ج2 مرتب مراتي للكاتبة نرمين عادل همام
ج2
قلبي بدأ يقلق ويوجعني من تصرفاته، فـ روحت وقفت قدامه وسألته بهدوء:
— “هو إحنا هنسافر إمتى يا حسام؟ الإجازة بتخلص”.
رد عليا بعصبية وزعيق كأني بغلط فيه:
— “نسافر فين؟ يعني إيه هنسافر إمتى؟ إنتي هتفضلي تِزني!”
قلت له وأنا مستغربة ومترددة وصوتي واطي:
— “امال فلوس الجمعية الكبيرة اللي اديتهالك عشان السفر… راحت فين؟”
فجأة لقتيه انفجر في وشي زي البركان. قام وقف من على الكنبة، وصوته عِلي في الشقة، ووشه اتقلب وبقى أحمر من الغل، وقال وهو بيزعق ويشوح بإيده:
— “إنتِ كل شوية هتقعدي تقوليلي فلوس فلوس! إنتي إيه مابتشبعيش؟ كفاية وبوسِ إيدك شعر ودقن إني مستحملك ومستحمل قرفك في البيت ده أصلًا!”
وقفت في نص الصالة مصدومة، دموعي اتجمدت في عيني ومش قادرة أنطق. وكمل كلامه وجرحه فيا من غير أي رحمة ولا إنسانية:
— “إنتِ أصلاً مش نافعة كزوجة ولا تملي العين… واحمدي ربنا ليل نهار إني سايبك على ذمتي ومسترك في بيتي وماتطلقتيش لحد دلوقتي!”
الكلام ده نزل على قلبي وعزتي زي السكاكين التلمة اللي بتقطع في حشايا. أنا؟ أنا سلمى اللي شايلة البيت ده كله على كتافي؟ اللي بشتغل الصبح وبالليل، وبصرف من مرتبي على الأكل والشرب واللبس، وبربي تلات عيال، وبسكت على الإهانة والقلة؟ أنا اللي مستحملة قرفه وأنانيته وسهراته السنين دي كلها؟ كنت واقفة ببص في وشّه… ومش قادرة أستوعب ولا أصدق إن ده الراجل اللي ضيعت صحتي وعمري وشبابي وأنا بحاول أرضيه وأشتري خاطره. كان بيتكلم بجحود أعمى كأنه عمره في حياته ما شاف تعبي، ولا قدر دموعي، ولا حس بوجعي، ولا افتكر الحاجات الكتير اللي ضاعت مني ومن كرامتي عشانه وعشان بيته.
في اللحظة دي بالذات… حسيت إن في حاجة كبيرة أوي وغالية اتهدت واتكسرت جوايا ومستحيل تتصلح تاني؛ حاجة اسمها الاحترام، وحاجة اسمها الستر، وحاجة اسمها الوهم اللي كنت متبنجة فيه. ومن ساعتها… عمري ما رجعت سلمى الطيبة بتاعة الأول ولا هأرجع.
بعد اليوم ده، وبعد خناق طويل عريض وشد وجذب ومقاطعة مابتنتهيش، وصلنا لحل وسط يادوب يمشّي المركب؛ إنه ياخد نص المرتب بتاعي بس أول ما أقبضه، ويسيبلي النص التاني للبيت والعيال. وساعتها، من كتر ما كنت ساذجة ومكسورة ومغسولة الدماغ من كلام أمي، كنت بقعد أبرر له وأقول لنفسي: “ماشي مش مهم، هو أكيد بيحافظ على الفلوس وبيشيلها في البنك عشان ما أصرفهاش أنا في أي حاجة تافهة، وإنه راجل وأدرى بمصلحة البيت وبكرة الفلوس دي تنفعنا”. كنت بضحك على نفسي وبصبر روحي بكدبة كدبتها وصدقتها… أو يمكن كنت بحاول ألاقي أي قشة أتعلق بيها عشان أعرف أعيش وأربي عيالي.
فضلنا فترة على الحال المايل ده. مشاكلنا برضه ما كانتش بتخلص ولا بتهدى؛ خناقات على أتفه الأسباب، نكد ليل نهار، تحكم في الرايحة والجاية، وأربع حيطان قافلين عليا وعلى أنفاسي. كان حابسني في البيت ومنعزل عن الدنيا كأني سجينة في معتقل؛ لا خروج مع أصحاب، لا زيارات لقرايب، ولا حتى مخليني أعرف آخد نفسي. لحد ما في يوم، طفح بيا الكيل ومبقتش قادرة أستحمل أكتر من كدة قهر، ورحت اشتكيت وبكيت لأخويا الكبير محمود. محمود كان ساكن في الشارع اللي ورايا، راجل عاقل وموزون ومحترم وصاحب كلمة، وجوزي حسام أصلًا كان بيعمل له ألف حساب ويخاف من هيبته.
أخويا محمود جه البيت وقعد معاه في الصالة واتكلم بهدوء ومن غير زعيق ولا قلة أدب ولا تجريح. بص له وقال له بوضوح:
— “يا حسام، إنت راجل والبيت ده بيتك، وسلمى دي مراتك وأم عيالك، والبيت لازم يبقى فيه سكي..نة وراحة للكل… سيب أختي تروح وتيجي وتزور أهلها وتعيش وتشم الهوا زي باقي خلق الله، بلاش الخنقة دي”.
جوزي حسام قعد ساكت وراسه في الأرض، وما اتجرأش يفتح بقه بسيرة المرتب أو يشتكي من الفلوس قدام أخويا؛ لأن أخويا محمود قالهالِ صريحة وسمّعهاله بأدب:
— “ومرتب سلمى وشقاها في وظيفتها ده حقها الشرعي والقانوني… تديك منه برضاها أو ما تديكش، ده قرارها وحريتها هي ومحدش يشاركها فيه. إياك تجبرها على حاجة مش عايزاها يا حسام”.
أنا شوفت في عينيه في اللحظة دي نظرة رعب وخوف حقيقية. حس وعِرف إن لجام التحكم بدأ يفلت من تحت إيده، وحس إن الست الغلبانة المطواعة اللي عمرها ما فتحت بقها، ولا اشتكت لحد، ولا قالت كلمة “لأ” في وشه… بدأت تصحى وتفوق وتعرف حقها. وأكيد قال بينه وبين نفسه وخاف: “النهارده الست دي قويت وراحت اشتكت لأخوها الكبير… بكرة لو ضغطت عليها أكتر ممكن تروح تشتكيني لأبوها وتعملي فضيحة”. ومن اليوم ده، طبعه اتغير شوية؛ ما بطلش يتحكم طبعاً في الخروج، لكنه بقى أهدى شوية وصوته مبقاش يعلى زي زمان.
بس فضل الصراع المكتوم على المرتب قائم ومولع جواه. هو دايماً عايز ياخد أكتر قدر ممكن من الفلوس ويحلب الشقى بتاعي، وأنا لأول مرة في حياتي بقيت ناشفة وماسكة في حقي ومصرة بكل عناد إنه ياخد النص بالمليم ومفيش مليم زيادة فوقيه. كان هيتجنن من الموضوع ده. ولو خرجت رحت لأمي، يتعصب ويقلب وشه؛ ولو اشتريت حاجة ليا أو للعيال، يفتعل خناقة؛ ولو ضحكت أو هزرت مع العيال، يتقلب وشه نكد. المهم والأساس عنده في الدنيا دي حاجة واحدة بس… الفلوس الكاش اللي بياخدها من إيدي.
عدى الوقت والشهور، وجيه الصيف والإجازات. ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا، ما قولتلوش ولا عرفته إني هروح أقعد عند أهلي الصيف ده. كنت عارفة ومتابعة إن أهلي عندهم أفراح وقرايب مسافرين وزيارات وزحمة في البيت، ومكنتش عايزة أروح أثقل عليهم بالعيال ودوشتهم، وخصوصاً إنه كان كل سنة بياخدها حجة ويرميني هناك بالشهور ويمشي يعيش حياته، ولا يسأل فينا ولا بقرش. لكنه لما لقى الصيف جه وأنا قاعدة في الشقة، بدأ يقلق ويتحرك مش على بعضه. كان يلف ويدور حوالين الموضوع ويفتح الكلام من بعيد لبعيد، وأنا أعمل نفسي هبلة ومش فاهمة تلميحاته. لحد ما زهق وقالها صريحة وبشكل مباشر:
— “إمتى بقا هتشيلي العيال وتروحي تقعدي عند أهلك وتغيري جو؟”
قلت له بمنتهى البرود والثبات وأنا بقلب في التلفزيون:
— “لسه ما قررتش… ومش هروح في حتة دلوقتي، أنا قاعدة في بيتي”.
وشه اتشد وعروقه ظهرت من كتر الضيق. كان نفسه وبيموت إني أمشي من الشقة وآخد العيال بأي طريقة عشان يفضاله الجو تماماً؛ ويبقى براحته، يعمل اللي هو عايزه من غير رقيب ولا حسيب. أما أنا، فاستغليت الشهر ده في الراحة؛ نمت شبع نوم لأول مرة من سنين طويلة كنت بصحى فيها قبل الفجر. بقيت أصحى براحتي من غير ضغط، ومن غير هم الشغل، ومن غير خنقة التحكم. كنت حاسة وأنا قاعدة لوحدي في هدوء إني برجع لنفسي القديمة ولملامحي واحدة واحدة.
لكن في ليلة من الليالي، الدنيا كلها اتقلبت فوق تحت؛ اليوم اللي ربنا سبحانه وتعالى قرر فيه بكرمه وعَدله إنه يكشف لي الحقيقة كاملة ويشيل الغمامة من على عيني. كنت من زمان أوي حاسة ومستشعرة إن في حاجة غامضة ومش مظبوطة في حياته وسهراته؛ حاجة مستخبية ومدفونة عني. لأني زمان كنت بنام بدري أوي أنا والعيال بسبب صحيان الفجر، وهو كان دايماً يرجع الشقة وش الفجر وإحنا غرقانين في النوم فمش بشوفه. لكن في الصيف ده ونظام السهر، نظامنا كلنا اتغير؛ بقينا نسهر شوية بالليل في الصالة، والعيال يناموا قبلي وأنا أفضل صاحية.
وفي ليلة، ليلتها كانت من الليالي الكئيبة الصعبة اللي عمرها ما هتتنسي من ذاكرتي طول ما أنا عايشة… سمعت صوت عربيته برة في الشارع وهي بتهدي وبتدخل تركن تحت البيت. استنيت وبصيت في الساعة عشان يدخل من باب الشقة؛ عدت دقيقة… اتنين… عشرة… ربع ساعة ومفيش أي صوت على السلم ولا الباب اتفتح. قلبي بدأ يدق بسرعة وبخوف غريب. قمت من على السرير ومشيت براحة وبخطوات مكتومة ورحت عند شباك الصالة وبصيت بهدوء من ورا الستارة…
لقيته قاعد جوة العربية تحت في الضلمة، منور نور الصالون الخفيف، وقاعد بيضحك بـأعلى صوته وفرحان، وماسك التليفون على ودنه وبيتكلم بـانسجام تام. ضحكه كان غريب ومش طبيعي… ضحك وفرحة وصوت عالي أنا ما شفتهمش معاه ولا ضحكهم في وشي معايا من سنين طويلة.
كان بيعمل إشارات غزل ودلع بإيده في الهوا، والابتسامات مالية وشه، وكلام طويل ملوش آخر ورغّي. قعد على الحال ده جوة العربية تقريبًا ساعتين كاملين… أو يمكن أكتر بكتير. أنا في اللحظة دي ما كنتش حاسة بالوقت ولا بالدنيا أصلاً؛ كنت حاسة ونبضات قلبي بتسابق بعضها إن كل دقيقة بتعد وهو بيتكلم، بتكشف لي خيانة جديدة وكسرة نفس جديدة وجرح هيموتني. وبعدين، بعد ما الساعتين خلصوا، شوفته قفل المكالمة ووشه لسه منور بالضحكة…
وشوفته بعيني وهو بيوطي بضهره جوة العربية وحط الموبايل ده بالذات تحت الكرسي بتاع السواق وداراه كويس، وبعدين طلع موبايل تاني خالص.. الموبايل الأصلي اللي أنا عارفاة، ونزل بيه من العربية وقفل الباب وقفل السنتر لوك.
وقتها حسيت إن الأرض بتميد بيا وبتلف، وراسي تقلت أوي. موبايل تاني؟ سر مستخبي؟ مين الست اللي بيكلمها ويتمقطع معاها كل الليل ده ومن ورا ظهري ومن شقايا؟ جريت بسرعة الصاروخ على السرير، واتغطيت باللحاف وعملت نفسي نايمة وغرقانة في النوم. لكني والله العظيم ما ذوقت النوم ولا عيني غفلت ثانية واحدة؛ أفكار سودا، ووجع في قلبي، وخوف من اللي جاي، وغضب نار قايدة في صدري. ومن الليلة دي بالذات…
بدأت أراقب وأركز في كل تفصيلة. كل ليلة، نفس الفيلم ونفس الحكاية؛ يرجع، يقعد في العربية ساعتين يتكلم ويدلع، يخبي الموبايل تحت الكرسي، وينزل بالتاني. قررت في نفسي وقسماً بالله لازم أعرف سر الموبايل ده وإيه اللي جواه، وقلت لنفسي بعناد: لو الموبايل ده تحت الأرض… هجيبه يعني هجيبه. بدأت أخطط وأفكر؛ كنت عايزة أركب العربية بأي طريقة وهو مش هنا، وأمد إيدي تحت الكرسي وأفتش، لكن كنت خايفة جدًا؛ خايفة يلمحني من شباك أو يرجع فجأة ويشوفني… وخايفة من رد فعله ومن جنانه لو اتمسكت.
لحد ما لقيت الحل الوحيد اللي هينقذني. اتصلت بأخويا الكبير محمود، وقلت له بصوت مكسور ومخلوق بالدموع: “محمود… أنا محتاجاك جمبي أوي”. سكت لحظة وفهم من نبرتي إن في مصيبة، وقال: “قولي يا أختي وسامعك، مالك؟” قلت: “هفهمك كل حاجة بالملي لما أشوفك… بس أبوس إيدك ساعدني في موضوع العربية ده”. قال من غير تردد ولا تفكير: “اعتبريه حصل يا سلمى، رقبتي ليكي”. وفي نفس الوقت، أهلي كانوا خلاص خلصوا المناسبات والأفراح اللي عندهم والبيت فِضي، وقررت أستغل الفرصة وأروح أقعد عندهم باقي أيام الصيف عشان أبعد عن وشه.
قلت لجوزي حسام ببرود: “أنا هلم العيال وأروح أقعد عند أهلي كام يوم…
زهقت من القعدة هنا”. لو شوفتم فرحته واللمعة اللي ظهرت في عينه في اللحظة دي! وشه نور فجأة والانبساط بان عليه؛ كان هيموت ويتخلص مني ومن دوشة العيال بأي طريقة عشان يخلو الهوا لمزاجه، مع إننا أصلًا كنا زي عدمنا ومطفيين في حياته ومالناش وجود، لكن الحقارة والنذالة درجات وهو قفل الدرجات كلها. رتبت مع أخويا محمود إني هسافر معاه في عربيتو، والصراحة…
ما كانش فيا طاقة ولا حمل أقعد جمب جوزي في طريق طويل، وأستحمل صمته القاتل ووشه المكشر اللي يقطع الرزق. اتفقنا نسافر بعد يومين بالتمام، وأخويا محمود نبه عليا وقال لي: “أول ما يرجع الليلة دي ويركن العربية تحت البيت، كلميني وبلغيني فوراً”. قلت له: “حاضر من عينيا”. وفعلًا، أول ما سمعت صوت عربيتو وركن، كلمت محمود وبلغته، فقال لي بصوت هادي ومطمن: “روحي نامي دلوقتي يا سلمى… وكبري المخدة وماتشيليش هم”. ما فهمتش ساعتها قصده إيه بالكلمة دي، لكن الصبح…
صحينا وفوقنا كلنا في البيت على صوت صريخ وزعيق حسام وهو في الشارع. نزلت أجري على السلم، لقيت عربيتو واقفة تحت البيت في مكانها…
الكاتبة نرمين عادل همام
بس إزاز الشباك بتاع السواق مكسور مية حتة ومتفرفد على الأرض، وموبايله السري اللي تحت الكرسي… مسروق ومش موجود! وكان واقف في نص الشارع بيشد في شعره بإيديه الاتنين، وعينه مبرقة وشبه المجنون ومش دريان بالناس.
أول ما نزلت وشفته واقف جنب العربية بالمنظر ده، عامل زي المجنون، بيشد في شعره وبيبص حوالين نفسه في الأرض وعلى الرصيف، قربت منه ووقفت جمبه وقلت بهدوء مصطنع وبارد: “فداك يا حسام… الحمد لله إنك كويس وجت في حديد، العربية تتعوض والإزاز يتصلح”. لكن هو ما كانش سامعني ولا حاسس بوجودي أصلًا؛ كان تايه، مرعوب، ووشه شاحب وأصفر زي الليمونة بشكل غريب ومرعب. كل همه وتفكيره في اللحظة دي كان حاجة واحدة بس… الموبايل المخفي. كان بيلف حوالين العربية زي الديب، يوطي ويبص تحت الكراسي،
ويفتح الأبواب ويقفلها بعنف، ويقول بصوت متوتر وبيرتعش: “فين؟… فين التليفون راح فين؟” قلت له وأنا براقبه وبراقب كل حركة من حركاته الخايفة: “طب ما تطلع على القسم وبلغ الشرطة ييجوا يعاينوا ويبصوا على البصمات”. لف ناحيتي بسرعة الصاروخ، وقال بعصبية وهستيرية: “لا… لا، مالوش لزوم الشرطة ووجع الدماغ وبلاغات على قلة فايدة! أنا هجيبه بنفسي… وهعرف أخد حقي بإيدي وأعرف مين اللي عملها”.
الكلام كان كله استعراض قوتة وهبل، لكن عينيه المفزوعة فضحته وعرفتني الحقيقة؛ كان خايف ومرعوب… مش على حتة موبايل بفلوس، لأ.. ده كان مرعوب على البلاوي والوساخة اللي جوه الموبايل ومكتوبة فيه. ومن أول ثانية في الموقف ده فهمت وعرفت إن أخويا محمود هو اللي جه بليل وكسر الإزاز وأخد الموبايل… وأنا طبعاً سكت، وعملت نفسي هبلة ومش فاهمة حاجة خالص، وفضلت واقفة أراقب المنظر في صمت.
تاني يوم الصبح، جه أخويا محمود بعربيته عشان يسفرني أنا والعيال عند أهلي زي ما اتفقنا. جوزي حسام استقبله في الصالة بأخلاق زيادة عن اللزوم وبمنتهى الأدب، ابتسامات عريضة، وترحيب كبير، وتمثيل محترم كأنه أعز قرايبه عشان يداري خيبته وفضيحته بخصوص العربية.
ودعنا حسام، ونزلنا وركبنا العربية مع محمود، وأول ما بعدنا عن المنطقة وعن البيت شوية، أخويا محمود بصلي في المراية وقال بنبرة هادية: “اللي طلبتيه وعايزاه… معايا في جيب الجاكيت”.
قلبي دق بعنف شديد وحسيت برعشة في جسمي، وقلت له بلهفة وسرعة: “هاتّهولي دلوقتي حالا يا محمود مش قادرة أصبر”. قال بحزم وقوة ومفيش فصال: “مستحيل أدهولك دلوقتي في السكة. أولًا مراتي قاعدة جمبي وما ينفعش تعرف حاجة عن الحكايات دي، وثانيًا عيالك قاعدين ورا وما يفهموش إيه اللي بيحصل ومينفعش يشوفوا توترك. نستنى لما نوصل بالسلامة عند أهلك”. وفضلت طول طريق السفر متوترة،
على أعصابي، ونار قايدة بتاكل فيا من جوايا؛ نفسي أعرف اللي فيه وموتة الفضول هتموتني… وفي نفس الوقت مرعوبة وخايفة أعرف الحقيقة اللي ممكن تنهي حياتي وتكسرني.
وصلنا بالسلامة بيت أهلي، والكل رحب بينا، تعشينا مع بعض، وقعدنا ندردش، وأنا عيني راشقة ومثبتة على أخويا محمود طول الوقت وبلمح له بإيدي. لكنه كان مطنش تماماً ورايق، وبيشرب شاي ولا كأن في أي حاجة أو مصيبة في جيبه. تاني يوم الصبح، أول ما خرج محمود عشان يودي مراته عند أهلها يقضوا اليوم، رجع بعدها بشوية على بيت أهلي ودخل عليا الأوضة، ومد إيده وطلع الموبايل السري من جيبه وقال لي بجدية:
“خديه يا سلمى… واقفلي على نفسك باب الأوضة بالمفتاح، وشوفي كل اللي فيه لوحدك ومن غير شوشرة. وأقسم بالله العظيم ما في مخلوق شاف اللي جوه الموبايل ده غيرك، ولا حد هيشوفه لحد ما تقرري بنفسك هتعملي إيه مع الراجل ده”. أخدت الموبايل منه، وإيدي كانت بـترتعش وجسمي كله بيلتفض من الخوف….تابع للجزء الثالث


