وكالة من غير بواب حكايات نرمين عادل همام

وراء كل باب حكاية

وكالة من غير بواب حكايات نرمين عادل همام

=هو أنتي لازم تكشري في وش أهلي كل مرة كدة؟

الجملة دي جالها جوزها لما لقت ضيوف على غفلة، جوز بيزعق، وبيت الخصوصية فيه بقت سراب

لحد ما جت الليلة اللي رصيد تنازلات ليلى فيها خِلِص، وقررت تقلب الطرابيزة على الكل!” 

لما الكلمة دي طلعت من جوزي زياد زي رصاصة طايشة، شقت هدوء الليل وضربت في نص قلبي. كان واقف قدامي بيزعق ومحروق دمه، وكأن الكارثة كلها متلخصة في تكشيرتي اللي اترسمت على وشي غصب عني، مش في الست بني آدمين اللي قاعدين برة في الصالة يوم تلات بالليل، حاطين رجل على رجل، ومستنيين الهانم اللي هي أنا تدخل المطبخ تدور على لقمة تسد جوعهم وتطبخلهم بعد يوم شغل طويل مفرغني من جوايا طحن.

أنا اسمي ليلى، عندي 31 سنة، بنت شقيت وتعبت ونحتت في الصخر لحد ما أسست حياتي. قبل ما أتجوز، كنت بانية لنفسي حياة هادية ومستقرة في شقتي اللي اشتريتها بقرش فوق قرش وبعرق جبيني من شغلي كأخصائية علاج طبيعي للأطفال. شغلي ده مش مجرد وظيفة روتينية بروحها أمضي حضور وانصراف، ده محرقة طاقة نفسية وعصبية وجسدية. بياخد من روحي وصبري كل يوم، يومي كله ببتسم وبطمن أهالي قلوبهم مكسورة وموجوعة على ولادهم، بشيل أطفال وزنهم تقيل، وبسمع صريخهم من وجع الجلسات. برجع البيت مش قادرة أصلب طولي، محتاجة بس نفس هادي، حتة كنب أرمي عليها عضمي المكسر، وكوباية شاي في هدوء تام تلم بيهم اللي باقي من روحي.

لما قابلت زياد، مهندس مدني وابن بلد ودمه خفيف، قلت بس، هو ده العوض، ده الراجل اللي هيملى حياتي ونيس وسند يحميني من لدوغة الأيام. اتجوزنا ببساطة في فرح صغير هادي، وكنت طايرة من الفرحة، بس من هنا بالظبط بدأت النداهة تاخدني لعالم تاني خالص. بعد الفرح بشوية صغيرين، اكتشفت إني ما اتجوزتش زياد بطوله، أنا اتجوزت العيلة بحالها. عيلة زياد مش مجرد عيلة بتزورنا من وقت للتاني، دي قبيلة، نظام حياة كامل مكمل بيقتحم خصوصيتي من غير استئذان. أم وأب وإخوات وأعمام وخالات وعيال، ناس داخلة وناس خارجة، وكأن الخصوصية دي كلمة عيب ومحرمة عندهم، وكأن باب بيتي ده باب جامع مفتوح سبيل لكل من هب ودب.

في الأول كنت بكدب على نفسي وأقول ده كرم وحب وعزوة، خصوصا إني طالعة من عيلة صغيرة وهادية جدا، لكن مع الوقت اكتشفت إن الحب والترابط عندهم معناه الإلغاء التام لأي حدود شخصية. أخوه يقرر يبات الويك إند عندنا فجأة من غير ما أعرف، أمه تدخل المطبخ وتقلب ضلفه وتغير مكان الحلل عشان هي شايفة إن كدة أحسن وأصح. المصيبة الأكبر كانت في خالته، اللي في مرة دخلت ترتب لي صيدلية الحمام من باب النضافة، وراحت رامية ومضيعة روشتة مهمة جدا كنت محتاجاها ومحتفظة بيها لظرف طارئ. وعيالهم بقى حكاية تانية، يمسكوا القلم الجاف ويشخبطوا بكل برود على الحيطة اللي لسه مدهونة ومكلفاني الشيء الفلاني، ولما دمي يفور وأجي أتكلم بحرقة، ألاقي أم العيال بتبص لي ببرود وتضحك.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *