ج الاخير حكايات زهرة
ج الاخير

بص القاضي لعم مصطفى وقال له: “شاهد الإثبات.. أنت والد المتهم الأول، وفي نفس الوقت حما المجني عليها.. أيه شهادتك في الوقائع المنسوبة لابنك؟”
عم مصطفى أخد نفس عميق، ووجه نظره للقاضي بثبات، ومن غير ما يلتفت ناحية القفص اللي كان شريف بيبكي فيه ويناديه بلهفة:
“يا سيادة القاضي..” بدأ عم مصطفى بصوت حازم، “..أنا أفنيت عمري كله ميكانيكي وعامل صنايع، علمت ابني الحلال، وربيته عشان يكون راجل يحمي بيته وأهله. بس ابني اختار يمشى في طريق الغدر والطمع. أنا شفته قبل الواقعه بشهرين بيسأل عن طرق قطع الفرامل عشان تظهر كأنها حادثة، ولما لقيت الخرطوم مقصوص الصبح تحت العمارة بنفس الطريقة، عرفت إن ابني يتحول لمجرم وقاتل بدم بارد.”
دمعة واحدة نزلت من عين عم مصطفى، بس مسحها بسرعة وتابع: “المجني عليها دي بنتي قبل ما تكون مراته، هي اللي شالتنا وحافظت علينا. وأنا هنا النهاردة مش عشان أدافع عن ابن خان الأمانة، أنا هنا عشان أطلب من عدالتكم القصاص العدل.. لأن اللي يمد إيده للغدر في بيته، ما يستحقش الرحمة.”
صرخ شريف من داخل القفص بصوت مشروخ: “بابا! حرام عليك يا بابا! أنا ابنك الوحيد!”
رفع القاضي المطرقة ودق بها قوة: “هدوء في القاعة!”
رفعت المحكمة الجلسة للمداولة. ساعتان مرت كأنهما دهر كامل. كنا قاعدين في الاستراحة، طنط هدى كانت بتسبّح بحشرجة مكتومة، وعم مصطفى كان ماسك إيدي وبيأكد لي إن الحق لازم يرجع لأصحابه.
ولما رجعت الهيئة، خرج القاضي وعلامات الصرامة على وجهه، ووقف الجميع لقراءة الحكم:
“بعد الاطلاع على المواد القانونية واستعراض الأدلة القطعية وشهادة الشهود التي لا تدع مجالاً للشك.. حكمت المحكمة حضورياً:
أولاً: بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً على المتهم الأول شريف أحمد، عن تهمة الشروع في القتل العمد والتزوير.
ثانياً: بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات على المتهمة الثانية عن تهمة الاشتراك والتحريض والتزوير.”
صرخت الشريكة وسقطت مغشياً عليها، بينما انهار شريف تماماً وسقط على ركبتيه يبكي بحرقة ويدق بيديه المكبلتين على بلاط القفص، بعد ما أدرك إن شبابه ومستقبله وخيانتهم كلهم انتهوا خلف جدران السجن.
خرجنا من مبنى المحكمة. كان الهواء النقِي يلامس وجهي، وكأن السماء بتتغسل من كل دراما الخيانة والغدر.

