ج الاخير حكايات زهرة

ج الاخير

اتسعت عينا وكيل النيابة، ونظر إليّ متسائلاً: “هل عندك علم بالوثيقة دي يا مدام منة؟ هل وقعتِ على حاجة زي دي؟”

“أبداً يا فندم..” أجبته بثقة وحزن. “أنا أول مرة أسمع عن الوثيقة دي دلوقتي.”

هز وكيل النيابة رأسه ببطء، ودون الملاحظات في المحضر. كان الحبل يلتف حول عنق شريف أكثر فأكثر، وكل منفذ للهروب كان يغلق تماماً في وجهه.

بعد انتهاء تحقيقات النيابة الصباحية، وصدر القرار بحبس شريف أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع إرسال الهاتف للتفرغ الاستخباراتي، وتكليف المباحث بضبط وإحضار السيدة الأخرى المذكورة في المكالمات لمواجهتها بالتهم المتصلة بالتحريض والتزوير.

خرجت من مبنى النيابة وأنا أطأ الأرض بخفة غير متوقعة، وكأن أحمال الجبال قد أزيحت عن كاهلي. لكن الفرحة لم تكن كاملة، كان هناك دين أخير يجب تسديده، مواجهة لا بد منها، وربما تكون أصعب من مواجهة القاتل نفسه.

حملت نفسي وتوجهت نحو موقف الميكروباصات السريعة، وركبت المتجه إلى محافظة الفيوم.

كانت الطريق الاستراتيجي ممتداً أمامي، والأشجار على الجانبين تمر سريعة. كنت أفكر في عم مصطفى وطنط هدى، اللذين يقضيان الآن ساعات هادئة في الفندق البسيط على البحيرة، لا يعلمان أن ابنهما الوحيد يقبع خلف قضبان التخشيبة، وأن الرحلة التي أهدينها لهما كانت في الحقيقة نجاة مفصلية لهما وكسراً لمؤامرة دموية.

وصلت إلى الفيوم بعد حوالي ساعتين. كانت أضواء المساء تبدأ في الانعكاس على مياه البحيرة الهادئة. سارت خطاي ببطء نحو الفندق، وطلبت من الاستقبال توجيهي إلى الغرفة.

عندما طرقت الباب، فتحه عم مصطفى بنفسه. كان يرتدي جلباباً أبيض خفيفاً، وفي يده نظارة القراءة، ووجهه يفيض بالبشر والسرور.

“منة!” صرخ بابتسامة دافئة. “يا مرحب يا بنتي! إيه المفاجأة الحلوة دي؟! طنطك هدى كانت لسه بتقول لي كلمها الموبايل مقفول ليه!”

خرجت طنط هدى من الداخل وهي تحتضنني بشوق: “يا حبيبتي يا منة! جيتي إزاي ولوحدك؟ وشريف فين؟ جه معاكِ؟”

نظرت إلى وجهيهما الصافيين، إلى هذين الزوجين اللذين قضيا عمرهما بالكامل في الكد العفيف، ووجدت حلقي يجف، والدموع التي حبستها طوال اليوم تبدأ في التجمع عند طرف عيني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *