.. بس مقلتش إني هسيب الكلب ده ياخدك”.

نور كانت تبص لـ فوزية بذهول: “أنتِ مشيتي ورايا؟” وش فوزية فضِل زي الخشب مبيقولش حاجة: “أنا اللي بدأت الحكاية دي من تمانية وعشرين سنة.. وأنا اللي هقفلها الليلة”.

سليم بص لها وهو دايخ: “أنتِ مين بالظبط؟” فوزية نقلت عينها من سليم لفريدة.. وبعدين لنور، وقالت بالملي: “اسمي فوزية.. ومن تمانية وعشرين سنة فاتوا، (منصور الدالي) خطف ابني الرضيع لسه نازل من بطني، وادّاه لأخوه يربيه على إنه ابنه عشان يحافظ على نسل العيلة!”.

المخزن كله كتم نفسه. سليم اتثمر في مكانه وصعق.. فوزية بصت له وعينيها مليانة وجع اتقلب لحديد ناشف: “الابن ده كان أنت يا سليم..”.

كبير عائلة الدالي.. الراجل اللي البلد بتترعب من اسمه.. مطلعش من دم عيلة الدالي ولا يجري في عروقه نقطة واحدة من دمهم!

سليم منطقش لفترة طويلة.. المطر كان بيهد في صاج سقف المخزن القديم. الشموع بتتهز في الأركان. عادل الصاوي مرمي جثة على الأرض. ونور واقفة والدموع في عينيها. وفوزية بتراقب سليم كأنها بقالها تلاتين سنة مستنية اللحظة دي، ولما جت لقت نفسها مش جاهزة ليها.

أخيراً، سليم قال كلمة واحدة ناشفة: “لأ”. كلمة واحدة قاطعة.. بترفض الواقع كله وتنسفه.

فوزية مدت إيدها في بالطوها وطلعت كيس قطيفة صغير، سحبت منه حظاظة من خيط أحمر غامق وفيها دلاية ذهب صغيرة على شكل ذئب: “أنت كنت لابس دي في رجلك لما خطفوك مني”. سليم بحلق فيها.. وش الخشب بتاعه مظهرش أي حاجة. بس فريدة حست بالهزة اللي جواه من خلال إيده اللي لسه مكلبشة في معصمها.. صوابعه بقت تلج.

فوزية قالت: “منصور الدالي كذب على جوزي وقاله إن الواد مات في المستشفى.. وبعدين قتل جوزي عشان السر يندفن معاه. وبعد سنين، عرفت إن فيه عيل ظهر في عيلة الدالي ملوش شهادة ميلاد في مستشفى، ولا حد حضر ولادته، وواخد عينين أمي بالملي”. سليم بصلها وجز على سنانه: “وليه استنيتي كل ده؟” “عشان مكنش معايا دليل.. وعشان عيلة الدالي كانوا هيدبحوني في ثانية.. وعشان على ما لقيتك وعرفتك، كنت أنت خلاص بقيت واحد منهم وبقيت شبههم في قسوتهم!”.

الكلمة خبطته في مقتل، وفريدة شافت ده في عينيه. فوزية كملت: “فضلت قريبة من منصور عمك.. اشتغلت معاه في السلاح.. كنت بديله أخبار طشاش وأسرق منه اللي أقدر عليه عشان أكسره. ولما فريدة حملت.. منصور جاله جنون وهستيريا”. فريدة سألتها: “ليه؟” “عشان سليم لما يخلف، يبقى إمبراطورية الدالي هتروح لعيال مش من دم الدالي أصلاً! منصور كان عايز التوأم.. مش عشان يحمي السلالة، عشان يفضح السر! عشان يكسر سليم ويشيل عنه الغطاء ويقعد هو على العرش، ويبيع العيال كروت ضغط لكل العائلات اللي بتكره سليم وتصفي حساباتها معاه”.

صوت سليم طلع واطي: “وليه ساعدتي فريدة تهرب؟” “عشان نور أختها باست رجلي ورجتني”.

فريدة لفت وشها لنور.. وش نور اتعصر من العياط: “أنا سمعت منصور عمك وهو بيتكلم بعد ما خدروني.. فهمت اللعبة. ولما صحيت في بيته الليلة دي بعد ما أنتِ مشيتي، لقيت الدنيا مقلوبة؛ سليم بيدور عليكي، ورجالة منصور بيدوروا.. الكل كان عايز يوصل لكِ. فوزية جاتلي وقالت لي فيه طريقة واحدة بس تحميكِ وتحمي العيال اللي في بطنك”.

فريدة سألتها: “بأنك تعملي نفسك متّي؟!” نور بلعت ريقها بوجع: “بأني مابقاش ليا قيمة في اللعبة فيسيبوني في حالي..”. “وسبتيني أعيش في عزاكي وقهرك خمس سنين؟!”. “كنت فاكرة إنك لو صدقتي إني متّ، عمرك ما هتدوري عليا ولا هتيجي النواحي دي تاني.. وسليم لو صدق إني مت، هيصفي حساباته مع عمه منصور وينهيه بدل ما يفضل يدور عليكي أنتِ والعيال!”.

سليم بص لـ فوزية: “والجثة اللي اتدفنت باسم نور؟” “بنت غلبانة منصور قتلها من شهور قبلها.. ملهاش أهل ولا اسم حد يسأل عليه.. وعادل الصاوي هو اللي مضى على ورق التعارف في المشرحة وطلع تصريح الدفن”.

فريدة حطت إيدها على بوقها.. الرعب ده كان ألعن وأصعب من ضرب النار.. الرعب ده معجون بدم بارد. سليم سأل فوزية: “وكان إيه خطتك في الآخر؟” فوزية عينها منزلتش من عليه: “أشيل فريدة وأخبيها لحد ما العيال تكبر ويخرجوا برة البلد.. وأعمل لنور بطاقة واسم جديد.. ونكشف منصور وننهيه. بس عادل الصاوي غير جلده وباعنا وعمل لعبة تانية خالص مكنتش في الحساب؛ بدأ يسرب أخبار لعيلة الرفاعي بتوع الإسكندرية.. كان عايز يعزلك عن الكل.. وكان عايز فريدة والعيال يظهروا في الوقت المناسب لي هو”.

فريدة سألت: “الوقت المناسب؟” نور وطت راسها بكسوف وخزي: “لما سليم بدأ يبعد عن عائلات البيزنس القديمة.. وأعدائه بقوا جاهزين يصفوا الحساب. ظهورك أنتِ والعيال ديلوقتي كان هيكسره ويخليه مكشوف قدامهم ومالوش ظهر”.

سليم ضحك ضحكة واطية.. ضحكة مرعبة تطلع الروح: “يعني طول عمري..” قال ونبرته ميتة: “كنت مجرد حجر شطرنج الرجالة بتتحرك بيا على التربيزة بمزاجها..”.

فريدة لمست ذراعه.. هو جسمه اتنفض تلقائي.. بعدين ثبت نفسه. الحركة دي وجعت فريدة أكتر من لو كان زق إيدها بعيد. قالت له: “سليم..”. بص لها.. ولأول مرة في حياتها، ملمحتش فيه “الكبير”، ولا “الوحش”، ولا الملياردير اللي اسمه بيهز جبال.. شافت واد صغير اتخطف من أمه واتربى واتشحن بغل وقسوة عيلة تانية خالص متخصوش!

فوزية قربت خطوة: “أنا مجيتش ديلوقتي عشان أقولك أنا أمك وأطالب بيك”. سليم رد بقسوة ناشفة: “كويس.. طمنيتيني”. فوزية قبلت الكلمة القاسية بوجع: “أنا جيت عشان أنهي اسم (عيلة الدالي) خالص من السوق.. قبل ما الاسم ده ياكل عيالك هما كمان ويدمرهم”.

هنا فريدة وقفت مفرودة وناشفة: “عيالي برة اللعبة دي وبرة قذارتكم كلها!”. فوزية بصت لها بحنان: “هما جواها بالفعل يا بنتي”. فريدة كانت بتكره تسمع جملة سليم القديمة بتطلع من بوق حد تاني.

وفجأة من برة.. صوت عربيات قريبة ومواتير بتعرّف! نور بصت من شباك الصاج بلّهفة: “رجالة الرفاعي وصلوا!”. سليم مد إيده يسحب سلاحه، بس جسمه توازن واختل من النزيف. فريدة لحقته تاني: “أنت بتنزف دم كتير!”. “ياما نزفت قبل كده وقمت”. “وظاهر إنك مابتتعلمش من علامك القديم خالص!”. ورغم الوجع والدم، بوق سليم اتلوى بطيف ضحكة.

فوزية جِريت ناحية أرضية المخزن المستخبية: “فيه نفق هنا تحت الصناديق القديمة.. بيودي للمقابر المهجورة ومنها على شط القناة الوراني”. سليم بحلق فيها: “أنتِ حافظة مخابئ عيلتي كويس قوي برضه!”. “أنا حافظة كل شبر عيلتك كانت بتدفن فيه الجثث وتداري وساختها”. ومحدش قاوح معاها في دي.

تحركوا بسرعة. تحت الصناديق كان فيه سلم حديد ضيق ونازل في العتمة والضلمة. سليم قاوح عشان مياخدش مساعدة من حد، بس فريدة ادته نظرة حامية خلت السبع يطس ويسكت ويسمع الكلام. نور مشت وراهم بكشاف صغير، وفوزية قفلت الباب الحديد وراهم بالظبط في نفس اللحظة اللي أبواب المخزن فوق اتكسرت وضرب النار اشتغل فيها.

النفق كانت ريحته طين مبلول وموت قديم. في نص السكة، سليم رجليه خانته وكان هيقع، فريدة رمت ذراعه الكبيرة فوق كتافها وشالته معاها. برطم وهو دايخ: “أنا بعرف أمشي بطولي..”. “آه.. باين قوي والأمارة إنك كنت هتاكل الأرض حالا! اتكل على الله واسكت!”. نور طلعت منها ضحكة مخنوقة وراهم.. كانت ضحكة طبيعية وبسيطة لدرجة إن فريدة كانت هتعيط من كثر ما وحشها الصوت ده.

عند المخرج اللي على شط القناة.. لقت الحاجة فتحية مستنياهم في مركب صيد صغيرة، ومعاها يوسف ونور الصغيرة! فريدة تنحت مكانها: “حاجة فتحية؟!” الست الجدعة هزت كتافها: “بنتك الصغيرة لسانها شبرين وقالت لي إن أمي هتحتاج نجدة من الشط الوراني.. وطلعت بتفهم!”. نور الصغيرة كانت واقفة في المركب، لابس جاكتة واسعة قوي عليها، ووشها وقور: “طلعت صح”. ويوسف قعد يلوح بإيديه الاتنين بفرحة: “يا ماما! المركب دي فيها شيبسي وبسكويت كتير!”.

فريدة كانت هتقع من طولها من كثر الراحة والحمد. سليم قعد يبص للعيال كأنه خرج من جهنم ولقى الجنة بتشتكي من نوع البسكويت! ابتسامة يوسف اتمسحت أول ما شاف الدم مغرق أبوهم: “هو عمو بيموت؟” سليم ركب المركب بمساعدة فريدة وهو ينهج: “لأ.. مش بموت”. يوسف درسه بعينيه: “بس شكلك يقطع الخميرة من البيت”. “شكراً يا حبيبي”. “العفو”.

نور الصغيرة بصت لـ فوزية: “مين دي؟” الكل سكت، وفوزية جاوبت بنفسها: “أنا واحدة كان عليها دَين لأبوكي.. وجيت أوفيه”. البنت الصغيرة فكرت في الكلمة وقالت: “وفيتيه؟” عيون فوزية لمعت بالدموع: “لسه..”.

انطلقوا بالمركب في مية القناة الضلمة وصوت ضرب النار كان بيرن وراهم عند المخزن القديم. وقصر عيلة الدالي كان باين من بعيد وهو بيتحرق والنار بتاكل فيه وسط الشجر الأسود، كأن الماضي بيرفض يموت في سكات ومن غير شوشرة.

لأول مرة من ساعة ما سليم لقاها، فريدة قعدت جنبه من غير ما تبعد ولا تلم نفسها. إيده كانت ممدودة على الخشب بينهم.. بعد فترة طويلة وساكتة، فريدة مدت صوابعها وحطتها فوق إيده قفلت عليها. هو بص لتحت.. وبعدين بص في عينيها. وقال بنبرة واطية: “ده مش هيغير حاجة يا فريدة..”. “ده بيغير كل جاجه يا سليم”. “أنا لسه الراجل اللي عمل كل القذارة دي زمان”. “آه.. عارفة”. “ولسه خطر”. “آه”. “وعمري ما هكون بني آدم طيب ونظيف مية في المية”.

فريدة وّدت عينها ناحية العيال؛ يوسف كان غِلبة النوم ونام على حجر الحاجة فتحية. ونور الصغيرة كانت بتراقب القصر اللي بيتحرق بعيون واعية وذكية قوي. فريدة لفت وشها لسليم وقالت له: “لأ مش هتكون طيب.. بس ديلوقتي تقدر تختار نوع الخطر اللي هتبقى فيه ولحساب مين”. سليم مردش.. بس صوابعه لفت تحت إيدها وكلبشت فيها جامد ومسابهاش.

على الفجر، وصلوا لبيت قديم ومهجور على شط بحيرة المنزلة بعيد عن الأنظار. فوزية كانت مجهزة جوازات سفر جديدة، ونور معاها كاش، والحاجة فتحية قاعدة تبرطم وتعدل على خطط الكل وتقول عليهم شوية عيال مابيعرفوش يخططوا لثانية قدام!

سليم جاله حمى وسخونية جامدة. لمدة يومين، فريدة مفارقتش جنبه، وفيه دكتور من طرف فوزية جه تحت الأرض خاط له الجروح وادّاه مضادات حيوية، وقعد يبرطم ويقول إن الرجالة الناشفة دايماً بتموت من التلوث عشان فاكرين إن العند والغرور هما الدوا!

سليم كان بيغيب عن الوعي ويرجع.. في ليلة، على نص الليل كده، صحي وهمس لها بصوت تعبان: “أنا دورت عليكي كتير..”. فريدة مسحت شعره المبلول من عرق السخونية: “عارفة”. “كنت فاكر إني لو لقيتك.. كل حاجة زمان هترجع تاني”. “مفيش حاجة هترجع يا سليم”. فتح عينيه وبص لها.. كانت مستنية منه غضب وجبروت. بس هو قال لها كلمة واحدة: “كويس”. الموضوع ده فاجأها وخضها.

سليم بص لسقف الأوضة: “أنا مش عايز أرجع للراجل اللي كنت عليه زمان”. زور فريدة اتخنق: “أمال عايز إيه؟” عينه راحت عليها وبص لها بصدق: “عايز أستاهل اللي جاي.. أي كان إيه هو”.

وقبل ما تجاوب، الباب اتفتح بغشم! نور كانت واقفة وشها مخطوف وأصفر: “الأخبار نزلت لايف على التليفزيون ديلوقتي حالا!”.

جِريوا كلهم على الأوضة التانية. على الشاشة، كل القنوات الإخبارية والمواقع منزلة مانشيت واحد بالخط العريض: “مصرع الملياردير سليم الدالي في انفجار قصر عزبة البرج ب بورسعيد”.

جايبين صورة القصر وهو بيتحرق، وصورة قديمة لسليم وهو لابس البدلة وعينيه حجر ومحدش يقدر يلمسه. يوسف، اللي كان لسه صاحي ومغفل، شاور على الشاشة وقال ببراءة: “بس عمو قاعد أهو وبياكل معانا!”.

سليم قعد يبص لخبر موته على الشاشة بتمعن.. وبعدين بالراحة كده، ولأول مرة من سنين، ابتسم ابتسامة حقيقية. فريدة عرفت الابتسامة دي كويس.. الابتسامة دي ياما هزت شركات وحيتان في السوق، وياما نهت حرب سلاح كاملة، وياما كانت السبب في إنها تقع في حبه زمان.

سليم قال: “كويس قوي”. فريدة بصت له: “معناه إيه الكلام ده؟” سليم لف وشه برة الشاشة، ومبقاش الراجل المجروح التعبان، بقى بني آدم لسه مولود ديلوقتي حالا من وسط الرماد: “معناه إن سليم الدالي مات ودفناه.. ولأول مرة في حياتي، هعرف أصطاد أعدائي وأنا مجرد (عفريت وضِل) ملوش وجود!”.

الدنيا برة أقامت الأفراح على موت سليم الدالي بالشراب والزغاريط. أعدائه وحيتان السلاح قعدوا يشربوا نخب موته ورا الأبواب المقفولة. المذيعين في التليفزيون بقوا يتكلموا عن إمبراطوريته بقرف شيك، والسياسيين اللي ياما خدوا منه ملايين كاش قالوا إن موته هو “نهاية عصر الدم والبلطجة”. الرجالة اللي كانوا بيبوسوا إيده وركبته بقوا يقسموا التورته والأراضي بتاعتته والموانئ من قبل ما تراب القصر والمخزن يبرد!

سليم كان بيراقب الليلة دي كلها من شاشة تليفون مستخبي في مطبخ شقة الطوارئ، ويوسف قاعد جنبه بياكل كورن فليكس وباصص له: “هو ليه الناس فرحانة إنك مت يا بابا؟” سليم فكر يكذب عليه. فريدة كانت واقفة عند البوتاجاز بتعمل أكل، ولفت وشها ادته نظرة تحذير عينها شرزت. فسليم قال الحقيقة بحذر وتدبير: “عشان أنا آذيت ناس كتير يا حبيبي”. المعلقة وقفت في إيد يوسف: “وهما آذوك الأول؟” “العالم ده قاسي وفيه منهم عمل كده”. “والباقيين؟” سليم بص لكوباية القهوة بتاعته: “كنت بقول لنفسي إنهم هيأذوني لو ماسبقتهمش”. يوسف كشر: “بس ده مش عدل”. سليم وطى راسه: “عارف.. مش عدل”. “يعني هتروح تقولهم أنا آسف؟”

الحاجة فتحية شخرت سخرية من على الترابيزة: “دي هتبقى لفة طويلة قوي يا واد يا يوسف مستحيل تخلص!”. سليم بص لابنه وقال له: “أنا مش هعرف أصلح اللي فات والدم اللي جرى.. بس هعرف أوقف الكلاب اللي عايزين يمدوا إيدهم عليك أنت وأختك وأمك”. يوسف قبل الكلمة برحمة الأطفال الصغيرين: “خلاص.. يبقى بعد ما تخلص الحكاية دي، لازم تتعلم تعمل بان كيك عسل”. سليم رمش بعينيه وهو مش فاهم: “بان كيك؟” “آه.. ماما بتعمله لينا دايماً لما بنبقى زعلانين”. فريدة ملفتش وشها.. بس سليم شاف كتافها وهي بتهتز مرة واحدة من الضحك المكتوم.

على مدار الأسبوع اللي بعده، شقة الطوارئ دي بقت شبه “مملكة صغيرة مستخباية من حبل المشنقة”. فوزية كانت بترسم خريطة التحالفات القديمة على الورق. ونور بتتواصل مع مخبرين مستخبيين برة وجوة. والحاجة فتحية كانت ممشية الرجالة المسلحين بتوع الحراسة على العجين ميتلخبطوش وتخليهم يغسلوا المواعين والطباق غصب عنهم! وفريدة كانت بتراعي سليم لحد ما بقى يقف على رجليه بطوله من غير ما يميل، وبعدين رفضت تماماً إنه يعمل فيها تعبان أو يستعطفها بالحنية.

العيال كانوا أسرع ناس بيمشوا مع الوضع ديلوقتي. يوسف كان بيقعد مع أي راجل حراسة مسلح ويسأله “إيه أكتر حيوان بتحبه؟”، أما نور الصغيرة فكانت قاعدة تحفظ المخارج، والأسامي، والكذب اللي بيتقال حولين المكان!

في يوم بعد الظهر، سليم لقى بنته نور واقفة في الطرقة ومسبتة عينها على شاشة المراقبة. قرب منها: “المفروض تكوني بتريحي وتنامي”. ردت بنشافة: “وأنت كمان المفروض تريح”. كان هيموت ويبتسم. شاورت بصابعها الصغير على راجل من الحراسة واقف برة: “الراجل ده خايف ومرعوب”. سليم ركز مع الشاشة: “عرفتِ منين؟” “العين بتقول.. كل شوية يحط إيده على جيبه الشمال.. فيه حاجة هناك مش عايز حد يلمحها أو يشوفها”.

سليم ركز أكتر مع اللقطة.. وندى على فوزية فوراً. في ظرف خمس دقائق، كانوا قفشوا الراجل وطلعوا من جيبه الشمال “تليفون خط رخيص” عليه رسائل مبعوتة ومستلمة من رجالة “الرفاعي”! سحبوا الراجل من قفاه على جوة برة برة. نور الصغيرة كانت بتراقب المشهد ووشها هادي ومفيش فيه تعبير.

سليم نزل على ركبته جنبها: “أنتِ لقطتِ حاجة رجالة مدربة ومقضية عمرها في الشغلانة مالحظوهاش يا نور”. رفعت دقنها بفخر: “ماما بتقول إنك تلاحظ التفاصيل.. هو ده اللي بيخليك عايش وبطولك”. سليم بص لآخر الطرقة لقى فريدة واقفة بتراقبهم، وقال لبنته: “أمك عندها حق فعلاً”. البنت سألته: “هتقتله؟”

سليم سكت لثانية.. الإجابة القديمة السهلة والسريعة كانت هتبقى “آه طبعاً غوري في داهية”. بس بنته واقفة مستنية الإجابة.. وفريدة واقفة في آخر الطرقة ومسبتة عينها عليه. قال بصوت هادي: “لأ مش هنقتله.. هنرمي له معلومات غلط ونخليه يوصلنا للكبير اللي مشغله وباعته”. نور هزت راسها: “كده أذكياء وبتاع شغل”.

سليم رفع عينه من فوق راس بنته وبص لفريدة.. فيه حاجة خفيفة ورقيقة تحركت بينهم ديلوقتي.. أول خيط للثقة.. مش كامل.. ومش نظيف مية في المية.. بس بدأ يظهر على الوش.

المعلومات الغلط جابت نتيجتها زي الساعة. في ظرف تمانية وأربعين ساعة، عيلة الرفاعي صدقوا الإشاعة إن نور الأخت الكبيرة والتوأم هيتهربوا برة البلد من حتة متطرفة في أطراف الشرقية. بس في الحقيقة، سليم كان ناوي يجمع كل العائلات والحيتان اللي شاركوا في خطة الخمس سنين دي في اجتماع واحد كبير وسري في قلب القاهرة، وسط عمارة قديمة مهدودة في وسط البلد.

فريدة سألته وهما واقفين قدام الترابيزة: “إزاي هتعمل كده؟” الترابيزة كانت مليانة صور، تحويلات بنكية، شهادات ميلاد، وملفات قديمة بتاعة عيلة الدالي فوزية سرقتها على مدار السنين. سليم قال: “بأني هعرض عليهم الحاجة الوحيدة اللي يسيل لعابهم عليها ويموتوا فيها”. “اللي هي إيه؟” “الإمبراطورية بتاعتي والمفاتيح كلها”.

نور الكبيرة كانت ساندة ضهرها على الحيطة: “ما أنت مت خلاص في التليفزيون! مابقاش عندك إمبراطورية تبيعها!”. عيون سليم بقت كحل: “بس معايا المفاتيح والخزنة السرية اللي فيها ورق رقابهم كلهم”.

فوزية حطت تلات ملفات ثقيلة على الترابيزة: “منصور الدالي كان شايل ورق ودفاتر قديمة؛ تظبيط قضاة، خطوط تهريب، حسابات غسيل أموال، وجرايم قتل بالأسامي. عادل الصاوي سرق جزء، بس الأهم كله هنا معايا.. اللي هيحط إيده على الملفات دي، هيبقى هو (الملك) الجديد في السوق ويحكم الكل بالخوف”.

فريدة فهمت اللعبة: “أنت عامل الملفات دي طُعم ليهم”. سليم قال لها: “آه.. وأول ما يتجمعوا عشان ينهشوا فيها.. هنقفل عليهم السكة وننهيهم”.

في الليلة دي، فريدة لقت سليم واقف لوحده في البلكونة وباصص على الأراضي المظلمة والليل الشتوي. قرب منه: “أنت بتخطط لحاجة تانية ومقلتليش عليها يا سليم”. سليم منكرش: “أنتِ حافظاني قوي”. “وكانت هي دي مأساتي زمان”. بص لها: “وديلوقتي؟” وقفت جنبه والهوا بيطير شعرها: “ديلوقتي أنا لسه بحدد وبفكر”. كان بيبص لها كأن كل تفصيلة عادية وصغيرة فيها بقت مستحيلة تروح منه تاني.

قال لها بنبرة جادة: “أنا مش هاخد العيال معايا في الاجتماع الأخير ده طبعاً”. “ده شيء طبيعي ومن غير كلام”. “بس محتاجك أنتِ تكوني واقفة معايا جوة الأوضة”. فريدة جسمها اتشد: “ليه؟” “عشان لازم يصدقوا إن معاهم كارت ضغط يقدروا يوجعوني بيه في اللحظة دي فيطمنوا”.

عين فريدة ضيقت بـ غل وسواد: “لأ..”. “فريدة.. اسمعيني—” “قلت لأ! أنا مش هكون طُعم في لُعبتك تاني يا سليم الدالي!”. ملامحه اتهزت: “أنا مكنتش قاصد بقلة قيمة ولا—” “بلا قاصد بلا زفت! أنت كنت قاصد كده فعلاً! يمكن مش بقسوة زي عمك، ويمكن مش زيهم، بس عقليتك لسه بتفكر فيا على إني حتة شطرنج ينفع تحطها في المكان المناسب عشان تكسب الماتش!”.

لف وشه الناحية التانية بكسوف. هي وقفت قدامه بالملي وجبرته يبص لها: “بص في عيني هنا! أنا قضيت خمس سنين من عمري زي العفريت والشفافة في بورسعيد عشان الرجالة دايماً بيحددوا وجعي وقهرتي هيفيدهم في إيه في الشغل! منصور استغلني، وعادل استغلني، وفوزية نقلتني، ونور كذبت عليا، وأنت كنت بتدور عليا كأني حتة أرض مكتوبة باسمك حتى وأنت بتموت فيا!”. وشه اتشد والوجع باين فيه: “أنا عارف..”.

“لأ يا سليم مش عارف! ومش هتعرف إلا لو استوعبت الجملة دي كويس: أنا هقف جنبك ومعاك بطولي وبإرادتي، بس عمري في حياتي ما هقف في حتة فيه بني آدم اختار يحطني فيها بمزاجه!”.

السكوت حل بينهم والهوا بيصفر. وبعدين سليم وطى راسه الأرض.. مش كـ “كبير” ولا “حوت سلاح”.. وطى راسه كراجل بيقبل حكم الإعدام عليه وهو ساكت وممنون: “عندك حق.. أنا آسف”.

فريدة كانت مستنية منه خناق، سيطرة، أمر عسكري.. بس لما لقت منه الموافقة والاعتراف ده بالذات، الموضوع ده هزها ولخبط كيانها أكتر من جبروته القديم. سليم بص للضلمة تاني وقال بصوت واطي: “أنا مبعرفش أحب من غير ما أكلبش في اللي بحبه وأعصره في إيدي جامد وخايف يطير..”. زور فريدة وجعها من الكلمة، وهمست له: “يبقى اتعلم يا سليم.. اتعلم بالراحة”. هز راسه: “بحاول.. والله بحاول”.

الاجتماع الأخير اتحدد ميعاده على نص الليل، تحت البدروم بتاع فندق “جراند ميريديان” المهجور في وسط البلد في القاهرة.. فندق كان زمان قمة الفخامة وديلوقتي مهدود وفاضي من فوق، بس تحت الأرض منور وعايش بالوساخة والبيزنس المشبوه. كل العائلات الكبيرة بعتت رجالتها وحيتانها. عيلة الرفاعي جم بكل قوتهم ورجالتهم المسلحين. الرجالة اللي ياما رقصوا وهيصوا على خبر موت سليم الدالي اتجمعوا حولين ترابيزة اجتماعات طويلة، مستنيين الملفات والأرشيف اللي هيقعد واحد فيهم على العرش ويبقى الملك.

مكنوش يعرفوا إن الراجل “الميت” قاعد لهم جوة الأوضة مستني من بدري!

سليم كان بيتحرك في الممرات الخلفية بتاعة الخدمة مع فريدة، ونور، وفوزية، وست رجالة من الحراسة الأوفياء اللي اختاروا يمشوا ورا “العفريت” بدل ما يمشوا ورا الورث والفلوس. سليم مكنش لابس بدلة غالية، ولا خاتم ألماظ، مفيش أي علامة هيبة باينة عليه.. كان لابس أسود في أسود وبس.

فريدة مكنتش شايلة طبنجة المرة دي. كانت شايلة جهاز تسجيل صغير متخيط جوة الجاكتة بتاعتها، وجهاز تتبع (GPS) جوة حظاظة في إيدها، ومعاها غل وقهرة ميعوزوش أي سلاح في الدنيا.

على الساعة اتناشر وسبع دقائق بالظبط، كبير عيلة الرفاعي، “الحج كارم الرفاعي”، وقف على رأس الترابيزة وقال بصوت جهوري: “سليم الدالي شبع موت خلاص.. وعياله مالهمش أثر، ومراته ملهاش أي قيمة ولا لازمة في السوق.. إحنا الليلة دي هنحدد مين اللي هيورث الليلة ويقعد مكان الكبير”.

فجأة.. الأنوار كلها قطعت واتطفت! والشاشة الكبيرة اللي في آخر الأوضة نورت وغلوشت.. وظهر عليها سليم الدالي! عايش وبيتنفس وباصص لهم!

الأوضة انقلبت جهنم في ثانية! الرجالة صرخوا.. الكراسي اتحكت في الأرض.. والسلاح كله اترفع واتعمر في الهوا! وفي نفس اللحظة دي بالظبط.. كل تليفون جوة القاعة رن ونزل عليه رسائل ورا بعض! على كل شاشة تليفون ظهرت نسخ من الأرشيف السري.. جرايم قتل بالتواريخ، رشاوى بالأسامي، اعترافات مسجلة، تظبيط حسابات! كل جريمة داروها في عمرهم كله بقت منورة على شاشاتهم! وكل تحالف خانوه بقى مفضوح!

سليم الدالي خرج من وسط الضلمة والضِل، ووقف بطوله وبكل هيبته وقال كلمة واحدة هزت الحيطان: “اقعد أنت وهو مكانك..”. محدش خطى خطوة. رفع إيده وضرب طلقة واحدة في السقف.. التراب والأسمنت نزل فوق رؤوسهم. الكل قعد مكانه واترصوا زي الفراخ.

فريدة كانت بتراقب المشهد من الممر ولقبها بيدق زي الطبلة. سليم مشى لحد رأس الترابيزة، حط إيديه الاتنين عليها وبص لهم واحد واحد: “أنا كان ممكن أخلص عليكم كلكم ديلوقتي حالا برصاصة في دماغ كل واحد.. ومن خمس سنين فاتوا، كنت هعمل كده فعلاً ومن غير ما يرمش لي عين”. الحج كارم الرفاعي تف من بوقه بغل: “والإيه ديلوقتي؟ قلبك حن وبقيت رومانسي يا ابن الدالي؟” سليم ابتسم طيف ضحكة صغيرة: “لأ.. بقيت أب”.

فيه واحد من الحراس ضحك ضحكة متوترة من الخوف. سليم جز على سنانه والوحش ظهر في عينيه: “أنتم كنتوا عايزين تمدوا إيدكم على عيالي.. استغليتوا مراتي وحبيبتي.. دفنتوا ست وهي صاحية عشان تلعبوا بيا، وقتلتوا بنت غلبانة ملهاش ذنب عشان تداروا وساختكم! فعشان كده، دي الرحمة الوحيدة اللي هتشوفوها مني الليلة: تلموا عزلكم وتخرجوا برة البلد قبل ما الفجر يشقشق، وكل الحسابات البنكية اللي منورة قدامكم ديلوقتي تتحول كاش لأهالي الضحايا الغلابة اللي أنتم قتلتوهم في عمركم كله.. وإياكم.. إياكم مخلوق فيكم يلمح ضِل حد من دمي تاني!”.

ابتسامة كارم الرفاعي وسعت بسخافة: “ولو رفضنا البقين بتوعك دول يا سليم??”

هنا فريدة دخلت الأوضة.. كل العيون لفت وراحت عليها بصدمة. مشت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت جنب سليم.. مش وراه.. ولا في ضهره.. وقفت جنبه بالملي وعلى خط واحد.

ملامح كارم الرفاعي اتشدت: “العروسة الهربانة بذاتها..”. فريدة بصت له بعين قوية ومن غير ما تتهز: “لأ.. اسمي (الشاهدة) اللي هتدفنكم كلكم ديلوقتي”.

وفي ثانية.. الأبواب الكبيرة بتاعة القاعة اتكسرت واتفتحت بغشم! قوات الأمن المركزي والعمليات الخاصة والنيابة العامة ملوا المكان في ثانية! مش رجال سليم.. ولا رجالة عيلة تانية منافسة.. ده كان القانون والحكومة بجد!

وش كارم الرفاعي والكل ساب وفضي من الصدمة. سليم لف وشه بالراحة وبص لفريدة.. ودي كانت الحتة اللي فريدة زودتها في الخطة.. ده كان شرطها الوحيد عشان تقف معاه: مفيش مجازر.. مفيش قعد قرف على العرش تاني.. فيه أدلة، وفيه فضح، وفيه سجن وخراب بيوت بالقانون!

نور الكبيرة هي اللي سلمت الملفات للنيابة من برة، وفوزية هي اللي بَصمت على صحتها، وفريدة هي اللي كلمت المستشار والنائب العام اللي سليم كان ماسك عليه ذلة زمان، وقدمت له حاجة أحسن وأكبر بكتير من الخوف: قدمت له كل حوت سلاح ومجرم عجزوا يمسكوه من سنين طولها على طبق من ذهب!

كارم الرفاعي لمح إن الليلة خربانة ومد إيده يسحب سلاحه بغباء.. طااااخ! طلقة رنت في المكان!

بس مكنتش من قوات الأمن.. الرصاصة جت من البلكونة اللي فوق القاعة! الكل وطى راسه واستخبى تحت الترابيزة. فريدة حست بسخونية الرصاصة وهي بتعدي من جنب خدها بالظبط! سليم قفش فيها وشدها تحت باطه ونزل بيها ورا الرخام بتاع الترابيزة يحميها بجسمه. الطلقة التانية جت في رقبة كارم الرفاعي جابته سايح في دمه ومات في ثانية.

الدنيا انقلبت صراخ ودخان وضوضاء، وفريدة رفعت عينها وسط اللمعان ولمحت الخيال اللي واقف فوق في البلكونة وماسك بندقية قناصة.. بالطو رمادي.. وشعر قطن فضي.. فوزية؟!

بس فريدة لفت وشها لقت فوزية واقفة جنب نور تحت عند المخرج بالظبط وجنب قوات الأمن! يعني الست اللي واقفة فوق في البلكونة دي ست تانية خالص!

الست القناصة لفت وشها ووجّهت البندقية دايركت ناحية فريدة وسليم.. الظل اتشال من على وشها وبانت ملامحها تحت نور الطوارئ الأحمر.. ست كبيرة.. وشها فيه جرح قديم.. وملامحها مألوفة لدرجة تخوف.. مألوفة زي الكوابيس اللي بتصحيك مفزوع نص الليل!

نور الكبيرة صرخت بعلو صوتها وهستيريا من تحت: “أمي؟! مستحيل!!”.

قلب فريدة وقف والنفس اتمسح.. أمهم.. “الحاجة إجلال “.. اللي ورق المستشفيات والوفاة بيقول إنها ماتت من سنين بسبب مرض السرطان واندفنت في سكات.. واقفة بطولها، وماسكة بندقية قناصة، ولابسة عقد لولي.. وكانت بتبتسم لهم!

اللعبة والمصيبة مكنتش بادية من المافيا ولا حيتان السلاح.. المصيبة والبيع والشراء كان بادي من جوة البيت.. من الأم اللي بطنها شالتهم!

فريدة مأريتش أمها من سبع سنين كاملين. الحاجة إجلال .. اتقال إنها ماتت في سكات وجاتلها مكالمة من قريبتها من الصعيد قالت لها البقاء لله، سرطان ودفنة خصوصية ومحدش يحضر. وفريدة وقتها كانت مستخبية وحامل وخايفة، ومعرفتش تروح ولا حتى تبعت ورد عشان رجالة سليم ميرقطوش مكانها.

ديلوقتي.. إجلال واقفة في البلكونة فوق قاعة مليانة مجرمين وحكومة وضباط، عايشة وبتتنفس، والطبنجة في إيدها والعقد اللولي في رقبتها منور!

فريدة مكنتش قادرة تنطق بكلمة. وش نور الكبيرة بقى أبيض زي القماش، وهمست تاني: “أمي؟..”. إجلال ابتسمت للبنتين وبصت لهم ببرود: “بناتي.. طول عمركم دراما وبتحبوا الشوشرة”.

سليم زق فريدة ورا ضهره تلقائي عشان يداريها. الحركة دي صحّت الوحش اللي جوة فريدة، زقته ووقفت جنبه وعلى خط واحد: “لأ يا سليم.. مش هدارى وراك.. أنا اللي هقف في وشها ديلوقتي!”.

عيون إجلال لمعت بشر وسخرية: “يا محاسن الصدف.. فريدة الشجاعة الصغيرة كبرت وبقى لها صوت!”. قوات العمليات الخاصة برة وجوة زعقوا فيها بالمايك: “ارمي السلاح اللي في إيدك وسيبي نفسك!”. إجلال ضحكت ضحكة عالية..

وفي ثانية الأنوار كلها قطعت تاني! اللون الأحمر الطارئ ملا المكان. الرجالة صرخوا.. حد ضرب نار غبي.. الأزاز اتكسر ووقع.. وفي وسط البرجل والدوشة دي كلها، إجلال اختفت من البلكونة كأنها فص ملح وداب!

سليم قفش في إيد فريدة جامد: “من الممر ده بسرعة!”. “لأ! نور فين؟!” نور الكبيرة كانت بتجري بالفعل ناحية السلم الجانبي اللي بيطلع فوق للبلكونات. صرخت فريدة: “يا نور! اقفي!”. بس أختها مسمعتش وموقفتش. وللمرة التانية في حياتها، فريدة تشوف نور بتجري وبتختفي في قلب الخطر.. والمرة دي، فريدة جِريت وراها ومسبتهاش.

السلم كان بيلف لفوق في قلب الضلمة والعتمة ريحته تراب. سليم كان بيجري وراها، مجروح وبيتحامل على نفسه بس عينيه كانت صاحية ومفيش فيها رحمة. تحت، الأمن بيسيطر على المعركة. وفوق، صوت كعب نور بيرن على السلم.

لقوا إجلال واقفة في صالة الأفراح القديمة المهدودة بتاعة الفندق. نور القمر كان داخل من الشبابيك المكسورة ومغطي الأرضية الرخام اللي مليانة تراب وأسمنت. الأوضة دي زمان كانت فخمة وجميلة، ديلوقتي عاملة زي الذكرى اللي سبتها تعفن وتدود في الضلمة.

نور الكبيرة كانت واقفة على بعد كام خطوة من أمها، وجسمها كله بيرتعش من الصدمة والقهر. إجلال كانت ماسكة طبنجة صغيرة، وموجهاها بالراحة ناحية الأرض وباصة لهم.

نور سألتها بدموع وقهرة تقطم القلب: “ليه يا أمي؟ ليه عملتي فينا كده؟”. كلمة صغيرة قوي.. بس وراها جرح وكسرة نفس ملهاش آخر.

إجلال تنهدت ببرود مقرف: “عشان أبوكم كان راجل فقر وضعيف وميعرفش يجيب قرش! وعشان الفقر ده مرض بياكل في العضم! وعشان (منصور الدالي) عرض عليا فلوس وملايين تضمن إن بناتي مستحيل يمسكوا مقشة وينظفوا أرضية شقة زي ما أنا قضيت عمري بعمل!”.

فريدة دخلت الصالة ببطء وعينيها بتغلي: “يعني أنتِ بعتينا وقبضتي تمننا كاش؟” إجلال بصلتها ببرود مقرف: “أنا كنت بظبط لكم فرص ومستقبل نضيف”. نور طلعت منها صرخة قرف واشمئزاز: “أنتِ اللي سبتيهم يخدروني الليلة دي ويحطوني على مكتب سليم!”. “أنا وافقت على مشهد تمثيلي مضبوط مكنتش فاكرة إن فريدة هتدخل في اللحظة دي بالظبط!”. “ودفنتوا بنت غلبانة باسمي وعملتوا لها جنازة وعزا!”. “الموضوع ده كان غلطة وتسرع من عادل ومكنتش حاباه”.

دموع فريدة نزلت من كثر الغل وعينيها غامت: “وأنا؟ كنتِ عارفة إني حامل وتوأم؟” إجلال ابتسمت بخباثة: “ما هو ده كان أساس اللعبة وهدفها كله يا فالحين!”.

سليم اتثمر في مكانه وعينيه بقت زي الحجر الناشف. إجلال وّدت عينها لسليم وبصت له: “منصور عمك كان عايز كارت ضغط يلوى بيه ذراعك ويمحيك.. وعادل الصاوي كان عايز ينتقم منك ويكسرك.. وعيلة الرفاعي كانوا عايزين دم وإمبراطورية.. بس أنا؟ أنا كنت عايزة (الورث الشرعي والجيل الجديد)! عيال بنتي التوأم هما اللي هيورثوا كل مليم وكل شبر في إمبراطورية الدالي والرفاعي! وعن طريقهم، أنا هحط إيدي وأملك اللي رجالة زي منصور وعادل كانوا فاكرين إنهم يقدروا يأجروه بفلوسهم! العيال دول بتوعي أنا!”.

فريدة مكنتش قادرة تاخد نفسها من كثر القرف والذهول: “أنتِ كنتِ شغال مع منصور عم سليم؟” “كنت شغال مع منصور.. وبعدين قلبت عليه واشتغلت ضده.. واشتغلت مع عادل الصاوي.. ولما عادل حب يلعب بديله، لفيت من وراه واشتغلت مع فوزية  لما كان ده ضروري ومصلحة! أنتم فاكرين المجرمين دول أذكياء وعندهم خطط معقدة؟ لأ.. شوية عيال تافهين! عادل عايز حب وانتقام، ومنصور عايز سلطة، والرفاعي عايز فلوس.. شد خيط واحد من خيوط طمعهم تلاقيهم كلهم بيرقصوا زي العرايس على صوابعك!”.

نور مسحت دموعها بغل وغضب: “أنتِ اللي خليتي فريدة تفتكر إني خنتها مع جوزها وبعتها!”. “أنتم الاتنين كنتوا مكلبشين في بعض قوي وكان لازم الخيط ده يتقطع عشان اللعبة تمشي”. “وسبتيها تهرب في المطر لوحدها وهي حامل وتتبهدل في المواقف!”. “أنا اللي زقيت لها الست فوزية في الاستراحة وسهلت لها السكة عشان تروح الحتة اللي أنا عايزاها تتربى فيها لحد ما أحتاجها!”. بوق إجلال اتلوى بقرف: “بس فوزية طلعت رومانسي وحنين وقلبها أهبل وحمتها بزيادة عن اللزوم”.

صوت سليم طلع واطي ومبحوح وزي قفل القبر: “أنتِ اللي بعتي الفيديو ديلوقتي..”. “آه.. أنا”. “وأنتِ اللي لقطتي صورة عيالي جوة الجناح وبعتيها تليفوني”. “آه.. أنا”. عينين سليم بقت فحم وضلمت خالص: “وأنتِ اللي دخلتي بيتي المحصن ووصلتي لحد أوضة نوم عيالي..”. إجلال ابتسمت بفخر: “الحراس بتوعك متربيين على إيدين رجالة بتخاف منك ومن اسمك يا سليم.. بس الرجالة بتوعي متربيين على إيدين (أمهات) عارفين العيال بتنام فين بالظبط والمدخل منين.. أنا اللي مسيطرة”.

فريدة خطت خطوة لقدام. سليم مسك معصم إيدها يخاف عليها، بس زقت إيده وفكت نفسها وقفت في وش أمها: “لأ يا سليم.. سيبني. هي عايزانا نخاف.. عايزانا نترعب ونعمل رد فعل غبي عشان تسيطر..”. إجلال قعدت تسقف بكفوف إيدها بالراحة وبسخرية: “بنتي الذكية الشاطرة..”.

صوت فريدة جمد وبقى ثابت ومفيهوش هزّة: “أنتِ عمرك ما كنتِ عايزانا نموت يا إجلال”. “طبعاً لأ.. تموتوا إزاي وأتعب من غير ثمن؟”. “أنتِ كنتِ عايزانا نتكسر.. نتفرم في المفرمة والدموية دي كلها، عشان في الآخر نرجع نترمي تحت رجليكي ونقولك الحقينا يا أمي ومالناش غيرك!”.

العالم اتمسح من قدامهم. فريدة فهمت اللعبة وقتها.. فهمت السر كله. الفلوس دي كلها.. الخطط.. الجثث والدم.. تحت كل ده كان فيه حاجة صغيرة قوي.. وساخة ونقص وعقدة نفسية مريضة: “أنتِ كان عندك هوس إننا نفضل محتاجين لكِ.. هوس بالسيطرة الكاملة على حياتنا!”.

عينين إجلال نشفت وبقت زي الحجر: “أنا كنت عايزة حقي وتمن تَعبي في الدنيا!”. فريدة زعقت فيها: “لأ! أنتِ كنتِ عايزة بنات مستحيل يقدروا يمشوا ويسيبوكي! وعايزة جوز بنتك يكون حوت سلاح جبار عشان يصرف على طمعك ووساختك! وعايزة أحفاد تشكليهم بمزاجك عشان تطلعي فيهم عقدك المريضة! وكنتِ عايزة تخربي العالم كله ورا ظهرنا وتموتيه عشان ميبقاش لينا ملجأ ولا مكان نروح فيه غير حضنك المسموم!”.

نور الكبيرة بصت لفريدة والدموع في عينيها كأنها شايفة بطل. سليم كان باصص لفريدة بذهول وفخر رهيب هز كيانه. إجلال رفعت الطبنجة الصغيرة ووجهتها لـ صدر فريدة: “أنتِ طول عمرك لسانك بيطول وبتتكلمي كتير أول ما يظهر لك ظهر وتفتكري نفسك شجاعة..”.

وفجأة.. صوت صغنون ورقيق طلع من ورا الستائر المهدودة في الصالة: “وأنتِ كمان بتتكلمي كتير قوي وتصدعي”.

“نور الصغيرة” خرجت من ورا الستارة بطولها! دم فريدة اتنشف وبقى تلج في عروقها.. “يوسف” كان واقف جنب أخته، وماسك في إيد الحاجة فتحية! وش الحاجة فتحية كان غرقان غضب وبتبرطم: “للأمانة التاريخية.. أنا كنت رافضة الحركة دي والبت دي هي اللي مشيت كلامها عليا باللسانها اللي عايز قطعه!”.

وش سليم بقى يقطع الرقبة من الرعب والغضب: “نور! يوسف! ارجعوا ورا حالا!!”. بس البنت الصغيرة متأخرتش.. كانت رافعة في إيدها تليفون حديث وشاشته منورة!

نور الصغيرة بصت لجدتها وقالت بنشافة: “أنتِ قلتِ إن المجرمين عايزين فلوس، وسلطة، وانتقام، وحب.. بس نسيتي حاجة واحدة يا تيتة..”. إجلال بحلقت فيها بذهول وصدمة. نور كملت: “نسيتي إنهم بيحبوا (اللقطة والمنظرة) والكل يشوفهم”.

إجلال برقت للشاشة.. الشاشة كانت جايبة كاميرا ومكتوب عليها “بث مباشر – لايف”! البث ده كان شغال وواصل دايركت لكل ظابط وكل عمليات خاصة تحت في الدور الأرضي! وواصل لكل السيرفرات والمواقع اللي نور الكبيرة ربطتها بالخط أونلاين! واصل للنائب العام والحكومة والدنيا كلها لايف! اعتراف إجلال  كله وصوتها ووساختها اتذاع على الهوا ومفيش مخلوق في مصر مسمعهوش ديلوقتي حالا!

فريدة بصت لبنتها الصغيرة وهي مذهولة ومش مصدقة العبقرية دي. نور الصغيرة بلعت ريقها وبصت لأمها: “أنتِ قلتِ لي إن الملاحظة هي اللي بتخلينا عايشين يا ماما”. ويوسف زود من عنده ببراءة: “والحاجة فتحية قالت الستات الكركوبات العجايز بيقعدوا يتكلموا ويقولوا خططهم كلها لما يفتكروا نفسهم كسبوا الماتش!”. الحاجة فتحية برطمت: “أنا قلت كده فعلاً للأمانة”.

لثانية واحدة.. مفيش مخلوق جوة الصالة خد نفسه. وفجأة.. إجلال صرخت صرخة جنونية وهيستيرية وهتفت: “يا ولاد الـ…!” ووجّهت الطبنجة دايركت على دماغ نور الصغيرة وعياله!

سليم تحرك الأول بسرعة البرق.. بس فريدة كانت أسرع من اللمحة! رمت جسمها كله سد بشري بين أمها وبين بنتها الصغيرة في نفس اللحظة اللي الرصاصة طلعت فيها من بوق الطبنجة!

طااااخ!

الوجع الحامي والحرقة جرت في جنب فريدة وقطعت نفسها. سليم ضرب رصاصة فوراً جت في كتف إجلال حدفتها لورا على الأرض والسلاح طار من إيدها، ونور الكبيرة نطت على الطبنجة وخدتها بعيد. الحاجة فتحية سحبت العيال ورا عمود حجر ضخم وهي بتشتم شتايم وإبداعات بورسعيدية تودي في ستين داهية من كثر الرعب.

فريدة نزلت على ركبها.. وسليم لحقها وضمها في حضنه قبل ما جسمها يلمس الأرض الرخام. كان بيهزها ورعبه مالي صوته: “لأ.. فريدة لأ!!”. مكنش أمر عسكري المرة دي.. ده كان رعب راجل هيموت لو حبيبته جرى لها حاجة.

فريدة بصت لتحت.. الدم كان فارش على الجاكتة, بس الوجع كان حامي وسطحي مش غامق: “أنا مش بموت..” نهجت وهي بتكتم الوجع: “مش بموت يا سليم..”. وش سليم كان لسه طاير ومجنون: “أنتِ مش دريانة بحاجة!”. “لأ دريانة.. الوجع حامي قوي لدرجة تخليني مش عارفة أعمل دراما وأصوت.. الرصاصة خشت وطلعت طشاش”.

نور الكبيرة طلعت منها ضحكة مكسورة وسط عياطها وهستيريتها وهي شايلة أختها. سليم كتم الجرح بكف إيده الكبيرة وبص في عين فريدة: “خليكي معايا.. إياكِ تغمضي عينك!”. فريدة بصت في عينيه.. الصالة كلها كانت بتلف وتدور حولين دماغها، بس وشه هو بالذات كان باين ونظيف ومفهوش غلوشة. همست له زي الأطفال: “احلف بجد.. ووعد حقيقي”.

عينيه كانت بتغلي دموع؛ رفع إيده التانية اللي مليانة دم وحطها على قلبه وهو بيرتعش، وقال لها بصوت طالع من قاع روحه: “ووعد مني.. عمري ما هضيعك من إيدي تاني يا فريدة.. عمري”.

إجلال كانت مرمية على الأرض، عايشة وبتنزف وبتغلي من الغل والجنون. في ثانية واحدة، قوات العمليات الخاصة والضباط ملوا الصالة وكتفوها. المرة دي مكنش فيه هروب.. مفيش شهادة وفاة مزورة.. مفيش عادل الصاوي يظبط ورق مشرحة.. ومفيش بنتين باقين عليها ومستعدين يحموها أو يداروا وساختها.

وهما بيسحبوها على برة، لفت وشها وبصت لفريدة نظرة أخيرة مسمومة: “هتندمي يا فريدة.. هتدوري عليا وتندمي!”. فريدة وهي في حضن سليم، بصت للست اللي ولدتها وحاولت تملك عمرها وتبيعه كاش، وقالت لها بكلمة واحدة قاطعة: “لأ مش هاندم.. أنا خلاص عديتك وعشت بعدك يا إجلال”.

بعد تلات شهور من الليلة دي.. مصر كلها مكنش وراها سيرة غير اسم “إجلال “. المحاكمة بتاعتها بقت قضية الرأي العام والمنشيتات؛ الأم اللي باعت بناتها لحساب حرب سلاح غشيمة. الأخت الكبيرة اللي اتقال إنها ماتت وطلعت عايشة. والملياردير سليم الدالي اللي عمل نفسه مات وسلم إمبراطورية كاملة من ملفات ورجال السلاح للنيابة العامة وفضح الكل!

سليم مأختفاش برة البلد.. بالعكس.. وقف بطوله في قفص المحكمة وقدم شهادته قدام القاضي في بدلة غامقة وبسيطة. مكنش واقف كـ “ملك”، ولا كـ “عفريت”، واقف كراجل بني آدم بيتحاسب على القسوة والدم اللي بنى بيهم عرشه زمان. مِعترفش بكل حاجة طبعاً؛ مفيش راجل زي سليم الدالي يقدر يعيش لو قال الحقيقة مية في المية.. بس قدم كروت ومعلومات كافية إنها تحرق وتدمر كل العائلات القديمة الكبيرة في السوق وتوديهم ورا الشمس.

الحكومة حطت إيدها على الأصول والشركات، الأسامي اتفضحت في الجرايد، والرجالة اللي كانوا بيحكموا الناس بالخوف اكتشفوا إن “الخوف” ذاكرته قوية قوي ومابتنساش أسامي ضحاياها.

فوزية  اختفت تماماً بعد المحاكمة مالهاش أثر، وسابت لسليم علبة صغيرة فيها الحظاظة الحمراء ودلاية الذئب الذهب.. الوداع الأخير من الأم الحقيقية.

ونور الكبيرة فضلت قاعدة معاهم. العلاج النفسي والوقت مخلاهاش طيبة وهادية.. خلاها “صريحة ونظيفة”. كانت بتقعد تتخانق هي وفريدة في الأسابيع الأولى خناقات صياح وعياط ووجع عن الكذب، القهر، الحماية، والهروب.. وبعد ما يخلصوا خناق وصريخ، يقعدوا جنب بعض في سكات.. أختين بيتعلموا إن “النجاة والعيشة” مش معناها المسامحة الفورية، بس ممكن تكون هي أول خطوة في طريقها.

الحاجة فتحية رجعت بورسعيد وبنت المخبز بتاعها تاني من أول وجديد بفلس وسند من سليم، مع إنها قعدت تقول: “الفلوس دي ريحتها (نظيفة بزيادة) وتقلق.. بس يلا أهي هتمشي الشغل ونعمل بيها العيش!”. يوسف ساعدها ودهن اليافطة الجديدة بتاعة المحل بإيده. ونور الصغيرة قعدت تعدل للكل الأخطاء الإملائية اللي على اليافطة!

أما سليم وفريدة.. مرجعوش للحصن القديم ولا المخزن ولا القصر الغارق في الدم. اشتروا بيت بسيط ونظيف على أطراف بورسعيد، قريب كفاية إنهم يسمعوا صوت طبطبة موج البحر، وبعيد كفاية عن زحمة المصيفين عشان سليم يعرف يحط كاميرات وحراسة من غير ما يخض الناس والسياح.

في أول صباحية ليهم في البيت الجديد.. بقامي نرمين عادل همام فريدة دخلت المطبخ لقت الدنيا مقلوبة دقيق وأبيض في كل حتة! سليم كان واقف قدام البوجاز والدقيق مغطي وش لِحيته وباطنه. يوسف كان واقف على كرسي جنبه وفرحان. ونور الصغيرة قاعدة على الترابيزة وباصة لهم بنظرة “مش عاجبها العجب”.

فريدة ضحكت: “فيه إيه يا جماعة؟ إيه المأساة دي؟” سليم بص للصاج المحروق وتنهد بقلة حيلة: “البان كيك..”. يوسف وشه نوّر وقال: “بابا قتله في الفرن يا ماما! جاب أجله خلاص!”. سليم قال: “ظاهر كده فعلاً.. مالناش في العجين”.

فريدة ضحكت من قلبها.. الضحكة طلعت سهلة، ونظيفة، ومن غير وجع في زورها. والموضوع ده فاجأها هي شخصياً وبسطها. سليم بص لها ولضحكتها كأن الصوت ده جرحه وشفاه في نفس الثانية وضمد قلبه.

بعدين بالليل.. وهما واقفين في البلكونة والعيال بتجري ورا كلب الحاجة فتحية العجوز في النجيل الأخضر تحت، سليم كان واقف جنب فريدة وحاطط إيديه في جيبه وباصص لهم.

قال لها بصوت هادي: “أنا مضيت على ورق التنازل كله النهارده يا فريدة”. لفت وشها وبصت له: “ورق إيه؟” “آخر حسابات برة البلد.. والشركات اللي فاضلة باسم عيلة الدالي. كل حاجة مربوطة بالنظام القديم والشغل المشبوه اتمسحت أو اتسلمت للحكومة رسمي”. “ومفضلش معك حاجة؟” “فضل كفاية”. “كفاية لإيه؟” بص ليوسف ونور وهما بيضحكوا تحت: “كفاية عشان نشتري دقيق وبان كيك، وندفع مصاريف المدارس.. وعشان عيالي مستحيل يورثوا ذنوبي وسيئاتي على إنها (بيزنس عيلة) ومصدر فخر”.

زور فريدة اتخنق من كثر التأثر: “أنت؟” سليم لف وشها وبص لها: “أنا هفضل راجل طباعي صعبة وناشفة.. مش هبقى ملاك بجناحين في ثانية”. ابتسمت غصب عنها: “ودي حقيقة للأسف ومفيش فيها شك”. “وهفضل خطر ومحدش يقدر ييجي عليا”. “آه.. عارفة”. “بس مبقتش بتاعهم.. ولا مكتوب باسم عيلة الدالي خلاص.. أنا بتاع نفسي وبتاعكم”.

هوا البحر طار بين القعدتين ونعش المكان. فريدة بصت للراجل اللي ياما أحبته، وياما كرهته، وياما عيطت على موته، وخافت منه.. وديلوقتي لقت نفسها معاه تاني ومن أول وجديد تحت أنقاض الدم والخراب.

قالت له بنشفان: “أنا مش هعرف أرجع زي زمان يا سليم”. “عارف”. “ومش هكون الست اللي فاكرة إن الحب معناه (إمتلاك وعبودية وتحت السيطرة)”. “عارف”. “ومش هلبس قفص في رجلي تاني.. حتى لو كان القفص ده معمول من ألماظ ذهب واسمه (حماية وخوف عليا)”.

سليم مد إيده في جيبه.. لثانية واحدة مجنونة، فريدة افتكرت إنه مطلع خاتم ألماظ جديد وهيقولها اتفضلي. بس سليم مطلعش ألماظ.. طلع مفتاح شقة صغير.. مفتاح نحاس عادي بسيط.

حطه في كف إيدها وقال لها بالملي: “البيت ده مكتوب باسمك أنتِ وبس.. بتاع فريدة . والحسابات بتاعة العيال محتاجة إمضاء وموافقة منك أنتِ قبل مني. ورجالة الحراسة اللي واقفين برة بياخدوا أوامرهم منك أنتِ الأولى وميقدروش يتخطوا كلمتك معايا”. فريدة بحلقت في المفتاح اللي في إيدها. صوت سليم نزل وبقى حنين قوي: “أنا مش عايز أملكك يا فريدة.. أنا يدوب بستأذنك تسمحي لي أكون قريب وعايش جنب الحياة النظيفة اللي أنتِ بنيتيها من غيري في بورسعيد.. بس كده”.

عينيها دمعت وحست بالدموع دافية: “الكلام ده كأنه رومانسي وابن أصول قوي..”. بوقه اتميل بطيف ضحكة هادية: “أنا لسه بتدرب بالراحة أهو..”….

خدت المفتاح منه.. مش عشان المفتاح ده بيصلح كل الوجع القديم.. مبيصلحش. ولا عشان الثقة رجعت مية في مية في ثانية.. مرجعتش. بس عشان الحب الحقيقي.. الحب النظيف الصاحي.. مش معناه إننا مفيش فينا جروح وكسور.. الحب معناه إن فيه اتنين بني آدمين واقفين وسط الردم والخراب القديم، وبإرادتهم اختاروا إنهم ميبنوش نفس السجن المظلم مرتين!

وفجأة من تحت.. يوسف صرخ بعلو صوته: “يا بابا! جردل الكابوريا اتقلب وهربوا في النجيل كله!”. سليم رمش بعينيه ومش فاهم: “كابوريا إيه؟” فريدة ابتسمت وقالت له: “يا مرحب بيك في بورسعيد يا سليم باشا!”.

في اللحظة دي.. لقت “نور الصغيرة” جاية بتجري على السلم ونهجتها سابقة خطوتها، وماسكة حاجة في إيدها الصغيرة: “يا ماما! يا ماما بصي!”. فريدة لفت لها: “فيه إيه يا قلب ماما؟”

نور فتحت كف إيدها الصغيرة.. جواها كان محطوط دلاية فضة رفيعة على شكل هلال وفيه فص ألماظ مجروح الصغير.. السلسلة بتاعة نور أختها!

فريدة لفت وشها وبصت لمدخل الجنينة برعب ولهفة.. كانت واقفة هناك.. نور الكبيرة بشنطة سفرها.. وواقفة بتبص ليهم والدموع في عينيها وبتبتسم من قلبها. نور قالت بصوت طيب وحنين: “أنا قلت.. يمكن خالتو نور ينفع تقعد معاكم على العشا الليلة دي? لو مفيش إزعاج يعني؟”.

يوسف قعد يتنطط ويزغرد بفرحة. ونور الصغيرة هزت راسها بوقار كأنها هي اللي مرتبة المقابلة دي ومظبطاها بمزاجها!

سليم بص لفريدة.. المرة دي.. مأخدش قرار بمزاجه.. ولا وّرها العين الحمراء.. وقف مستني.. مستني كلمتها وإشارتها هي.

فريدة نزلت درجات السلم بالراحة، ووقفت قدام أختها وحتة من قلبها. لثانية واحدة، الماضي كله وقف سد بينهم؛ المكتب، اللبس، الفخ، الخيانة الغلط، القبر الكذب، السنين، والوجع.. وبعدين.. فريدة فتحت دراعاتها الاتنين على آخرهم.. ونور رمت نفسها في حضنها وقفلت عليها وهي بتعيط من الفرحة.

فوقيهم.. السماء الشتوية بدأت تصفى والشمس تطلع والشبورة تسيح. ولأول مرة من خمس سنين طولها.. محدش بقا بيجري.. ومحدش بقا هربان من حد.

وفي الليلة دي.. لما سليم حرق البان كيك تاني ويوسف قال عليه “بان كيك مجرم ويستاهل السجن”، ولما نور الصغيرة كانت بتحدف نصيبها للكلب من تحت الترابيزة في سكات، ولما الحاجة فتحية قعدت تشتم وتبرطم إن الرجالة الأغنياء بيخربوا الفطار.. ولما نور الكبيرة قعدت تضحك لحد ما دموعها نزلت على الترابيزة..

فريدة كانت واقفة عند باب المطبخ، وحاطة كف إيدها فوق الجرح والندبة اللي في جنبها.. العلامة من آخر رصاصة أمها أطلقتها عليها في عمرها كله. العلامة والندبة دي كانت بتفكرها دايماً إن فيه جروح مستحيل تختفي من الجسم.. بس قيمتها إنها خلاص مبقتش هي اللي بتكتب الحكاية ولا بتمشي السطور!

سليم جِه ووقف جنبها وحط كتفه في كتفها وهمس لها: “مبسوطة؟”. فريدة بصت لعيالها.. لأختها.. للمطبخ المبهدل المليان دقيق.. ولالمصيبة العادية والنظيفة بتاعة فطار بالليل.

وبعدين لفت وشها وبصت في عينيه: “مش مبسوطة زي قصص الفوازير والأميرات بتاعة زمان يا سليم..”. عينيه درست ملامحها: “لأ؟” مسكت إيده اللي مليانة دقيق وقالت له: “مبسوطة زي اتنين بني آدمين عدوا ونجوا من نهاية العالم.. ولسه عندهم نفس ورغبة يكتبوا سوا (الفصل الجديد) من حياتهم”.

سليم رفع إيدها لحد بوقه وباس عقل صوابعها براحة وحنية.. مكنتش بوسة إمتلاك وسيطرة.. دي كانت بوسة “شكراً إنك رجعتيني بني آدم تاني”.

برة.. البحر كان لسه بيتحرك ويطبطب على الشط. وجوة.. البيت كان مليان حس، وصوت ضحك، وعيال بتجري.

وفي مكان بعيد قوي.. كانت إمبراطورية الدالي القديمة بقت تراب ورماد مالهاش أثر، ومفضلتش وراها لا عرش، ولا تاج، ولا ورث معجون بالدم والخوف.. مفضلش غير عيلة.. اتفرتكت، واندفنت، واتصادت، ورجعت اتجمعت واتصبت من أول وجديد على نظافة.

“فريدة” اختفت زمان عشان تحمي وتنقذ عيالها. و”سليم” مات في التليفزيون عشان يحمي وينقذ عيلته. و”نور” رجعت من القبر عشان تقول الحقيقة وتصفي الحساب. والتوأم.. اللي اتولدوا من كذبة وعاشوا في الاختفاء.. كبروا وبقوا عارفين حاجة واحدة أنظف وأكبر من أي إمبراطورية في العالم كله:

الحب عمره ما كان امتلاك وسجن.. الحب هو الباب اللي بتسيبه موارب ومفتوح.. والنية الصافية إنك ترجع لبيتك وأنت مطمن.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *