صفعة ليلة الفرح الكاتبة نرمين عادل همام

ورا كل باب حكاية

حماتي سابت جردل مليان هدوم داخلية مستعملة قدام فستان فرحي، وقالتلي أغسلها «عشان أثبت إني أستاهل أبقى واحدة من العيلة».
جوزي، بدل ما يدافع عني، قاللي:
«اعمليها، دي عشر دقايق.»
ما جادلتش، أخدت شنطتي وقررت أمشي في نفس الليلة.
لكن تاني يوم الصبح، جه وهو في منتهى اليأس وطلب مني استثمار بـ8مليون جنيه… ولما باب الأسانسير اتفتح، لقاني واقفة قدامه ومعايا شهادة تنفيذية عمره ما كان يتخيل إني ممكن أمتلكها.
«لو عايزة بجد تبقي واحدة من العيلة، ابدئي واغسلي دول قبل ما تروحي تنامي.»
حماتي، سعاد، سابت جردل قدام جزمة فرحي البيضا، وأنا لسه بفستان الفرح. كان جواه ميه وصابون، وهدوم داخلية مستعملة لجوزها وابنيها الاتنين، وكأن ده مش كفاية، كان فيه كمان شرابات كلها طين.
كانت الساعة قربت على اتنين بالليل. الفرح كان خلص من أقل من ساعة، وأنا وأحمد كنا هنقضي الليلة في بيت أهله في التجمع الخامس، على أساس إننا نسافر شرم الشيخ تاني يوم.
افتكرت إن حماتي بتهزر هزار تقيل ومالوش لازمة.
بس ما كانتش بتهزر.
قالتلي:
«عندنا في البيت الستات بيهتموا بالرجالة. أنا عملت كده، وأم جوزي عملت كده، ودلوقتي جه دورك.»
اسمي داليا حسن، عندي 33 سنة، وطول فترة خطوبتي اللي استمرت تقريبًا سنتين بأحمد، خليت عيلته يصدقوا إني شغالة منسقة إدارية في شركة مالية كبيرة في القاهرة.
وده ما كانش حقيقي.
بعد تجربة ارتباط قديمة حاول فيها واحد كنت مرتبطة بيه يحوّل ممتلكاتي لمشروع شخصي ليه، قررت أعيش حياتي بعيد عن عيون الناس.
استأجرت شقة مريحة، بس مش فخمة، وكنت بسوق عربية عادية، وما كنتش بتكلم أبدًا عن استثمارات أو عقارات أو شركات.
كنت عايزة أعرف الشخص اللي هكمل معاه حياتي هيبقى عامل إزاي، لما ما يكونش عارف إن ورا اسمي فلوس وحسابات بنكية.
أحمد كان باين مختلف.
لحد الليلة دي.
قلت لها:
«أنا مش هغسلهم.»
ضمّت سعاد شفايفها باستغراب.
«نعم؟»
قلت وأنا ببصلها:
«قلتلك مش هغسل تلات هدوم داخلية رجالي الساعة اتنين الصبح، وأنا أصلًا لسه بفستان فرحي.»
ظهر أحمد عند باب الأوضة، قميصه مفتوح من عند رقبته، وريحتُه كلها كحول.
أمه أشارت للجردل وقالت:
«مراتك بدأت تبين من أول ليلة هيبقى التعامل معاها عامل إزاي.»
استنيت أحمد يضحك.
استنيته يقول:
«خلاص يا أمي، كفاية.»
لكنه بدل كده بص للجردل وقال فجأة:
«اعمليهم يا داليا. دي عشر دقايق. ما تبوظيش الليلة بسبب حاجة تافهة.»
حسيت بحاجة وجعتني من جوا.
قلتله:
«إنت اغسلهم بنفسك.»
فتحت سعاد عينيها بغضب.
«إنتِ بتكلميني كده في بيتي؟»
حاولت أمشي.
أحمد مسك دراعي.
«الأول اعتذري لأمي.»
قلتله:
«سيبني.»
قال:
«اعتذري لها.»
«لأ.»
الصفعة جات بسرعة لدرجة إني بالكاد شفت إيده.
وشي احمر، ولمست شفايفي، ولقيت نقطة دم صغيرة على صوابعي.
بس الأسوأ ما كانش الضربة.
الأسوأ كان لما سمعت سعاد بتقول وراه:
«كده هتتعلموا من أول يوم مين اللي كلمته هي اللي تمشي في البيت.»
ما عيطتش.
أخدت شنطتي.
أحمد ضحك لما شافني رايحة ناحية الباب.
وقال:
«هترجعي بكرة. هتروحي فين بمرتبك يعني؟»
بصيتله للمرة الأخيرة وقلت:
«بكرة إنت كمان هتكتشف حاجة.»
هو ما كانش يعرف لسه إنه الساعة 11 الصبح هيكون مضطر يطلب استثمار بـ8 مليون جنيه من شركة اسمها «أفق كابيتال».
وأنا كمان ما كنتش أعرف إن الشركة دي أنا اللي أسستها.
وإن الصفعة دي فتحت باب لحاجة محدش فيهم كان ممكن يتخيلها.
الساعة 8 الصبح، كنت قاعدة بالفعل قدام النيابة العامة، ومعايا محاميتي، منى عبدالسلام.
صورنا شفايفي، والكدمات اللي بدأت تظهر على دراعي، وكمان فستان فرحي.
وكان فيه حاجة أحمد نسيها.
قبلها بكام شهر، وبعد كذا واقعة سرقة حصلت في المنطقة، دفعت فلوس تركيب كاميرات مراقبة في بيت أهله.
سعاد وافقت على طول، خصوصًا إن الموضوع ما كلفهاش جنيه.
وحساب نظام الكاميرات كان لسه مسجل باسمي.
الكاميرا اللي في طرقة البيت ما صورتش الصفعة بشكل مباشر، لكن سجلت صوتي وأنا بطلب من أحمد يسيبني، في اللحظة اللي خرجت فيها وشفايفي كانت بتوجعني، وبعدها بثواني سمعت سعاد بتقول:
«سيبها. لما فلوسه تخلص، هترجع غصب عنها.»
قدمت البلاغ.
وبعدها روحت أجيب حاجتي من البيت، ومعايا محامي وموظفين من الشركة.
بدأت سعاد تصرخ أول ما شافتنا بنشيل التلفزيون والغسالة والتلاجة.
— ده بتاعي!
حطت منى الأوراق على الترابيزة وقالت:
— كل حاجة مدفوعة ومسجلة باسم موكلتي.
أحمد بص للأوراق وهو مش فاهم.
— إزاي اشتريتي كل ده بمرتبك؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة وقالت:
— مش عندك اجتماع مهم النهارده؟
وشه اتغير.
— الساعة 11.
— يبقى لازم تروح.
الساعة  11 الا خمسة بالظبط، دخل أحمد مكاتب «أفق كابيتال» وأنا كنت هناك فعلًا.
بس ما حضرتش الاجتماع.
أول ما قدمت البلاغ، بلغّت لجنة الاستثمار بعلاقتي بمؤسس شركة شركة أحمد وانسحبت رسميًا من أي قرار، عشان أتجنب تعارض المصالح.
مشكلة أحمد ما بقتش أنا.
المشكلة بقت هو نفسه.
شركة «أحمد» كان عندها عملاء كويسين، بس كانت غرقانة في الديون ومحتاجة بشدة لـ8 مليون جنيه عشان تقدر تكمل.
وخلال المراجعة النهائية، رئيس الاستثمار المسؤول عن الملف قدّم لأحمد بيان بالمخاطر.
كان فيه بند بيطلب الإفصاح عن أي تحقيق أو بلاغ أو واقعة حصلت مؤخرًا، وممكن تأثر بشكل خطير على مؤسس الشركة أو سمعتها.
قرأ أحمد الورقة.
وكتب:
«مفيش أي وقائع ذات صلة تستدعي الإفصاح عنها.»
ووقّع من غير تردد.
بعد أقل من 12 ساعة على ما ضربني.
التوقيع ده كان أخطر على شركته من أي حاجة كنت ممكن أعملها.
بعد ساعتين، محاميتي أبلغت ممثلي الشركة رسميًا بالبلاغ.
لجنة المخاطر وصلتها المعلومات، ووقفت إجراءات الاستثمار.
أحمد اتصل وهو في منتهى الغضب.
— إحنا كنا اتفقنا خلاص! مينفعش توقفوا الفلوس!
رد عليه المسؤول:
— نقدر نوقفها طول ما المراجعة لسه مفتوحة.
— أنا عايز أتكلم مع الشخص المسؤول عندكم.
— مع رئيس الشركة؟
— مع أي حد. النهارده.
دخل مديري مكتبي وقال:
— هو تحت.
قمت من مكاني.
قضيت تقريبًا سنتين بخبي جزء كبير من حياتي، عشان أعرف أحمد هيبقى عامل إزاي لما يفتكر إن معنديش حاجة أقدمها له.
ودلوقتي عرفت الإجابة.
وجاء دوره يعرف هو اتجوز مين.
وأول ما أبواب الأسانسير اتفتحت…
كان سقوطه الحقيقي لسه بيبدأ.
كان أحمد واقف بيتخانق مع موظفين الاستقبال لما وصلت للّوبي.
قال بعصبية:
— شركتي فيها 37 موظف! مينفعش توقفوا الصفقة بسبب مشكلة شخصية.
قلتله:
— ممكن تتكلم معايا أنا.
لف ناحيتي.
للحظة، باين عليه إنه اتضايق لما شافني.
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟
ما رديتش عليه على طول.
بص لبدلتي، وبعدين لشهادة المدير التنفيذي المعلقة في رقبتي، وبعدها بص لمحمود الشاذلي، مدير الاستثمار، اللي كان واقف على بعد كام خطوة ورايا.
قال باستغراب:
— إنتِ بتشتغلي هنا؟
— أيوه.
— من إمتى؟
محمود رد عليه:
— داليا حسن هي مؤسسة ورئيسة مجلس الإدارة لشركة «أفق كابيتال».
ضحك أحمد ضحكة قصيرة فيها عدم تصديق.
— لأ.
محدش رد.
قال:
— داليا شغالة في إعداد التقارير الإدارية.
بصيتله وقلت:
— ده اللي أنا خليتك تصدقه.
تعبير وشه بدأ يتغير واحدة واحدة.
في الأول عدم تصديق.
وبعدين ارتباك.
وأخيرًا خوف.
قال:
— يعني إنتِ صاحبة الشركة؟
رديت بهدوء:
— أنا المساهم الأكبر، وأنا اللي بدير الشركة.
بصلي وكأنه مش قادر يستوعب.
— وإنتِ ما قولتيليش أبدًا؟
طلبت منه يدخل معايا أوضة خاصة.
ما كنتش عايزة أعمل منظر قدام الموظفين.
أول ما قفلنا الباب، أحمد انفجر.
— إنتِ كذبتي عليا سنتين!
قلتله:
— أنا خبيت عنك ثروتي، لكن عمري ما كذبت عليك في طريقة تفكيري، ولا الحياة اللي عايزة أعيشها، ولا اللي مستنياه من شريك حياتي.
— أنا جوزك!
— كنت جوزي أقل من ليلة، قبل ما تضربني.
شد على فكه.
ولأول مرة من ساعة ما دخل، حسيت إنه افتكر إن فيه حاجة أهم من موضوع الاستثمار.
بس الإحساس ده ما استمرش غير كام ثانية.
قال:
— يعني… إنتِ اللي ورا الـ8 مليون؟
— «أفق كابيتال» بتدرس شركة «احمد» بقالها شهور.
— وإنتِ اللي أوصيتي بشركتي؟
— كنت واحدة من الناس اللي طلبت إن التحليل المبدئي يكمل.
سند ضهره على الكرسي.
قلت:
— أنا كنت عارفة شركتك قبل جوازنا بوقت طويل. المنتج بتاعكم كويس، والشركة كان ممكن تكبر. مشكلتها كانت الإدارة العشوائية بتاعتك، وهوسك إنك تكبر أسرع من دخلك.
كنت مخططة أقوله الحقيقة كلها بعد شهر العسل.
حتى إني كنت متخيلة إني هقعد معاه في بلكونة في شرم الشيخ، وأحكيله إن حياتي مختلفة تمامًا عن اللي كان فاكره.
وكان مجهز أوراق تثبت إن «أفق كابيتال» ما كانتش ناوية «تديله» الفلوس.
ده كان استثمار مهني، بضوابط وأهداف ورقابة، زي أي استثمار تاني.
كنت لسه مصدقة إن ممكن أفصل بين جوازنا وشغلي.
يا لغبائي.
رفع أحمد عينه وقال:
— يعني ممكن نصلح الموضوع.
— نصلح إيه؟
— كل ده.
— وضّح أكتر.
مال ناحيتي وقال:
— أنا هتراجع عن اللي حصل امبارح. كنت سكران، وأمي كانت بتضغط عليا، وإنتِ كمان كنتِ متعصبة.
بصيتله وأنا مش مصدقة إن دي فعلًا الكلمات اللي اختار يقولها.
— أنا اتعصبت عشان رفضت أغسل الهدوم الداخلية بتاعة عيلتك؟
— أنا مش بقول كده. أنا بس بقول إننا كنا الاتنين متضايقين.
— إنت ضربتني.
— فقدت أعصابي.
— إنت ضربتني.
— مرة واحدة.
في اللحظة دي فهمت حاجة أنهت أي مشاعر كانت لسه فاضلة جوايا.
هو ما كانش ندمان.
هو كان بيحسبها.
بالنسبة لأحمد، اللي حصل ما كانش خط أحمر عمره ما ينفع يتعدى.
كان مجرد مشكلة تعاقدية تمنعه من الـ8 مليون جنيه.
قال:
— اسحبي البلاغ.
— لأ.
— داليا، شركتي ممكن تقع.
— كان المفروض تفكر في ده قبل ما تمضي على بيان كاذب الصبح.
وقف مكانه.
— بيان إيه؟
محمود حط نسخة من الورقة قدامه.
كان مكتوب فيها إنه مفيش أي وقائع حصلت مؤخرًا ممكن تسبب مخاطر قانونية أو تضر بسمعة الشركة بشكل كبير.
أحمد بص على توقيعه.
— ده كان خناقة بيني وبين مراتي.
قلتله:
— لأ. ده كان بلاغ عن عنف أسري، واتقدم قبل ما تمضي على البيان.
— أنا أصلًا ما كنتش أعرف إنك بلغتي عني!
— كنت عارف إنت عملت إيه.
— بس ممكن تشرحي لهم إن الموضوع ما كانش خطير.
حسيت بمزيج من الحزن والقرف.
قلتله:
— بصلي.
بصلي.
— من ساعة ما عرفت أنا مين، إنت ما سألتنيش مرة واحدة عن وشي، ولا دراعي، ولا ليه اضطريت أخرج من البيت نص الليل. كل اللي سألت عنه كان الفلوس.
فتح بقه.
وبعدين قفله.
— داليا…
— كده إنت جاوبت على كل حاجة.
سكت لحظة، وبعدها عمل الحاجة اللي كان دايمًا بيعملها لما يحس إنه محاصر.
حاول يحوّل إحساسه بالذنب عليا.
قال:
— وإنتِ كمان عليكي مسؤولية. أي نوع ست تخبي سنتين إنها مليونيرة؟
قلتله:
— واحدة اتعرضت قبل كده للاستغلال بسبب فلوسها، ومش عايزة تعيش نفس التجربة تاني.
— إنتِ عملتيلي اختبار.
— أنا ما طلبتش منك تنجح في أي اختبار. أنا ببساطة عشت حياتي بشكل طبيعي.
— إنتِ تلاعبتي بيا.
— أنا أجبرتك تسمح لأمك إنها تهينني؟
سكت.
قلت:
— أنا أجبرتك تضربني؟
ما ردش.
— أجبرتك تمد إيدك عليا؟
بص للأرض.
وقال:
— لأ.
— يبقى ما تخلطش بين سري وبين قراراتك.
في الوقت ده، «أفق كابيتال» ما لغتش الاستثمار تلقائيًا.
وده كان مهم، عشان ما يبقاش الموضوع إساءة استخدام للسلطة زي ما أحمد كان بيتهمني.
أنا فضلت برا لجنة الاستثمار.
والشركة اديت «أحمد» مهلة عشان تقدم توضيحات.
وهنا بدأت المشاكل اللي كانت موجودة أصلًا قبل جوازنا بوقت طويل تظهر.
لما الفريق راجع الحسابات بالتفصيل، لقى مصاريف شخصية متسجلة على الشركة.
مطاعم مع العيلة.
سفريات في الويك إند.
عربية أحمد كان بيستخدمها تقريبًا لوحده.
وتأخير في دفع مستحقات الموردين ما كانش واضح في العرض الأول.
كل ده ما كانش معناه تلقائيًا إن فيه احتيال.
لكن كان بيكشف حاجة خطيرة لأي مستثمر:
أحمد كان مصوّر وضع الشركة بشكل أحسن من حقيقته عشان يقدر يجمع تمويل.
لجنة الاستثمار وقفت العملية نهائيًا.
مش عشاني مراته.
ومش عشان هو ضربني.
لكن لأن، بالإضافة للبلاغ اللي حاول يخبيه، المراجعة المالية كشفت معلومات خلت الموافقة على استثمار بالحجم ده مستحيلة.
أول ما أحمد عرف الخبر، اتصل بيا 17 مرة.
ما رديتش.
وبعدين دخلت سعاد المكان.
بعد تلات أيام، سعاد ظهرت في المبنى اللي كانت فاكرة إني بشتغل فيه.
هي ما كانتش تعرف إن المكتب الإداري الصغير ده كان مجرد مكان عمل مشترك، كنت بأجر فيه مكتب بعض الأيام بالليل عشان أفضل محافظة على سرية حياتي.
دخلت وهي بتزعق:
— داليا حسن دمرت ابني!
كام موظف طلعوا موبايلاتهم وصوروها، وهي بتتهمني إني ضحكت على أحمد عشان «أسرق منه شركته».
وقالت كمان حاجة كانت مضحكة بشكل غريب:
— دي قبل ما تعرف ابني ما كانش معاها حتى تمن الجزمة اللي في رجليها!
لما واحد من الموظفين رد عليها وقال لها إني أنا صاحبة المجموعة، سعاد افتكرت إنه بيتريق عليها.
بعدها بكام ساعة، اتصلت بيا.
المرة دي رديت.
— الكلام ده حقيقي؟
— كلام إيه؟
— «أفق كابيتال».
— أيوه.
سكتت فترة طويلة.
وبعدين نبرة صوتها اتغيرت.
نفس الست اللي من تلات أيام حطت جردل هدوم وسخة قدام فستان فرحي، بدأت فجأة تكلمني برقة عمري ما سمعتها منها.
— داليا… يا بنتي، أنا شايفة إن كلنا غلطنا.
كنت هضحك من كتر ما كلامها مستفز.
— ما تقوليش يا بنتي.
— أحمد مدمر.
— وأنا كمان كنت مدمرة وأنا خارجة من بيتك وشفتي مجروحة.
— هو كان شارب.
— وإنتِ كنتِ فايقة.
ما ردتش.
قلت:
— وإنتِ شجعتيه.
— أنا كنت متوترة بسبب الفرح.
— إنتِ قولتي: كده هتعرفوا من أول يوم مين اللي كلمته هي اللي تمشي في البيت.
سكتت تاني.
— العائلات ساعات بتقول كلام وحش وهي متعصبة.
— لأ. الناس ساعات بتقول اللي جواها لما تفتكر إن مفيش عواقب.
سعاد غيرت طريقتها.
— إحنا ممكن نيجي نعتذرلك بنفسنا.
— أنا مش محتاجة مراسم اعتذار.
— طب قوليلي إنتِ عايزة إيه.
السؤال فاجئني.
— أنا عايزة إيه؟
— أيوه. إنتِ مش محتاجة فلوس. عايزة أحمد يسيب شركته؟ عايزاني أبطل أشوفه؟ أي حاجة. بس ساعدينا نرجّع الاستثمار.
وهنا ظهرت الحقيقة.
هي ما كانتش عايزة تتصالح معايا.
هي كانت عايزة تتصالح مع فلوسي.
قلت لها:
— عندي سؤال.
— قولي.
— لو كنت لسه الموظفة اللي إنتوا فاكرني إياها، كنتِ هتتصلي بيا؟
ما ردتش.
استنيت.
مفيش أي رد.
قلت:
— زي ما توقعت.
وقفلت المكالمة.
الأسابيع اللي بعدها كانت صعبة.
الموضوع ما كانش حكاية خيالية أرفع فيها صباعي فأدمر كل اللي أذوني.
الحياة الحقيقية نادرًا ما بتمشي بالطريقة دي.
إجراءات البلاغ كملت.
المحامي بتاعي قدر ياخد إجراء قانوني يمنع أحمد من إنه يقرب مني لحد ما القضية تتحسم.
هو جاب محامين.
وأنا كمان كان عندي محاميين.
جوازنا أصلًا ما كملش فترة طويلة، فموضوع فصل الممتلكات كان بسيط نسبيًا، خصوصًا إننا كنا ماضيين اتفاق قبل الجواز بيفصل ممتلكات كل واحد فينا عن التاني.
لما مضينا الاتفاق وقتها، حتى سعاد اتريقت عليا وقالت:
— يا سلام على الاحتياطات! كأن عندك حاجة أصلًا خايفة عليها.
بعد كام شهر عرفت إن الجملة دي بقت واحدة من أكتر الحكايات اللي أصحابها القدام كانوا بيحبو يحكوها عنها.
شركة «أحمد» ما اختفتش.
وأنا كمان ما كنتش عايزاها تختفي.
كان فيه 37 شخص شغالين فيها مالهمش أي ذنب في قرارات أحمد.
وبعد ما اتنين من شركائه عرفوا حقيقة الوضع المالي للشركة، عقدوا اجتماع لمجلس الإدارة.
أحمد اتشال مؤقتًا من منصبه كمدير للشركة.
وبعدها واحد من أكبر العملاء طلب ضمانات جديدة.
الشركة قدرت تكمل بعد إعادة هيكلة، بس بقت أصغر بكتير وتحت إدارة جديدة.
أحمد خسر منصبه كرئيس تنفيذي للشركة اللي فضل سنين يتباهى بيها ويقول إنها هتبقى «واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في مصر».
باع جزء من أسهمه عشان يسدد الديون، وبعد فترة انتهى بيه الحال شغال مدير مبيعات في شركة تانية.
ما بقاش فقير.
وما انتهى بيه الحال في الشارع.
هو بس بطل يبقى الراجل القوي اللي كان متخيل نفسه عليه.
وبالنسبة لواحد زيه، ده كان أوجع بكتير.
وسعاد كمان اكتشفت إن الإهانة الناس ما بتنسهاش بسهولة.
سنين وهي بتتباهى قدام أصحابها وقرايبها إن ابنها قريب هيبقى واحد من أهم رجال الأعمال في مصر.
ولما الناس بدأت تسألها إيه اللي حصل في الجواز، قالت في الأول إني أنا اللي «سبت أحمد وهربت».
وبعدين قالت إني واحدة مصلحجية.
وفي الآخر بطلت تتكلم في الموضوع خالص، لما أكتر من واحد من معازيم الفرح عرف الحكاية كاملة.
بعد كام شهر، الإجراءات القانونية انتهت باتفاق كان فيه إجراءات لحمايتي، وتعويض عن الضرر اللي حصل لي، وإلزام أحمد إنه يخضع لجلسات علاج وتأهيل.
وسعاد اضطرت كمان تتراجع عن بعض الاتهامات الكدابة اللي كانت نشرتها عني قدام الناس.
ما حسيتش بفرحة.
بس حسيت بهدوء.
طول عمري كنت متخيلة إن العدالة لازم تحسسك بانتصار ضخم.
لكن ما كانتش كده.
العدالة كان إحساسها أهدى بكتير.
إني أنام ليلة كاملة من غير ما أفضل مستنية مكالمة.
إني أدخل بيتي من غير خوف.
إني ألبس هدوم الشغل من غير ما أحاول أخبي كدمة.
إني أسمع اسمي من غير ما أفتكر الفرح ده.
بعد حوالي سنة، لقيت فستان الفرح متخزن في صندوق.
كنت بفكر أبعتُه يتنضف.
بس ما عملتش كده أبدًا.
كانت لسه فيه بقعة صغيرة عند الرقبة.
قعدت على أرضية أوضتي وبصيتله كام دقيقة.
افتكرت سعاد وهي بتحط الجردل قدامي.
وافتكرت أحمد وهو بيقول:
— اعمليها. دي عشر دقايق.
افتكرت الصفعة.
وافتكرت كمان حاجة ما كنتش فاهمها وقتها.
سنين وأنا فاكرة إن إخفاء فلوسي طريقة ذكية أعرف بيها إذا كان الشخص اللي قدامي ممكن يحبني زي ما أنا ولا لأ.
دلوقتي عرفت إن المفروض ما كنتش أحتاج أعمل كده أصلًا.
الاحترام الحقيقي مالوش علاقة بإن الشخص يعرف عندك كام في البنك.
الإنسان المحترم مش محتاج يعرف إن وراكي محاميين عشان ما يمدش إيده عليكي.
ومش محتاج يكتشف إنك بتديري شركة عشان يدافع عنك قدام أمه.
ومش محتاج يعرف إنك قادرة تمولي مستقبله عشان يشوف إن ليكي قيمة.
اتبرعت بفستان الفرح.
واحتفظت بس بحتة قماش صغيرة منه.
مش كتذكار من جوازي.
لكن عشان تفضل تفكرني بالست اللي خرجت من البيت ده الساعة اتنين بالليل، وهي فاكرة إنها لسه خسرت الراجل اللي كانت هتبني حياتها معاه.
الحقيقة إني ما خسرتش جواز في الليلة دي.
أنا بس اكتشفت بدري شكل الجواز اللي كان مستنيني.
بعد فترة، حد سألني إذا كنت ندمانة إني خبيت حقيقة حياتي وفلوسي.
فكرت وقت طويل قبل ما أرد.
— أيوه ولأ.
لأن إخفائي للحقيقة خلّى أحمد يفتكر إني ضعيفة ومعنديش حاجة أقدر أعملها.
وده خلّاه يوريني جزء من شخصيته كان ممكن يفضل مخبيه عني سنين، لو كان عارف من البداية أنا مين.
لكن اتعلمت كمان حاجة عمري ما نسيتها بعدها:
أنا مش عايزة حد يحترمني عشان خايف من اللي أقدر أعمله فيه.
أنا عايزاه يحترمني لأنه فاهم إن مفيش إنسان يستاهل الإهانة.
سعاد كانت عايزة توريني «مكاني» وسط عيلتها.
وأحمد كان فاكر إن صفعة هتخليني أطيعه.
وفي الآخر، الاتنين علموني حاجة أهم بكتير:
فيه أبواب لما بتتقفل وراكي، مش معناها إنك اتهزمتي.
ساعات بتكون دي أول مرة تختاري فيها إنك ما ترجعيش أبدًا للمكان اللي حاولوا يقنعوكي فيه إن قيمتك أقل.
نرمين عادل همام
تمت

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *