ج الاخير اول يوم في قبض المعاش

ج الاخير

كريم قرب مني وتبكي:

— يا ماما… هتدخلي ابنك السجن عشان عنادك مع بابا؟!

رديت عليه بثبات يزلزل:

— مش عناد يا كريم… ده اسمه “حصاد”. أنت زرعت استهتار واتكال على فلوس أبوك، وأبوك زرع كرم مزيف على حساب مراته… ودلوقتي جه وقت الحصاد. سدد ديونك بإنك تبيع ساعتك الماركة اللي اشتريتها بالفيزا، أو بع عربيتك المستعملة… اتصرف كراجل.

سبتهم واقفتين مصدومين وسط الصالة، وخرجت وقفت أسفل العمارة.

أخدت نفس عميق، وطلبت شركة شحن ونقل أثاث صغيرة، وقلت لهم في التليفون:

— أيوة يا فندم… عندي شقة صغيرة في الإسكندرية عايزة أنقل لها شوية حاجتي الخاصة وشنطي اليوم… الساعة أربعة عصرًا.

رجعت بصيت لفوق لشباك صالتنا… وعرفت إن الفصل الأخير من الرواية دي مش هينتهي مجرد اعتذار أو بضع جنيهات… سينتهي بقرارات تصحح مسار ثلاثين سنة من التضحية الغبية.

الجزء الخامس والأخير

رجعت الشقة الساعة أربعة العصر، ومعايا اثنين عمال نقل.

أول ما فتحت الباب، لقيت الجو في البيت كأنه سرادق عزا. الشقة ضلمة، التكييفات مقفولة عشان يوفّروا الكهربا، وحسن وكريم قاعدين في الصالة وسادّين وشوشهم بين إيديهم.

حسن رفع رأسه أول ما شاف العمال داخلين ومعاهم كراتين فاضية وشريط بلاستيك. اتنفض من مكانه وصوته بيترعش:

— منى! إيه العمال دول؟! إنتِ بتعملي إيه؟!

بصيت للعمال وقلت لهم بمنتهى الهدوء:

— ادخلوا الأوضة اللي على اليمين.. الشنط والكتب والفرش الخاص بيا، مع أجهزة الرياضة ولوحات الرسم، اتفضلوا حطوها في الكراتين.

كريم قام وقف بذهول، وعينيه زايغة:

— ماما.. إنتِ عزلتِ؟! إنتِ سايبانا ومسافرة بجد؟!

قعدت على الكرسي الفردي، وحطيت رجلاً على رجل:

— أنا مش بعزل عن البيت يا كريم.. أنا بعزل عن المهانة. أنا قضيت ثلاثين سنة من عمري شغالة داخل البيت وبره البيت. كنت بوفّر من رفاهيتي عشان أبوك يعيا فنعالجه، وعشان أنت تدرس في مدرسة خاصة وتطلع مهندس. وفي أول لحظة بقيت فيها أرملة الوظيفة ومحتاجة أرتاح، اتقال لي: “معاش جوزك هيروح لمرأة أخوه، وشقاكِ أنتِ يصرف على البيت”.

حسن قرب مني، ودموعه نزل في تجاعيد وشه لأول مرة في حياتي أشوفها. قعد على ركبه قدامي مسك إيدي:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *