ج الاخير حكايات زهرة

ج الاخير

وقف عم مصطفى بثبات الجبال، نظر إلى شريف بعينين خاليتين تماماً من أي رحمة أو عاطفة أبوية، ورفع سبابته في وجهه وقاله بصوت هز الممر بكل ثقة:

“الراجل اللي يمد إيده للغدر في بيته، ملوش أب ولا له أم.. أنت مت بالنسبة لنا يا شريف يوم ما فكرت تقطع الفرامل.. وأنا جاي النهاردة عشان أقف جنب منة وأشهد ضدك بنفسي أمام القاضي!”

سقط شريف على ركبتيه فوق بلاط الممر البارد، يصرخ ويتوسل والضباط يسحبونه إلى الداخل، بينما أدار عم مصطفى ظهره للبوابة، وأمسك بيدي وبيد زوجته الشاكية، وخطونا معاً أولى الخطوات نحو القاعة التي ستشهد الفصل الأخير من هذا الكابوس.

وقفتُ داخل قاعة جنايات القاهرة، الهوا كان ساكن ومحمل بريحة الأوراق المكدسة ورهبة المكان.

على يمني كان واقف عم مصطفى، رافع رأسه بثبات عجيب رغم الحزن الدفين اللي كان حافر وشوش الأبوين الصالحين، وعلى شمالي الأستاذ فريد المحامي. أما في القفص الحديدي، فكان شريف واقف بالبدلة البيضاء، جنبه الست اللي شاركته التخطيط والخيانة. كان شكله يدعو للشفقة؛ دبلان، عينيه متفخة من البكاء، وجسمه كان بيترعش مع كل خطوة بيمشيها حاجب المحكمة.

نادَى الحاجب بصوت جهوري هز القاعة: “جلسة القضية رقم… التهمة: الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير في أوراق رسمية وثيقة تأمين.”

بدأت الجلسة، والادعاء قدم كل الأدلة اللي جُمعت بكل دقة: التقرير الفني المعتمد من الشركة الصانعة اللي أثبت إن قطع الخرطوم تمت بآلة حادة وبأصابع بتمتلك خبرة هندسية، تسجيل المكالمة الهاتفية اللي اعترف فيها شريف بحقيقة قطع الفرامل وهو بيستغيث بيا عشان أنقذ أهله، تفريغ محادثات الواتساب بينه وبين شريكته اللي كشفت التخطيط للتخلص مني للحصول على مبلغ الـ 5 ملايين جنيه، بالإضافة لشهادة موظف شركة التأمين اللي أثبت إن التوقيع المنسوب ليا على الوثيقة مزور بالكامل.

لكن القنبلة الحقيقية في المحاكمة، والتي حسمت كل شيء، كانت لما القاضي نادى على شاهد الإثبات الرئيسي: “الأستاذ مصطفى أحمد.. اتفضل أدلي بشهادتك.”

منظر عم مصطفى وهو بيتحرك ببطء نحو المنصة، ويحط إيده على المصحف ويحلف اليمين، كان كفيل يخلي القاعة كلها تلتزم الصمت التام.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *