أمي جت تعيش معايا 2

وقفت مكاني متجمدة، المظروف القديم بيترعش في إيدي، وعينيا بتتحرك بين الصورة المقطوعة وبين وش أمي اللي كان خالي من أي تعبير غير الحزن الممزوج برعب حقيقي.

“كدبة؟ كدبة إزاي يا ماما؟” صوتي طلع مبحوح ومخنوق. “أنا شفتك في الكاميرا.. شفتك وأنتي بتسحبي السائل ده من بطنك وبتشربيه! إيه القرف ده؟ وإيه الوصل ده اللي من سنة 1998 وبيقول قبل الوفاة، وأبويا مات من كام سنة بس؟ فهميني أرجوكي!”

أمي ما ردتش عليا بكلمة. مشيت بخطوات تقيلة وداخلة على سرير مريم، قعدت على طرفه، وحطت إيدها على بطنها الكبيرة وبدأت تملس عليها بحنان غريب، حنان خلاني قشعر؛ لأن المنظر مبقاش مجرد مرض.. المنظر بقى فيه ريحة غموض أسود.

“يا ليلى..” قالتها بصوت واطي وشرخان. “أبوكي اللي مات من أربع سنين، واندفن في مدافن العيلة في المنصورة.. مكنش أبوكي الحقيقي.”

الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة. رجعت خطوة لورا وخبطت في الدولاب. “أنتي بتقولي إيه؟ أنتي واعية لكلامك؟”

“اسمعيني للآخر ومتقاطعينش لأن النفس اللي باقيلي يدوب مكمل معايا الكلمتين دول،” أمي غمضت عينيها ودمعة سخنة نزلت على وشها الدبلان. “في سنة 1998، أنا كنت متجوزة راجل تاني قبل الوفاة اللي مكتوبة في الوصل دي.. الراجل ده كان حُبي الأولاني، وكان مهندس شغال في شركات البترول. بعد جوازنا بسنة، جاله المرض الخبيث في بطنه.. ورم وراثي نادر جداً وسريع الانتشار. الدكاترة قالوا ملوش علاج، وأنه هيموت خلال شهور. بس قبل ما يموت، هو كان نفسه يسيب حتة منه في الدنيا.. كان نفسه يخلف.”

أمي خدت نفس طويل وصعب، وكملت: “الدكاترة قالوا إن العلاج الكيماوي دمر كل حاجة، ومفيش أمل للحمل الطبيعي. فاقترح دكتور صاحبنا فكرة.. إنه ياخد عينة جينية من خلايا معينة، ويحفظها بطريقة بدائية وقتها في المعمل، على أمل إن الطب يتقدم بعدين وأقدر أحمل منها. جوزي مات.. وأنا عشت سنتين لوحدي، لحد ما أهلي غصبوا عليا أتجوز قريبي.. اللي هو الراجل اللي إنتي عشتي طول عمرك فاكراه أبوكي.”

دموعي بدأت تنزل بغزارة وأنا مش فاهمة الرابط. “طب وأنا؟ أنا جيت إزاي؟”

أمي بصت لي بنظرة كسرت قلبي. “الراجل اللي اتجوزته مكنش بيخلف يا ليلى.. مكنش بيخلف تماماً. وبسبب عادات الصعيد والمنصورة، كان هيموت لو حد عرف إن العيب منه. عشان كدة، بعد خمس سنين جواز وضغط من أهله، وافق على فكرة مجنونة.. أخدني لنفس الدكتور، واستعملنا العينة الجينية المحفوظة بتاعة جوزي الأولاني اللي مات في 1998.. وحملت فيكي إنتي!”

وقعت على الأرض، ركبي مشيلتنيش. “يعني أنا.. أنا بنت الراجل اللي في الصورة؟”

“أيوا يا بنتي.. الراجل ده كان اسمه شاكر.. وهو ده أبوكي الحقيقي. جوزي التاني ستر عليا وعليكي، وعاش طول عمره يعاملك كأنك بنته، وكتب ليكي كل حاجة باسمه، ومات والسر ده مدفون في قلبه.”

“طب وبطنك؟” صرخت وأنا بشاور على جسمها. “بطنك دي فيها إيه؟ وإيه السائل اللي بتشربيه؟”

أمي عيطت بانهيار، وحطت إيدها الاتنين على الورم المرعب. “المرض وراثي يا ليلى.. نفس المرض اللي مات بيه أبوكي شاكر في 1998. الورم ده بدأ يظهر في بطني من خمس شهور.. الخلايا السرطانية بتفرز سائل جينات ملوث بيملى تجويف البطن. أنا مكنتش بروح المستشفى عشان خايفة يكتشفوا المرض ويفتحوا السجلات القديمة والكل يعرف الحقيقة، وخايفة أموت وأسيبك لوحدك مع بنتك وإنتي محتاجالي.”

سكتت لحظة وبصت لسرير مريم، وقالت برعب هز كياني بالكامل:

“أنا كنت بسحب السائل ده من بطني وبشربه.. لأن الدكتور القديم قالي زمان إن الخلايا دي بتتغذي على جينات الجسم، ولو سحبتها وموتها بره، الورم هيهدا كام يوم عشان يخليني أعيش أخدمك فترة أطول.. أنا كنت بموت نفسي بالبطيء عشان أعيش معاكي شهر زيادة.. بس الصدمة مش هنا يا ليلى..”

أمي مسكت إيدي بقوة خلتني أتوجع، وعينيها كانت مبرقة من الخوف:

“الصدمة إن المرض ده وراثي بحت.. وبينتقل للبنات بس في الجيل التالت.. أنا لما كنت في الحمام وكنت برجع بعنف.. مكنتش بتوجع من بطني أنا.. أنا شفت مريم بنتك الصغيرة وهي نايمة الصبح.. ولمست بطنها.. ولمحت أول بروز صغير ناشف تحت هدومها!”

 

جملة أمي الأخيرة نزلت على وداني زي الصاعقة اللي شلت حركتي تماماً. “بروز في بطن مريم؟” الكلمة كانت بتلف وتدور في دماغي، والكون كله لف بيا.

زقيت إيد أمي بعنف وقمت جريت على أوضة مريم. البنت كانت لسه نايمة على سريرها الصغير، ملاك بريء ملوش ذنب في أي حاجة من السواد اللي بنعيشه ده. رفعت التيشيرت القطن بتاعها وإيدي بترحش لدرجة مكنتش قادرة أتحكم فيها. وبدأت أمشي صوابعي على بطنها الصغيرة.

في الأول مكنش في حاجة، لكن لما ضغطت براحة ناحية اليمين… حسيت بيه.

بروز صغير جداً، ناشف زي حجر صغير مستخبي تحت الجلد الناعم. نفس الملمس اللي أمي وصفت بيه بداية تعبها.

دموعي نزلت على بطن مريم، وركبي سابت تماماً ووقعت على الأرض جنب السرير. بنتي؟ حتة مني ومن عمري كله، يحصل فيها كدة؟ وبسبب إيه؟ جينات ومرض وراثي لراجل أنا عمري ما شفته ولا أعرف شكله بالكامل؟

دخلت ورايا أمي وهي بتسند على الحيطة، بتنهج ووشها خالي من الدم. قعدت جنبي على الأرض وضمتني لصدرها. “سامحيني يا بنتي.. سامحيني.. أنا هربت من المنصورة وجيتلك القاهرة مش بس عشان أساعدك.. أنا جيت عشان كنت حاسة إن اللعنة دي هتوصلكم، كنت عايزة أكون جنبك لما الكابوس ده يبدأ.”

“لعنة إيه ومستشفى إيه يا ماما؟” صرخت فيها بصوت مكتوم وأنا كاتمة عياطي عشان مريم ماتصحاش. “إحنا في سنة 2026! الطب اتقدم، أنا هاخد مريم فوراً وهلف بيها على أكبر دكاترة في مصر، والورم ده هيتشال.. مش هسيب بنتي تضيع مني!”

أمي هزت راسها بيأس ودموعها بتنزل. “المرض ده مش سرطان طبيعي يا ليلى.. شاكر أبوكي الله يرحمه مكنش مريض عادي. الدكتور اللي عمل العملية زمان قالي إن الجينات دي فيها طفرة مش مفهومة، وعلشان كدة المستشفى والجامعة وقتها أخدوا العينات وحفظوها في سريّة تامة. الوصل اللي معاكي ده مش مجرد تذكرة.. ده دليل إن في جهة تانية خالص بتدور على السلالة دي من سنين!”

وقفت مكاني وبصيت للوصل اللي في إيدي.. “جهة تانية؟ جهة مين؟”

قبل ما أمي ترد، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب الشقة بره.

ياسين رجع.

أمي حطت إيدها على بوقي وقالت بوشوشة مرعوبة: “ياسين لاء.. ياسين ميعرفش حاجة عن الموضوع ده، ولو عرف إن مريم تعبانة بالمرض ده، وميعرفش أصل العيلة، هيطلقك وياخد البنت ويوديها في مكان مش هتشوفيها فيه تاني.. ياسين مبيثقش فيا من الأول.”

مسحت دموعي بسرعة، وحاولت أظبط نفسي وخرجت للصالة. ياسين كان داخل ومعاه أكياس طلبات، ملامح وشه كانت متوترة وعينيه مليانة أسئلة وشك بعد الخناقة بتاعت الحمام.

“ليلى.. أنتي كويسة؟” سألني وهو بيحط الحاجة على الترابيزة وعينيه بتتحرك في الشقة كأنه بيدور على حاجة. “مامتك فين؟ والوضع إيه؟ أنا مش ملاحق على تصرفاتكم الغريبة دي من الصبح.”

“مفيش يا ياسين.. ماما تعبانة شوية من القولون وأنا كنت بنظف الأوضة جوه،” قلتها بصوت بحاول أخليه طبيعي بس رعشة إيدي فحتني.

ياسين قرب مني، وبص في عيني بحدة غريبة م شفتهاش فيه قبل كدة، وقال بصوت واطي: “تمام.. بس على فكرة، أنا شفت تسجيلات الكاميرا هي كمان يا ليلى.. شفت كل حاجة مامتك عملتها بالليل.. وعرفت إن الموضوع مش مجرد مرض.”

قلبي سقط في رجلي. ياسين شاف الفيديو!

كمل ياسين وهو بيطلع موبايله من جيبه: “والأغرب من كدة.. إن في رقم غريب اتصل بيا من ساعة، وقالي إنه من مستشفى معينة في المنصورة، وبيسأل لو الست اللي اسمها (فاطمة) موجودة عندي في الشقة، وقالولي جملة واحدة خلقتني مش عارف أنام.. قالوا لي إن مامتك هربانة من حجر صحي من خمس شهور، وإن اللي في بطنها ده خطر على أي حد يقعد معاها في مكان واحد!”

بصيت لياسين بذهول، وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت صرخة مكتومة طالعة من أوضة مريم.. بس مكنتش صرخة طفلة بتعيط.. دي كانت صرخة أمي!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *