ج الاخير اول يوم في قبض المعاش
ج الاخير

دخلت المطبخ الصبح، وعملت لنفسي فطار فاخر.. أومليت بالأعشاب، وجبنة كيري، وزيتون، وفنجان قهوة بوش.
حسن خرج من الأوضة، عينيه كانت حمرا ومنافخه من كثرة التفكير طول الليل. بص على السفيرة وشم الريحة، وقال بصوت حشرج:
— منى… أنا ما نمتش طول الليل.
أخدت شفطة من القهوة وقلت بهدوء:
— سلامتك يا حسن… بس التفكير الكتير بيرهق الضغط، وخلي بالك علاجك خلص وأنت محتاج تجيب غيره.
في اللحظة دي، دخل كريم. وشه كان أصفر وعينيه فيها سواد، البنك كان بعت له إنذار أخير بسداد قسط الفيزا أو البدء في إجراءات قانونية. بص لأبوه وبص لي وقال بصوت مكسور:
— بابا… الصبح طلع… والبنك هيقفل الحسابات. والمصاريف اللي عليا هتدمر مستقبلي. أنتتصرفت في فلوس؟
حسن قعد على الكرسي وحط إيده على دماغه:
— هجيب منين يا كريم؟! عمك جابر جه خبط تاني على باب الشقة الصبح وأخدت منه مهلة للظهر يدفعلنا صيانة الأسانسير والميه، والكهربا جابوا إنذار بالفصل! أمك قفلت كل الأبواب، وأم محمد طمعت في الفلوس وقالتلي مفيش حاجة راجعة!
كريم بص لأبوه بذهول وصدمة:
— أم محمد قالتلك كده؟! بعد ما ضيعت بيتك عشانها؟! وأنا اللي كنت فاكرك الضهر اللي هيسنادني طلع مفيش تحت إيدك حاجة؟!
حسن اتنرفز ورفع صوته:
— احترم نفسك يا ولد! أنا أبوك!
كريم صرخ في وشه:
— أبويا لما تكون شايلني! مش لما تضيع فلوسك على ابن أخوك وأنا أتسجن بسبب الفيزا!
المشهد كان عبثي.. الاثنين اللي كانوا إمبارح متفقين عليا ومستعدين يضحوا بيا وبمجهودي، نازلين تقطيع في بعض عشان الفلوس!
قمت وقفت، حطيت طبقي في الحوض، وأخدت مفاتيح عربيتي وشنطتي.
حسن جرى عليا ومسك إيدي بنظرة ترجي وانكسار عمره ما ظهر في عينيه طوال ثلاثين سنة:
— منى… عشان خاطري… الحقيني. أنا اتعلمت الدرس. أنا عرفت مين اللي صاين بيتي ومين اللي بينهش في لحمي. ادفعي الفواتير وديون كريم الشهر ده بس… وأنا أوعدك المعاش مش هيخرج بره البيت تاني وهسترد كل جنيه أخدوه!
شلت إيدي من إيده بمنتهى البرود، وبصيت له ولابنه وقلت:
— الدرس متأخر يا حسن. الكلمة طلعت، وأم محمد أخدت المعاش، وأنت أثبت لي إن ثلاثين سنة عشرة ما كانوش كافيين إنك تحترمني وتعمل لي حساب. والفلوس اللي معايا؟ دي تمن حريري وراحتي، مش لحل مشاكل عملتوها بدماغكم الناشفة.
