ج الاخير حكايات زهرة
ج الاخير

“في إيه يا منة؟” تساءل عم مصطفى، وتغيرت ملامح وجهه البشوش فوراً للجدية والترقب، ونزع نظارته. “أنتِ بتبكي ليه يا بنتي؟ شريف جرى له حاجة؟ العربية جرالها حاجة؟”
جلست على أريكة الغرفة الصغيرة، وأمسكت بيدي طنط هدى المرتجفتين، وأشرت لعم مصطفى بضرورة الجلوس بجواري.
“عمو مصطفى.. طنط هدى..” بدأت بصوت خفيض يقطر بالمرارة والآلام، “أنا جيت عشان في أمانة ولازم تتقال بكل صراحة.. وعشان أنتوا أغلى عندي من أي حاجة في الدنيا.”
“اتكلمي يا بنتي شغلتِ بالنا!” قالت طنط هدى بنبرة خائفة.
تنفس عميقاً، وأغمضت عيني لثوانٍ لتجميع شتات نفسي، ثم نظرت في عيني عم مصطفى المباشرتين وقُلت:
“العربية اللي حضرتك لقيت فراملها مقطوعة الصبح يا عم مصطفى… مكنتش مقطوعة بفعل الزمن ولا الصدفة.. شريف هو اللي قطعها بإيده عشان أنزل بيها وأموت في حادثة على الطريق…”
سقطت الكلمة كالقنبلة الشديدة الانفجار في الغرفة الصغيرة، وانقبضت ملامح الرجل العجوز بشكل مفاجئ، بينما شهقت طنط هدى ووضعت يدها على فمها بذهول مطلق.
لكن ما حدث بعد ذلك، والسر الحقيقي الذي كان يخفيه عم مصطفى عني وعن الجميع، هو ما جعل القصة تأخذ منحنى آخر كلياً، لم يخطر ببال شريف، ولا ببالي أنا شخصياً…
سقطت الكلمات كالصاعقة، لتهوي فوق الغرفة بصمتٍ مرعب. طنط هدى اتسعت عينان شاحبتان بالذهول، ويدها المرتجفة سقطت من فوق يدي لتمسك بقلبها وهي تعتصر ثوبها، غير قادرة على إخراج زفير واحد.
أمّا عم مصطفى، فلم يصرخ، ولم يبكِ، ولم يتفوه بكلمة استنكار واحدة.
كل ما فعله هو أنه أغمض عينيه ببطء شديد، وتنفس بعمق، وكأن القنبلة التي ألقيتها لم تكن سوى تأكيدٍ لكابوسٍ قديم كان يطارد مضجعه منذ أشهر. ملامح وجهه الأسطى الصلب، الذي نحتت فيه السنوات خطوط العزة والدغري، انكمشت كأنها صخرة تُطحن بالتدريج.
“أنا كنت عارف…”
نطقها عم مصطفى بصوت خفيض، صوت أبحّ طالع من قاع حسرة لا قاع لها.
فتحت طنط هدى فمها بشرخ من الهستيريا: “عارف إيه يا مصطفى؟! أنت بتقول إيه؟! منة بتقول إيه؟! شريف ابننا؟ شريف حبيبي يعمل كده؟! أنتِ أكيد فاهمة غلط يا منة! شريف بيحبك! شريف يقطع فرامل عربيتك؟ لا لا.. دي تمثيلية! دي عين وحسد!”
