ج الاخير اول يوم في قبض المعاش

ج الاخير

الجزء الثالث

قفلت باب الشقة ورثيت حسرة حسن وربكته خلفي.

نزلت السلالم بخطوات خفيفة ورجلي مشايالاني من الفرحة، ولأول مرة من ثلاثين سنة، كنت حاسة إن الهواء اللي بتنفسه له طعم مختلف. قضيت ثلاث ساعات في مركز الفنون، بين ريحة الحبر وورق الكانسون، وأنا بتعلم أركان الخط الديواني ورسم الحروف، عقلي صافي تماماً ومفيش أي كراسة إجابة ولا تحضير دروس يطاردني.

رجعت البيت على الساعة خمسة بعد الظهر.

أول ما فتحت الباب بالمفتاح، شميت ريحة “حياكة” غريبة في الجو.. ريحة أكل محروق على حبة بيض مقلي!

دخلت الصالة، لقيت حسن قاعد على الكنبة ولابس نضارة القراءة، ومقدامه أجندة قديمة وقلم جاف، وحاطط إيده على خده وحاطط رجل على رجل والهم راكبه. وعلى السفرة، كريم قاعد بيآكل سندوتش جبنة بيضاء بالعيش الفينو وشكله يقطع القلب، كأنه طالع من مجاعة.

أول ما دخلت، حسن رفع عينه من الأجندة وقام وقف:

— كنتِ فين لحد دلوقتي يا منى؟ والتليفون مقفول ليه؟!

شلت نظارتي وحطيتها في الشنطة وقلت بمنتهى الهدوء:

— قلت لك.. كنت في حصة الخط العربي، وبقفل الموبايل في المحاضرة عشان أعرف أركز. فيه حاجة حصلت ولا إيه؟

كريم اتكلم بصوت مليان مرارة وهو بيمسح إيده:

— فيه إننا من الصبح على لحم بطننا يا ماما! بابا حاول يعمل بيض، الحرقه! وطلبنا دليفري لقينا الحساب محتاج كاش، وما كانش مع بابا غير خمسين جنيه في جيبه! إحنا طلبنا جبنة وبيوتنا كانت مليانة من خير ربنا!

ابتسمت وقربت من السفرة:

— معلش يا كريم يا حبيبي.. الجود بالموجود. وبعدين دي فرصة ممتازة تتعلموا فيها التقشف والترشيد، مش إنت اللي قلت: “إحنا عيلة واحدة ولازم نقف جنب بعض”؟ جدع يا كريم.. اتحمل بقى نتائج المبادئ السامية.

حسن ساب الأجندة وقرب مني، وصوته فيه نبرة ترجي مخفية بالندم:

— منى.. سيبك من الكلام ده دلوقتي وتعالي اقعدي معايا.. أنا بحسب الحسبة من الصبح ومش راضية تظبط خالص!

قعدت على الكنبة وربعت إيدي:

— حسبة إيه يا حسن؟

فتح الأجندة وشاور بالقلم:

— الفواتير بتاعة الشهر ده: ميه وكهرباء وغاز وأسانسير وتليفون أرضي وإنترنت، عاملين حوالي أربعة آلاف جنيه. ومصاريف الأكل والشرب بالحد الأدنى مش هتقل عن ثمانية آلاف.. غير علاج الضغط بتاعي وعلاج السكر بتاعك.. المبلغ إجمالي داخل في أربعطاشر ألف جنيه! وأنا.. أنا ما حلتش ولا مليم كاش في الجيب بعد ما اديت المعاش لأم محمد!

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *