ج الاخير حكايات زهرة
ج الاخير

“ممتاز..” قال الأستاذ فريد بنبرة يسودها الهدوء الاحترافي. “أنتِ محصنة تماماً يا منة. حماكي وتقرير التوكيل هما حجر الزاوية في القضية دي. التقرير بيأكد القطع العمدي، وشكادت حماكي بتنسف أي ادعاء منه بإن القطع حصل بالصدفة أو بفعل عامل خارجي على الطريق. أما اعترافه في التليفون فهو القاضية.. بس أهم حاجة دلوقتي هي الست اللي كانت في الخلفية. الست دي هي المحرك، والنيابة لازم تطلب تفريغ مكالماته وتتبع الحسابات البنكية.”
“مش فارق معايا الست ولا الفلوس يا عمي فريد..” زفرت بمرارة، “أنا اللي شايل همهم هما الاثنين.. عم مصطفى وطنط هدى. هما ملهمش ذنب في أي حاجة، دول بيحبوني أكتر من ابنهم.”
“القانون مبيعرفش العواطف يا بنتي، بس أهله لازم يعرفوا الحقيقة منك أنتِ، وبأرق طريقة ممكنة، قبل ما توصلهم مغلوطة من بره وتجيبلهم سكتة قلبية.”
أغلقت الهاتف بعد أن اتفقنا على اللقاء صباح الغد أمام باب النيابة لمتابعة بدء التحقيقات الرسمية.
وصلت شقة والدي الراحل. فتحت الباب، واستقبلتني رائحة الخشب القديم والذكريات. كانت الشقة مغبرة قليلاً، لكنها كانت آمنة. لم أمتلك الطاقة لتنظيف أي شيء؛ ألقيت بحقيبتي على الأريكة، وجلست في العتمة أسترجع مشهد الفطار صبيحة هذا اليوم.
كيف يمكن لإنسان أن يبتسم في وجهك، يمسح على شعرك برقة، يخبرك بضرورة الانتباه لسلامتك ولأمان الفرامل والكاوتشوك، بينما هو في ذات اللحظة يعلم تماماً أن تلك الفرامل لن تستجيب عند أول منحنى؟ أي نوع من البشر كان شريف؟ هل كان يمثل عليّ الحب طوال ثلاث سنوات، أم أن الطمع والشهوة كانا كفيلين بمسح كل لحظة دافئة جمعتنا وتحويله إلى مسخ بدم بارد؟
لم أستطع النوم. قضيت الليل بأكمله أرقب السقف، وكلما أغمضت عيني، سمعت صوت صراخه الهستيري عبر الهاتف: “الفرامل مقطوعة يا منة! العربية مش هتقف! اتصلي ببابا!”
لم يكن خائفاً عليّ عندما ظن أنني أركب السيارة؛ كان ينتظر نعيي بكل هدوء ليقبض الثمن. لكنه انهار عندما تحولت أداة القتل نحو والديه. إنه النفاق بأبشع صوره، الخسة التي تتستر رداء البر بالوالدين فقط عندما تطالهم نار شره.
مع أشرقت شمس اليوم التالي، كنت أقف أمام مبنى النيابة العامة. الجو كان خانقاً، ودرجة الحرارة مرتفعة، والوجوه حول تكسوها الحيرة والترقب. وصل الأستاذ فريد يحمل حقيبته الجلدية الثقيلة، وبجواره اثنان من مساعديه.

