ج الاخير حكايات زهرة

ج الاخير

“يا حبيبي يا بني.. يا خيبة عمري يا شريف..” كانت طنط هدى تبكي بكاءً مرئياً يفتت الصخر، وهي تضرب على صدغها بقلة حيلة.

قمت وجلست تحت قدمي عم مصطفى، مسكت إيده الخشنة وحطيتها على راسي: “أنا آسفة يا عمو.. أنا آسفة إن ده حصل.. بس شريف حالياً مقبوض عليه في النيابة، وفي تقرير فني، وفي مكالمة متسجلة وهو بيعترف بلسانه إنه كان فاكركم أنتوا اللي ركبتوا العربية، وشريط التأمين اللي زوره باسمي اتكشف.”

مسح عم مصطفى على رأسي بيده المرتجفة، وقال بنبرة حازمة استعاد فيها كل رجولته وكبريائه: “متتأسفيش يا منة. أنتِ بنتي اللي مخلفتهاش.. واللي يعمل كده في بنتي ومراته الشريفة، ميبقاش ابني ولا أعرفه. القانون ياخد مجراه يا بنتي، والقاضي لو مأداش له أقصى عقوبة، أنا هقف في المحكمة وأطالب بعقابه.”

استجمعت شتات نفسي ووقفت، أخذت نفساً عميقاً وأنا أنظر إلى هذين الأبوين الصديقين.

“أنا مسافرة القاهرة الصبح بدري يا عمو..” قلت بصدق، “..المحامي ماشي في إجراءات القضية، وفي نفس الوقت بنستكمل قضية الطلاق للضرر وإبطال كل عقود الملكية المشتركة. أنا عاوزاكم ترجعوا معايا، بيتي هو بيتكم، ومش هسيبكم في المحنة دي.”

هز عم مصطفى رأسه بالرفض في صمود كبرياء رافض للكسر: “لا يا بنتي.. إحنا هنرجع شقتنا القديمة.. العار اللي جابهولنا شريف إحنا اللي نشيله ونغسله. أنتِ ترجعي تبدأي حياتك من جديد، تغسلي المية الوسخة اللي دخلت بيتك، وتفتكري دايماً إن ربنا نجاكي عشان أنتِ نيتك بيضة.”

في صباح اليوم التالي، كسرنا العتمة وعدنا جميعاً إلى القاهرة. كانت جلسة تجديد الحبس المنتظرة لشريف في اليوم التالي تحظى باهتمام إعلامي وشعبي بعد أن تسربت أنباء القضية إلى الصحف؛ “مهندس يقطع فرامل سيارة زوجته من أجل وثيقة تأمين بـ 5 ملايين جنيه”.

عند بوابة المحكمة، التقت العيون مجدداً.

كان شريف يُساق وسط حراسة مشددة، يرتدي بدلة الحبس الاحتياطي البيضاء، وجهه غار مهزوم، وعيناه تبحثان في الزحام كغريق. وعندما وقعت عينانه على أبيه وأمه الواقفين بجواري، انهمرت دموعه كالسيول وصرخ من بين القضبان: “بابا! أمي! قولوا لمنة تسامحني! أنا اتدمرت! الست دي ضحكت عليا وأخدت كل فلوسي! والنيابة جابتها ومقبوظ عليها معايا! والله أنا كنت مغيب!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *