ج الاخير حكايات زهرة

ج الاخير

“جاهزة يا منة؟” سألني بابتسامة مشجعة.

“جاهزة يا عمي.”

دخلنا الممر الطويل المليء بالحراس والمتهمين والمحامين. عند باب مكتب وكيل النيابة، رأيت شريف.

كان يجلس على مقعد خشبي متهالك، مكبل اليدين، يرتدي نفس البيجامة الرمادية التي لم يتسنّ له تغييرها، لكنها كانت الآن متسخة ومجعدة. شعره الثائر، عيناه المنطفئتان الغائرتان في وجهه الأصف المائل للخضرة، وحوله حارسان مدججان. لم يعد ذلك المهندس الأنيق وسيم المظهر الذي تحسدني عليه صديقاتي. كان يبدو كحطام رجل، كشيء مثير للشفقة والاشمئزاز في آن واحد.

عندما رآني تقترب، قفز من مقعده بصورة فجائية، وجذبه الحرس بقوة إلى الخلف.

“منة! منة سامحيني!” صرخ بصوت شحيح، والدموع تنفجر من عينيه المجهدتين. “والله كنت غبي! والله هي اللي ضحكت عليا وسوفت لي عقلي! منة أرجوكِ اسحبي البلاغ، متضيعيش مستقبلي! أبويا حيموت لو عرف! بحق كل حاجة حلوة بيننا!”

وقفت أمامه على بعد خطوات قليلة. لم تتغير ملامح وجهي، ولم ترمش لي عين. نظرت إليه كما ينظر المرء إلى حشرة غريبة ضلت طريقها على الطاولة.
“أنت اللي ضيعت نفسك يا شريف..” قلتها بنبرة خالية تماماً من النبرات العاطفية. “وبحسب المادة التي حاولت قتلي بيها، الشيء الوحيد الحلو اللي كان بيننا أنت قطعت خرطومه بإيدك امبارح.”

“يا فندم اتفضلي ادخلي، وكيل النيابة مستني حضرتك.” ناداني العسكري الواقف على الباب.

دخلت المكتب الشاسع ذو السقف العالي. كان وكيل النيابة رجلاً شاباً بملامح حادة وعينين ثاقبتين. رحب بي وبالمحامي، وتبسط معنا في الحديث لكسر حدة الموقف، ثم بدأ في تدوين أقوالي بشكل رسمي.

استغرق التحقيق أكثر من ساعتين. أعدت سرد التفاصيل، وقدمت التسجيل الصوتي ومقاطع الرسائل النصية، والتقرير الفني الأولي الصادر من مركز الخدمة التابع للتوكيل، والذي أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن قطع خرطوم زيتها قد تم بآلة حادة وبفعل فاعل متعمد وليس نتيجة تأكل طبيعي.

في منتصف الجلسة، طلق المحامي فريد قنبلة أخرى مفاجئة، حيث قدم مستنداً جديداً حصل عليه صباحاً من هيئة التأمين:

“سيادة وكيل النيابة، بنقدم لعدالتكم وثيقة تأمين على حياة المجني عليها، قيمتها خمسة ملايين جنيه، تم استخراجها قبل شهرين فقط لصالح المتهم، وبتوقيع مزور ينُسِب للمجني عليها.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *