نظرة هادئة ج الاخير
نرمين عادل همام
تاني يوم الصبح، محمود نزل الشغل وهو لابس وش القلق والخوف، عينه مكنتش بتثبت في مكاني وهو بيقفل زراير قميصه. أول ما صوت الباب اتقفل والترباس تُرِق، ميعاد الشغالة جِه!
بس المرة دي، الشغالة ممسكتش المقشة ولا لَبست الجوانتي الأصفر عشان تنظف؛ المرة دي الشغالة قلبت الشقة حتة حتة، وفتشت في كل خرم إبرة
وهي بتدور على الورق والمصيبة اللي بيتكلم عنها.
دورت في ضلف المطبخ العالية، ورا الكتب المرصوصة في الصالة، سحبت السجاد وفتشت تحته والغل بيحركني.. لحد ما وصلت لأوضة المكتب. وقفت قدام مكتبه الخشب، وبدأت أفتح الأدراج درج درج، لغاية ما وصلت للدرج اللي تحت خالص.. كان مقفول بقفل حديد صغير ومحكم.
وقفت ثواني بفكّر وعقلي شغال زاي المكنة، وفجأة افتكرت! محمود دايماً بيشيل مفاتيح الأقفال الزيادة دي في ميدالية مفاتيحه القديمة المرمية في درج الكومودينو جوه غرفتنا. جريت على جوه بقلب بيتنفض، سحبت الميدالية، ورجعت للمكتب.. وبإيد بترتعش حطيت المفتاح،
والتكة طلعت.. الدرج اتفتح.
وهنا.. كانت الصدمة الكبرى اللي هدت اللي باقي من طوقتي، ورق مرصوص ورا بعضه كأنه أحراز قض..ية إعدامي
أولاً تنازل عام عن الشقة ورق رسمي ومكتوب بدقة ومحامي شيطان، صيغة بتقول إن أنا هناء بتنازل بكامل إرادتي عن الشقة ونصيبي الشرعي اللي بابا الله يرحمه كتبهولي باسمي قبل ما يموت عشان يأمن مستقبلي! الورق ده كان جاهز ومكتوب، وناقصه بس حاجة واحدة.. إمضتي وزور إيدي!
ثانياً عقد زواج عرفي عقد مكتوب من شهور باسم محمود.. وبنت ثانية اسمها رشا! وهي دي الحية اللي كان بيكلمها من جوه الحمام وبيتفق معاها على رميتي.
ثالثاً وصلات أمانة بملايين صدمة الصدمات.. محمود طلع غرقان في الديون، واخد فلوس من طوب الأرض وممضي على نفسه وصلات أمانة توديه ورا الشمس،
وكان ناوي يسرق شقتي ويبيعها من ورا ظهري عشان يسدد ديونه البلاوي دي، ويهرب بالقرشين الباقيين مع الست التانية!
قعدت على كرسيه، وفهمت الخطة كاملة كأنها شريط سينما بيتعرض قدام عيني محمود الغبي مكنش بيسيب الورق ده بالإهمال، ده كان بيسيبه على المكتب عمداً عشان الشغالة الوهمية تلمحه فتاخد بالها إن في ورق مهم، وبما إن الشغالة مش هتقول لي لأنها مش موجودة أصلاً فهو كان بيطمن إن مفيش عين غريبة هتكشفه.
وكان ناوي في وسط الزحمة والدوشة، يدخل عليا في يوم ب وش الحنين، ويقول لي امضي يا هناء على الورق ده تبع إجراءات صيانة العمارة والاتحاد، ويخليني أمضي على ورق التنازل وسط ورق الصيانة من غير ما ألمح المكتوب!
نزلت من على الكرسي وقعدت على الأرض، والدموع مغرقة عيني ونازلة تحرق في خدودي.. بس المرة دي مكنتش دموع ضعف ولا انكسار، دي كانت دموع غضب أعمى، دموع ست عقلها بيبخر شرار.
بصيت للورق اللي في إيدي، وضغطت عليه لغاية ما اتكرمش في قبضتي، وقلت لنفسي بنبرة حاسمة وصوت يشبه الفحيح بقى بتستغفلني يا محمود؟
بتشغلني شغالة بعرقي الشقا في بيتي، وبتخطط في ضهري تسرق شقة أبويا وترميني في الشارع عشان خاطر رشا؟! ورب العزة وجلالة الله لأدفعك التمن غالي أوي، وهخلي الشغالة دي هي اللي توديك في داهية ب إيدها!
سحبت الموبايل، وصورت كل ورقة من دول فيديو وصور واضحة، ورجعت كل حاجة مكانه بالملي، وقفت قدام المراية وأنا بمسح دموعي وبلبس وش البرود.. اللعبة دلوقتي بقت لعبتي أنا!
رجعت كل حاجة مكانها بالملي، ومسحت آثار صوابعي من على الخشب. وقفت في نص الصالة، أخدت نَفَس طويل، وحسيت بقوة غريبة بتجري في دمي. الغل والحسرة اتمسحوا، وحل مكانهم ذكاء ست مفيش قدامها غير إنها تنتصر. قسمّت خطتي على تلات مراحل مدروسة زي الساعة
جريت على أوضة النوم بقلب جامد، نزلت على ركبي وسحبت علبة الجزم القديمة من تحت السرير. فتحتها وبصيت للفلوس.. تحويشة 3 شهور كاملين من المرتب اللي كان بيدفعهولي لست مش موجودة أصلاً. لميت الكاش كله في شنطتي، ونزلت فوراً على البنك. فتحت حساب سري ملوش أي كارت، وباسم مشترك بيني وبين والدتي، وحطيت الفلوس فيه عشان ميبقاش في البيت مليم واحد كاش يمسكه عليا أو يشك فيه. أمنت تعبي وعرقي.
رجعت الشقة، سحبت ورقة بيضاء من كشكول قديم، ومسكت القلم بإيدي الشمال وغيرت طريقة خطي تماماً، خليته خط مايل ومهزوز كأن اللي كاتباه ست بسيطة يدوب بتفك الخط، وكتبت الجملة اللي هتكون حبل المشنقة
يا أستاذ محمود، أنا شفت الورق اللي في الدرج المقفول، وعرفت إنك متجوز على مدام هناء وناوي تسرق شقتها وتبيعها. لو مش عاوزني أقول لها وأخرب بيتك، تحط لي 50 ألف جنيه حالا في الظرف بتاع الأسبوع الجاي، وإلا قسمًا بالله الورق ده كله هيكون على مكتب المدام أول ما تصحى!
حطيت الورقة المسمومة دي جوه ظرف الفلوس الفاضي اللي كان سابهولي على الترابيزة عشان أديه للشغالة، ودخلت أوضة المكتب، وحطيته في نص مكتبه بالظبط عشان عينه تقع عليه أول ما يدخل.
يوم الجمعة بالليل.. محمود رجع من بره وشه باهت من الإرهاق. دخل أوضة المكتب فوراً عشان يطمن على الظرف اللي المفروض إن الشغالة استلمته. في اللحظة دي، أنا كنت واقفة ورا باب المطبخ، ماسكة حلة وبعمل نفسي بحضر العشا، وعيني مثبتة عليه من فتحة الباب ب راقبه وبشوف العرض.
أول ما فتح الظرف وسحب الورقة وقرأ المكتوب.. ملامحه اتخطفت! وشه بقى أبيض زي لون الكفن، وبدأ يتنفس بسرعة بهستيريا وعرقه ينزل يغرق ياقة قميصه. في نفس اللحظة، تليفونه رن برنة عالية خضته، كانت أمه حماتي.
سند ظهره على الحيطة، وسمعته بيقولها بصوت مرعوب، مبحوح وميت من الخوف الحقيني يا أمي.. المصيبة وقعت فوق دماغي! الشغالة طلعت حرباية ومقروصة وبتلوي دراعي! دخلت المكتب وشافت ورق الجواز العرفي من رشا وورق التنازل عن الشقة، وكاتبة لي رسالة بتطلب 50 ألف جنيه فدية في ظرف 48 ساعة.. وإلا هتحط الورق كله قدام هناء!
على الناحية التانية،
—
صوت حماتي طلع من الموبايل وهي بتصوت وتلطم على وشها يا مصيبتك السودا يا محمود! يا نهارنا مش فايت! ادفع لها.. ادفع لها فوراً والبركة في المستور! القرش يروح بس البت هناء ما تعرفش حاجة.. دي لو عرفت هتطردك من الشقة بالهدوم اللي عليك، وتوديك في ستين داهية بوصلات الأمانة اللي عليك لطوب الأرض! اتصرف وهات الفلوس!
محمود قفل الخط وهو بينهج كأنه بيغرق. وطبعاً، عشان يلحق رقبته ويحمي فضيحته، اضطر ينزل تاني يوم الصبح من النجمة، يلف على الفروع ويسحب كل قرش حيلته في البنك عشان يجهز الفدية للشغالة الشبح!
يوم الإثنين.. محمود قبل ما ينزل الشغل، حط ظرف منفوخ وتقيل جداً على الترابيزة. بص لي وعينه في الأرض، صوته كان بيترعش من قلة النوم وقال لي هناء.. ابقي ادي الظرف ده للشغالة أول ما تيجي.. وقولي لها الأستاذ بيقولك خلاص كده الحساب صفي بالمليم، ومش عاوزين نشوف وشك في البيت هنا تاني.. أنا هتعاقد مع شركة تنظيف محترفة بعد كده.
رسمت على وشي ابتسامة عريضة، ابتسامة هادية ومنورة، وقلت له بنبرة كلها حنان مزيف من عيوني يا حبيبي.. الأمانة دايماً بتوصل لأصحابها، متقلقش خالص.
أول ما نزل وسعت السكة، قفلت الباب ورايا بالترباس. مسكت الظرف وفتحته.. ال 50 ألف جنيه كاملين بين إيديا! في اللحظة دي، طلعت موبايلي وكلمت المحامي بتاعي اللي كنت مرتبة معاه كل حاجة، وطلبت منه يجيلي البيت فوراً ومعاه اتنين شهود من جيراننا في روض الفرج اللي عارفين أصلي وعارفين الشقة دي شقة أبويا الله يرحمه.
فتحت درج المكتب قدامهم بالمفتاح، وسلّمت المحامي أحراز القض..ية ورق التنازل المزيف، عقد الجواز العرفي من رشا، ووصلات الأمانة الثقيلة. المحامي بص لي بإعجاب وقال كده إنتي حطيتي المشنقة حوالين رقبته.. معاكي قض..ية تزوير، وقض..ية خيانة أمانة، وحقك في الشقة دي محمي ومستحيل يلمس منه شبر، وتقدري تخلعيه وتحبسيه في نفس الساعة!
ساعة واحدة بالظبط.. وكان محمود راجع من الشغل بدري جداً، داخل وجسمه بيلتفت حوالين نفسه عشان يطمن إن الشغالة أخدت الفلوس وغارت من البيت.
فتح باب الشقة ودخل.. لقى الأنوار كلها مطفية، والبيت هس هس.. مفيش غير أباجورة واحدة منورة باللون الأصفر الهادي في زاوية الصالون.
كنت قاعدة على الكرسي الفوتيل الرئيسي، حاطة رجل على رجل بكل برود وجبروت. في إيدي اليمين كباية القهوة السخنة اللي كنت بحلم أشربها بروقان من سنين، وفي إيدي الشمال الظرف المليان بال 50 ألف جنيه.. وعلى الطرابيزة قدامي برعب؟ ورق جوازه العرفي، ووصلات أمانته، وعقد التنازل!
محمود وقف في مكانه كأنه اتضرب بالرصاص.. لسانه اتمسك، وعينه برقت لدرجة الصدمة، بص للورق وبص لي، وبدأ يتلعثم ووشه بيجيب ألوان هناء.. إنتي.. إيه ده؟ ومين اللي جاب الورق ده هنا على التربيزة؟ الشغالة هي اللي سابته؟ هي اللي قادتك؟
قاطعته بضحكة عالية وقوية رنت في أركان الشقة الضيقة وسَمّعت الحيطان. وقفت بكل ثقة وطول، قربت منه لغاية ما بقيت في وش عينه، ورميت ظرف ال 50 ألف جنيه في صدره بقوة وقلت له بنبرة هزت الأرض تحت رجليه
الشغالة بتسلم عليك وبتشكرك جداً وبتقولك.. الشغل معاك كان ممتع ومربح جداً يا حودة! تلات شهور كاملين باخد منك مرتب الشغالة وأحوشه في البنك بعرق جبيني، والنهاردة.. أخدت منك مكافأة نهاية الخدمة 50 ألف جنيه كاش!
محمود فتح بوقه، وعينه زاغت من الذهول والخراب اللي حل فوق دماغه وهمس بصوت مش طالع إنتي؟! إنتي اللي كنتِ الشغالة؟! يعني مفيش حد دخل البيت؟!
بصيت له ببرود قاتل وابتسامة خَلّت ركبه تسيب آه يا محمود.. أنا اللي نظفت بيتك، وأنا اللي كشفت ألاعيبك الدنيئة وخيانتك. كنت فاكر إنك بتعمل لي فخ ذكي عشان توفر فلوس وتطلعني قدام أمك هبلة ومبدبرش؟ بس الهبلة دي يا حودة.. هي اللي لفت حبل المشنقة حوالين رقبتك، والمحامي والشهود بره مستنيين إشارة مني عشان يودوك المكان اللي يستحقك.. ورا الشمس!
محمود حاول يثور، وشه احمرّ وعروق رقبته برزت وهو بيحاول يرفع صوته ويزعق عشان يخوفني ويداري على خيبته وصدمته. بس بكل برود، شاورت له بصباعي على باب الأوضة الجوانية.. الباب اتفتح، وطلع منه المحامي وبجنبه اتنين من كبار الجيران والشهود. في اللحظة دي بالظبط، السكوت نزل على الصالة، وركب محمود خبطت في بعضها، وعينه بدأت تزيغ بيني وبينهم وهو مش قادر يستوعب الإحكام اللي وقع فيه.
المحامي قرب منه، سحب قسيمة الطلاق من الشنطة وحطها قدامه على الطرابيزة، وبص له بلهجة صارمة، حاسمة ومفيهاش أي مجال للمناهدة بص يا أستاذ محمود.. إحنا هنا مش عشان نتفاوض، قدامك حالا حل من اتنين ملهومش ثالث.. إما تمضي على قسيمة الطلاق دي بالإبراء، وتتنازل عن كل مستحقاتك، وتسيب الشقة دي بملابسك الشخصية وبس حالا، أو الورق ده كله عقد التنازل المزور، ووصلات الأمانة اللي بملايين، وعقد جوازك العرفي من رشا هيكونوا على مكتب وكيل النيابة الصبح أول ما الشمس تطلع.. وطبعاً إنت راجل متعلم وعارف عقوبة التزوير وخيانة الأمانة هتقعدك كام سنة ورا الشمس.
محمود بص للورق، وبعدين بص للأرض وعينه اتملت بدموع الندم، الكسرة، والخزي اللي غسلت كل كبريائه المزيف. في اللحظة دي، فهم إن اللعبة انتهت رسميًا، وإن الشغالة اللي كان بيستهزء بيها وبيتريق عليها مع أمه في ضهرها، طلعت أذكى منه ومن أمه بمليون مرة، وسبقته ب ميت خطوة.
مسك القلم بإيد مرعوشة وبتترعش، ومضى على ورق الطلاق وهو ساكت تماماً، مطلعش منه ولا همسة. دخل أوضة النوم زي الشبح، لم هدومه كلها في شنطة واحدة بسرعة، وخرج من باب الشقة وهو جارد ظهره، ومش قادر حتى يرفع عينه ويحطها في عيني.
وقفت وراه، وقَفلت الباب وراه بالمفتاح والترباس.. تكة القفل دي كانت أحلى صوت سمعته في حياتي.
لفيت وبصيت للشقة الواسعة، النظيفة، الشقة اللي بقت ملكي لوحدي ومحدش هيشاركني فيها ولا هيستغلني جواها تاني. رحت قعدت على الكنبة بروقان، سحبت كباية القهوة اللي بردت شوية، وأخدت نَفَس عميق وطويل من قاع قلبي.. نَفَس كله حرية. شربت بق من القهوة، ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت بالراحة الحقيقية.. حسيت إني ست بيت مرتاحة، قوية.. ومنتصرة!
تمت بحمد الله.
