رماد العمر وولعة الحب
بيقولوا إن الشيخوخة دي هي المحطة الرايقة اللي الواحد أخيرًا بينزل فيها من قطر الالتزامات والمسؤوليات، عشان يعيش لنفسه وبس، بعد سنين طويلة قضاها وهو بيحرق في دمه وصحته عشان يكبر ولاده ويشوف أحفاده، ويفضل طول الوقت مربوط بكلام الناس وعاداتهم. بس أنا مكانش عندي فكرة إن ورا الهدوء ده كله، في بركان مستني شرارة واحدة بس عشان ينفجر ويولع من تاني.
أنا اسمي سهير.. كنت مدرسة لغة عربية في ثانوي، وطلعت معاش من أكتر من عشر سنين. عشت عمري كله بين كراسات التصحيح وقواعد النحو، واتجوزت حب عمري وعشت معاه أيام هادية وجميلة، لغاية ما السرطان الخبيث خطفه مني بعد رحلة عذاب استمرت 3 سنين كاملة. شفته فيها وهو بيدبل وبيموت قدام عيني كل يوم، واليوم اللي مات فيه.. حسيت إن روحي اتدفنت معاه تحت التراب.
حياتي بعده اتقلبت لروتين يقصر العمر؛ فنجان الشاي بتاع الصبح، تقليب في كتاب قديم، ومكالمات تليفون خطف مع ولادي اللي الدنيا واخداهم، وأحفادي اللي كبروا ومبقاوش فاضيين. الدنيا اسودت في عيني، ومبقتش حتى ببص في المراية، وكنت مجرد حتة جسد مستني نهايته وخلاص.. لحد ما القدر قرر يلعب معايا لعبة غريبة ومكنتش على البال ولا على الخاطر.
كنت محتاجة أي حاجة تخرجني من قوقعة العزلة دي، فقلت أقدم في ورشة رسم بمركز ثقافي قريب من البيت. وهناك، وسط وشوش كلها تعب من الزمن وزي حالاتي، ظهر هو.. شاب عنده 25 سنة، كتلة من الحيوية والوسامة.
كان اسمه كريم.
في الأول، استغربت جداً وجالي فضول؛ إيه اللي جاب شاب في أول عمره يقعد وسط ناس كلهم فوق الخمسين والستين؟ بس كريم مكانش زي شباب اليومين دول خالص؛ كان مؤدب جداً، وبشوش، وبييجي دايماً بدري عشان يرتب الكراسي، ويساعد الكبار بكل ذوق واحترام، حاجة كدة بقينا نفقرها اليومين دول.
وفي يوم شتا غلس ومطرة مغرقة الشوارع، عربيتي عطلت قدام المركز. كنت واقفة عاجزة وخايفة، وفجأة لقيت كريم ظهر قدامي زي طوق النجاة، وعرض عليا يوصلني. ومن اليوم ده، بدأت الحكاية وبقينا نتكلم كتير.
كان بيحكيلي بحماس يجنن عن دراسته للكمبيوتر، وعن حلمه الكبير إنه يفتح مكتب تصميم خاص بيه. كان بيتكلم بطاقة تخليك تصدقي إنه هيهد الجبال عشان يوصل للي هو عاوزه. ومع الوقت، كريم مكانش مجرد زميل في الورشة، ده بقى زي الملاك الحارس ليا؛ لو جيت أشتري دوا الضغط يصر يراجعه معايا، ولو وقفت في حاجة في الموبايل يقعد بالساعات يعلمني ويشرحلي بالهداوة. بقى يتصل بيا يطمن عليا، ويملا عليا دنيتي الفاضية.
وبالتدريج، كريم تسلل لكل تفصيلة في يومي.. ولحامي وعضم قلبي.
في ليلة دافية، كنا قاعدين في جنينة المركز الثقافي، ولقيته بيبصلي بنظرة غريبة وعينيه بتلمع، وقال بنبرة كلها حنية:
-
“أنتِ أجمل ست في الدنيا بالنسبة لي يا طنط سهير.”
ضحكت بصوت عالي، وكنت فاكراه بيهزر أو بيجاملني عشان يرفع معنوياتي، وقلتله:
-
“بس يا ولد.. بلاش بكش شباب، أنا قد جدتك!”
لكنه مكانش بيهزر خالص. بعد كام أسبوع، وفي نفس المكان، وقف قدامي واعترفلي ب حبه عيني عينك. الدم اتجمد في عروقي وخفت خوف مش طبيعي، وقلتله وأنا بحاول أداري الرعشة اللي في صوتي:
-
“يا كريم، ده إعجاب مش حب.. أنت مبهور بيا عشان بسمعك وبطبطب عليك، أنت قد ولادي، لأ.. ده أنت قد حفيدي تقريباً، بكرة تقابل بنت من سنك وتعيش حياتك معاها.”
بس هو مكانش بيرضى يستسلم. كان بيقابل كلامي وعقلانيتي بإصرار غريب، وكل يوم كان بيثبتلي إنه مهتم بيا بجد، وشايفني ست كاملة وأميرة تستاهل الدلع، مش مجرد أرملة كبرت في السن والناس بتتصدق عليها بكلمتين. ومع الوقت، الحصون اللي كنت بنيّاها حولين قلبي بدأت تتهد، وقلت استسلمت قدام بحر حنيته ومطالبته بيا.
رجعت ألبس فساتين ملونة تاني بعد سنين من الأسود والكآبة، وحطيت روج، ووقفت قدام المراية أضحك لنفسي زي بنت عندها عشرين سنة مستنية حبيبها. ولادي خدوا بالهم من التغيير ده، وكانوا فرحانين إن الروح ردت فيا تاني، بس مكنتش بقدر أنطق ولا أحكيلهم حاجة؛ كنت خايفة من حكمهم عليا، وخايفة أكتر إن الحلم الجميل ده يطير لو اتكلمت عنه.
وفي يوم الصبح، لقيت تليفون منه وصوته بيرتعش من الفرحة وهو بيقولي:
-
“أمي عرفت كل حاجة ونفسها تشوفك.. أنا عاوز أخدك البلد الأسبوع الجاي وأعرفك على أهلي رسمي.”
قلبي طار من الفرحة، وحسيت إن الدنيا بتصالحني وبتديني فرصة جديدة أعيشها بعد سنين الحزن. وافقت من غير ما أفكر ثانية واحدة. وفي الليلة اللي قبل السفر علطول، جالي البيت وهو شايل بوكيه ورد أحمر كبير. قعدنا في الصالون، بس لاحظت إنه مش طبيعي، كان عمال يفرك في إيديه ومتوتر، وعينيه رايحة جاية في الصالة.
قربت منه وقلتله بقلق:
-
“مالك يا كريم؟ فيك إيه يا حبيبي؟ حساك مش على بعضك خالص.”
وطى راسه وبص في الأرض، وأخد تنهيدة طويلة أكنها طالعة من ضلوعه، وقال بصوت متقطع:
-
“في موضوع كدة.. ومحرج منك أوي يا سهير.”
قلبي اتقبض في ثانية، وحسيت بقلق رهيب، وقلتله وصوتي بيريّق:
-
“خير يا كريم؟ اتكلم وقعت قلبي، في إيه؟”
تنحنح كدة وقال وهو مش قادر يحط عينه في عيني:
-
“أنا خلاص لقيت المكان اللي هفتح فيه مكتب التصميم، وصاحب المكان مديني مهلة يومين بس عشان أدفع المقدم، وإلا هيأجره لحد تاني.. والمشكلة إن الفلوس اللي معايا مش هتكفي خالص.”
أخدت نفسي بالراحة وابتسمت وقلتله:
-
“يا سيدي خضيتني! طيب ومحتاج كام؟”
تردد شوية، وبعدين قال بصوت واطي وزي الهمس:
-
“صاحب المكان متمسك بالدفع كاش أو بضمان حاجة تقيلة.. أنا كنت بفكر لو تقدري تستلفيلي من أي حد تعرفيه 10 سبايك دهب، أقدمهم ضمان للمشروع، وأول ما الشغل يشتغل ويرد، هحولهملك فلوس وأرجعهملك فوراً.. أنا مش عارف أقولك إيه بس أنتِ أملي الوحيد في الدنيا دي.”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة الشديدة. عشر سبايك دهب! ده مبلغ ضخم جداً، وده كل اللي حيلتي وتقريباً كل شقا عمري اللي شايلاه للزمن وغدره. ترددت، والثقة اهتزت في صدري، وبصيت له بريبة لأول مرة.. بس نظرة الرجاء والكسرة اللي كانت في عينيه، وخوفي ليرفضني أو يقول عليا بخيلة وهو اللي رجعني للحياة، خلوا عاطفتي تكسب عقلي بالضربة القاضية. رغم إن قلبي كان بيدق وبيقلي لاء، وافقت. قمت وجبتله الأمانة، أخدها وقعد يبوس في إيدي ودموع الفرحة في عينيه، ووعدني إننا هنقبل بكرة الساعة سبعة الصبح عشان نسافر البلد.
مشي كريم، وقعدت لوحدي في البيت. النوم مخبطش على عيني الليلة دي، وكان في صوت جوة أعماقي بيصرخ ويقولي إن في حاجة غلط. وفي تمام الساعة خمسة الفجر، وعشان أطمن قلبي زيادة، قررت ألبس وأنزل أروح للعنوان اللي قالي عليه إنه هيكون مقر شركته الجديدة، عشان أشوف المكان بنفسي.
استعذت بالله من الشيطان، ونزلت ورحت هناك.. ومكنتش أعرف إني باخد رجلي ورايحة لأبشع حقيقة في حياتي كلها، حاجة عمري ما كنت أتخيلها ولا حتى في أسوأ كوابيسي…
وقف قدامي وهو مكسوف ومطأطأ راسه، وبنبرة كلها تمثيل ومسكنة قال:
-
“المكان ده هو المقر اللي بحلم بيه عشان أبدأ حياتي، بس ناقصني تمويل بسيط أقف بيه على رجلي.”
سكت شوية وعينيه في الأرض، قبل ما يجمع شجاعته ويكمل:
-
“كنت عاوز أستلف منك 10 سبايك دهب.. مجرد قرض مؤقت يا سهير، وأول ما المشروع يشتغل ويقف على رجليه، وحياة غلاوتك عندي لهرجعهملك فوراً.”
في اللحظة دي، حسيت الدنيا وقفت بيا ثانية كاملة، ونسمة الهوا الهادية اتتحولت لكتمة نفس. السبايك دول مكانوش مجرد حتة دهب، دول كانوا كل اللي فاضل من شقا عمري وتعب جوزي الله يرحمه.. سنين طويلة من الغُربة والكفاح والتعليم، وأمان عمري كله اللي شايلاه لغدر الزمن وعجزي.
اترددت جداً، وجوايا صرخة بتقولي “لأ”، بس لما بصيت في عينيه واللمعة اللي فيهم، افتكرت كل مرة وقف جنبي فيها، كل مشوار للدكتور، وكل ضحكة خرجت من قلبي بسببه، وكل مرة حسسني فيها إني لسه ست مرغوبة ومهمة وليا قيمة في الدنيا دي. وفي الآخر.. العاطفة العميّة كسبت.
قمت وبإيد تترعش فتحت الخزنة، وطلعت السبايك وسلمتهاله إيد في إيد. أخدها وعينيه برقت بالجشع اللي كنت عمية ومش شايفاه، وحضني بقوة وهو بيقول:
-
“وعد مني يا سهير.. عمرك ما هتندمي على الثقة دي، بكرة هتبقى أسعد ست في الدنيا.”
فاتت 48 ساعة.. كنت قاعدة في الصالون، لابسة فستان جديد وجنب الشنط، مستنياه على نار عشان ييجي ياخدني ونسافر البلد وأتعرف على أهله زي ما وعدني. فجأة رن تليفوني.. المكالمة اللي شقلبت حياتي كلها رأسًا على عقب.
رديت وأنا ببتسم وبقول: “أكيد وصل تحت البيت”، بس الصوت اللي جالي مكانش صوته.. كان صوت ست، هادي، حزين، ومتردد جداً:
-
“حضرتك مدام سهير؟”
-
“أيوة أنا.. مين معايا؟”
الصوت سكت ثانية، وكأنه بيجمع شجاعته، وبعدين قالت:
-
“أنا آسفة جداً إني بكلمك بالطريقة دي.. بس ضميري مكنش هيسيبني أنام، وكان لازم تعرفي الحقيقة قبل ما الفأس تقع في الراس.”
قلبي اتقبض، والنغزة اللي فيه رجعت تاني، فقلت برعب:
-
“حقيقة إيه؟ أخلصي!”
الجملة اللي بعدها كانت كفيلة تخلي سقف الأوضة يقع فوق دماغي:
-
“أنا مرات كريم.. مراته على سنة الله ورسوله.”
اتجمدت في مكاني.. حرفياً مبقتش حاسة بأطراف أصابعي، والشنط اللي جنبي بقيت بيبصلها بذهول. مراته؟!
-
“أنتِ بتقولي إيه يا ست أنتِ؟ أنتِ مجنونة؟”
-
“مش مجنونة يا مدام سهير.. إحنا متجوزين بقالنا أربع سنين.”
وقبل ما أقفل السكة في وشها وأنا بصرخ، لقيتها بتقول: “شوفي الواتساب حالاً”. فتحت الرسائل، ولقيت سيل من الصور نزل على شاشة الموبايل زي المطر.. عقد جواز رسمي، صور فرحهم وهو حاضنها ولابس بدلة، وصور ليهم هما الاتنين مع طفل صغير.. ولد عنده حوالي 3 سنين، نفس عيون كريم الواسعة، نفس ضحكته اللي سحرتني، ونفس الوش اللي كنت فاكرة إني حافظاه وعارفاه.
وقتها بس فقت من الغيبوبة.. فوقت على القلم الجامد. كريم مكانش بيحبني.. كريم كان بيحب الخزنة بتاعتي، بيحب الدهب والقرشين اللي هسيبهم ورايا.
قعدت ساعات طويلة في الضلمة، باصة للصور ومبرقة. لا عيطت، ولا صرخت، ولا نزلت مني دمعة واحدة.. الصدمة كانت أكبر وأتقل من إن الدموع تعبر عنها. كان في حجر تقيل جاثم على صدري.
وأنا بقلب في الصور للمرة المليون وعيني بتدقق في كل تفصيلة بغل، لاحظت حاجة غريبة جداً.. في أكتر من صورة، وفي مناسبات مختلفة، كريم كان لابس في إيده ساعة رولكس غالية جداً، ساعة تمنها يعدي مئات الآلاف، ومستحيل شاب بمستوى شغله اللي حكالي عنه يقدر يشتري حتى العلبة بتاعتها!
اتصلت بمراته تاني وسألتها وأنا بحاول أجمع شتات نفسي:
-
“الساعة اللي في إيده دي جابها منين؟”
ردت الست بكسرة ونبرة قرف:
-
“دي من ست كبيرة في السن، كان شغال معاها من سنتين، وكان دايماً يقولي إنها زي أمه وبتحبه وادتها له هدية.. بس لما كشفت حقيقته بعد كده عرفت إنه كان ضاحك عليها ومقّلبها في فلوسها برضه.”
ساعتها الصورة كملت في عيني، ووعيت للحكاية.. أنا مكانش مضحوك عليا وبس، أنا كنت مجرد “ضحية” في طابور طويل من الستات الكبار اللي استغل وحدتهم وضعف قلوبهم.
تاني يوم الصبح.. تليفوني مبطلش رن. كريم بيتصل.. مرة، واتنين، وعشرة، وأنا سايباه يرن لحد ما يزهق ومبردش. بعدها بدقايق بعت رسالة: “أنا تحت البيت يا حبيبتي، والتاكسي مستني عشان نسافر.. اتأخرتي ليه؟”
أخدت نفس طويل، ولبست أسود.. رجعت للوني القديم بس المرة دي بقوة مش بكسرة. نزلتله.. بس مكانش ينفع أنزل لوحدي. كان معايا ابني الكبير بوِشه الخشب وعينيه الشرر، وبشير المحامي بتاعنا، ومعانا فلاشة عليها تفريغ كاميرات العمارة وهو داخل وخارج، وأوراق رسمية متوثقة فيها أرقام سبايك الدهب وأوزانها وأوصافها بالملي.
أول ما شافني نازلة، جري عليا وبدأ يمثل الحزن والقلق:
-
“أنتِ فين يا سهير؟ قلقتيني عليكي.. ومين الناس دي؟”
المرة دي، مكانش عندي أي استعداد إني أسمع كدبة تانية أو نبرة حنية مزيفة. بصيت في عينيه بكل برود وقلتله بكلمة واحدة هزت الأرض تحت رجليه:
-
“مراتك عاملة إيه يا كريم؟ وابنك الصغير.. شبهك أوي سبحان الله.”
وشه فجأة فقد لونه.. اتقلب للون الأصفر زي الأموات، شفايفه اتعقدت وعينيه زاغت رعب. في اللحظة دي فهم.. فهم إن اللعبة الخسيسة بتاعته انتهت، وإن القناع بتاعه اتفضح واتداس بالجزم.
بدأ يحاول ينكر ويقول: “دي واحدة بتتبلى عليا”، ولما شاف الصور في إيد ابني، بدأ يبرر ويقول: “أنا كنت هقولك والله”، ولما لقى الخناق بيضيق عليه، بدأ يعيط زي الأطفال ويتمسكن ويقول: “بس أنا حبيتك بجد يا سهير.. أنتِ غيرهم كلهم!”
لكن الحقيقة كانت واضحة وصارخة زي عين الشمس؛ الراجل ده محتال محترف، بيكرر نفس الخطة القذرة مع كل ست كبار في السن، يدرس ضحاياه، يقرب منهم، يكسب ثقتهم بالود والحنية المزيفة، ويحكي عن أحلامه ومكتبه، وفي الآخر يشفط فلوسهم ودهبهم ويهرب.
الموضوع مكانش سهل.. الق*ضية خدت شهور طويلة في المحاكم، وجرجرة، وضغط عصبي كان هيموتني، بس ابني والمحامي مكانوش سايبينه. وفي النهاية.. العدالة نصرتني؛ رجعت السبايك كلها بالملي، واتحكم على كريم بالسجن بتهمة النصب والاحتيال، وخصوصاً بعد ما المحامي قدر يوصل لضحايا تانيين من الستات اللي نصب عليهم، وضموا قضاياهم لقضيتي، فبقى وراه حبل مشانق قضائي مش هيخرج منه بسهولة.
بعد سنة كاملة من اليوم ده..
كنت قاعدة في نفس المركز الثقافي، بس المرة دي مكاني اتغير.. بقيت قاعدة قدام لوحة رسم كبيرة، وماسكة الفرشة بأيد ثابتة وبعمل لوحة كلها ألوان مبهجة. مكنتش مستنية حد، ولا محتاجة شاب صغير ييجي ينقذ وحدتي أو يثبتلي إني لسه عايشة. أنا سافرت، وروحت رحلات مع صاحباتي، وخرجت، واتعلمت الرسم، ورجعت أعيش بجد ولنفسي.
وفي يوم، واحدة من الزميلات في الورشة عرفت قصتي القديمة، فقربت مني وسألتني بفضول:
-
“ندمانة يا سهير إنك فتحتي قلبك وحبيتيه زمان بعد العمر ده كله؟”
سكت شوية، بصيت للوحتي اللي بتنطق بالحياة، وأخدت نفس عميق وابتسمت بكل رضا وقلت لها:
-
“ندمانة إني وثقت في الشخص الغلط، وندمانة إني مشيت ورا عاطفتي من غير ما أشغل عقلي.. بس مش ندمانة أبداً إن قلبي عرف يحب تاني ودق بالقدرة دي.”
المشكلة عمرها ما كانت في السن، ولا إن الست تحب وهي عندها 65 سنة.. المشكلة كانت في الغدر والخسة والنفس الدنيئة اللي استغلت المشاعر دي عشان تسرق وتنهب. أما الحب في حد ذاته؟ فكان الاختبار اللي ثبتلي إن قلبي لسه نابض، لسه حي، ولسه قادر يدي ويفرح.. وده الشيء الوحيد اللي عمري في حياتي ما هندم عليه. أنا خسرت محتال.. بس كسبت نفسي من تاني!
تمت
