ج الاخير حكايات زهرة

ج الاخير

لم تكن الخروج من باب الشقة مجرد خطوة في ممر العمارة، بل كانت قطعاً لسرّة أوهام عاشت في عقلي لثلاث سنوات كاملة. صوت الباب وهو يُغلق بضربة جافة، أحدث صداً في الممر المظلم، كأنه إعلان رسمي لموت “منة” القديمة؛ تلك الزوجة المخدوعة التي كانت تلتمس لأعذار شريف ألف باب، وتظن أن نظرات الاهتمام في عينيه هي محبة مجردة، بينما كانت في الحقيقة قياساً دقيقاً لمدى نجاح خطته .

نزلت درجات السلم بخطوات ثقيلة، لكنها كانت أرسخ من أي وقت مضى. في الأسفل، كان الشارع يعج بالحركة؛ المارة يهرولون نحو بيوتهم قبل أن يهبط الليل، بائع الخضار عند الزاوية ينادي بصوته المبحوح، وأضواء السيارات تتشابك في الزحام. كل شيء في العالم كان يسير بانتظام عجيب، وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن هناك رجلاً لم يُسحب منذ لحظات قليل في سيارة الشرطة بتهمة الشروع في قتل زوجته.

ركبت سيارة أوجر متجهة إلى شقة والدي القديمة؛ ذلك البيت الذي تركته يوم زفافي وأنا أظن أنني أُنقل من نعيماً إلى نعيم أكبر.

طوال الطريق، كان هاتفي لا يتوقف عن الاهتزاز. لم تكن رسائل من شريف بالطبع؛ فحواسه الآن مشغولة ببصمات الأصابع والتحقيق الأولي في القسم، بل كانت الاتصالات تتوالى من أرقام أقاربه، ومن أصدقائه في الشركة الذين وصلهم خبر القبض عليه كالشرارة في القش. تجاهلت الجميع. أغلقت إشعارات المكالمات، وفتحت القائمة واستخرجت رقماً واحداً فقط: المحامي الأستاذ فريد، صديق والدي القديم وأحد دهاقنة القضايا الجنائية والأحوال الشخصية.

“أهلاً يا منة يا بنتي.. خير؟ صوتك مش عاجبني.” جاءني صوته الرصين ليمنحني شعوراً بالثبات كنت بأشد الحاجة إليه.

“عمي فريد.. شريف في القسم حالياً، والنيابة هتحقق معاه الصبح بتهمة محاولة قتلي العمد.”

ساد الصمت للظة عبر الخط، قبل أن يتنفس المحامي الصعداء ويقول بلهجة حازمة: “احكي لي كل كلمة من الألف للياء.. ومتسبيش تفصيلة واحدة، حتى لو كانت مجرد نظرة.”

قصصت عليه كل شيء؛ قصة السهر المتواصل، الهاتف الذي لا يفارق يده، السحب المالي، اعترافه الهستيري في المكالمة المصورة والمجلة التي وثقتها بالكامل، وشهادة حمايا الأسطى مصطفى والتقرير المبدئي من فني التوكيل.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *