ج الاخير كرامة حماتي ل نرمين عادل همام
ج الاخير
بعد 3 أيام، الساعة 8 الصبح.. السمسار والمشتري الجديد وصلوا للشقة القديمة في شبرا.
أنعام وصابرين كانوا قاعدين يتفرجوا على كتالوجات الستائر ويختاروا، وفجأة، العمال علقوا يافطة حمرا كبيرة على بلكونة العمارة:
«تم بيع العقار.. والتسليم اليوم.»
أنعام خرجت الصالة تصرخ وتصوت:
– «محدش يبيع بيتي! ده بيتي وبيت ابني!»
السمسار طلع العقود المسجلة، صحة التوقيع، وإيصالات البيع بالأسماء الرسمية.
تليفون مريم بدأ يرن وما بيبطلش.. وبعد عشرات المكالمات، ردت:
أنعام كانت بتشهق وبتصرخ في التليفون:
– «الحقيني يا مريم! تعالي قولي للناس دول يمشوا! جايبين ناس يطردوني!»
ومن وراها صوت صابرين وهي بتهيج الدنيا:
– «إبراهيم جاي في السكة ببلطجية! محدش هيسلم حاجة!»
مريم وإيهاب وصلوا قبل الساعة 10 الصبح.. المشتري والسمسار كانوا واقفين على الرصيف مشمئزين ومحرجين من الخناقة العائلية.
أنعام جريت على ابنها إيهاب وهي بتلطم:
– «بعت السقف اللي بيسترني من فوق دماغي؟! هي دي آخرة تربيتي ليك والجمايل اللي عملتها معاك؟!»
إيهاب اتنفس بعمق، وقال بثبات:
– «أنتِ باعتي بيتك زمان وإديتي فلوسه لإبراهيم، وكانت ملكك وأنا احترمت قرارك وما اتكلمتش.. إنما الشقة دي، أنا ومريم اللي شقينا وتعبنا عشان ندفع ثمنها، والحاجة فاطمة هي اللي سدّت مقدمها! أنتِ كنتِ قاعدة هنا عشان إحنا فتحنا لك بابنا بحسنى، مش عشان الشقة ملكك ولا بصك باسمك!»
صابرين وقفت وربعت إيديها بجلع وشر…
صابرين وقفت وربعت إيديها بجلع وشر، وبصت لإيهاب بتحدي وقالت:
– «جرى إيه يا إيهاب؟ ما تسيب له البيت وخلاص! أنت عندك شقة تانية، وعامل فيها ابن أصول ومفرّع! هيجرى إيه يعني لما تكسب ثواب في أخوك وأمك وتساعد عيلتك؟! هي الفلوس تعميك عن دمك؟!»
مريم ردت بثبات وصوت يقطر ثقة:
– «اللي هيضرنا بيضر راحة بالنا ومستقبل ابننا زياد! والشقة دي مش جائزة للي صوته أعلى ولا للي يشرشح أكتر!»
في اللحظة دي، وصل إبراهيم على الموقف يجر رجليه، وورا عربية نص نقل قديمة متهالكة، ونزل يزعق ببلطجة ويطالب بنصيبه في البيعة:
– «أمي ليها حق في الفلوس دي! وأنا أخوك، وليا نصيب في البيعة دي غصب عن أي حد!»
إيهاب بصله بمنتهى القرف والجمود وقال:
– «إنك أخويا ده ما يخليكش شريك معايا في الشقة! وواجب عليا أراعي أمي، بس مش واجب عليا أدفع ثمن فشلك وأسدد ديونك!»
وطول إيهاب إيده جوة شنطة مريم، وطلع دوسيه فيه عقد إيجار شقة مفروشة متأجرة للحاجة أنعام لمدة 6 شهور مدفوعة بالكامل؛ الشقة فيها أسانسير، وجنبها السوق والوحدة الصحية، وقريبة جداً من شقة إيهاب الجديدة.
إيهاب بص لأمه وقال بصوت هادي بس ملوش رجعة:
– «أنا مش هرميكي يا أمي، ولا هسيبك.. هفضل أدفع لك كشوفات الدكاترة وعلاجك، وزياد هيجيلك لحد عندك تسلمي عليه وترضاي عنه. بس مش هتعيشي معانا تاني تحت سقف واحد طول ما أنتِ فاكرة إن الحب والامومة معناه التحكم والأذية ومسح كرامة الناس!»
الكاتبة نرمين عادل همام
أنعام بصت للعقد، وعينيها لانت، وكانت خلاص هتمشي وتستسلم للموقف.. بس صابرين شدتها من دراعها بقوة وقالت لها بخبث وشر:
– «أنتِ عبيطة يا حاجة؟! هترضاي بحتة شقة إيجار؟! طالبي بمليون جنيه كاش! الفلوس دي حقك شرعاً، وإحنا اللي هنشيلهالك ونعرف نشغلها ونحافظ لك عليها!»
هنا مريم فهمت اللعبة كلها؛ صابرين ما كانتش بتدافع عن حماتها ولا فارق معاها الحاجة أنعام، صابرين كانت بتستغل العجوزة عشان تنهب قرشين وتطلع بنصيب من شقى إيهاب ومريم!
مريم فتحت شنطتها وطلعت كشف وحسابات توثيقية لـ 4 سنين فاتوا: فواتير المستشفيات، عمليات المياه البيضاء، علاج السكر والضغط، وفوق كل ده، وصلات أمانة وإيصالات لـ 2 سلفة إيهاب دفعهم لإبراهيم عشان يفك ضيقته وما يروحش في داهية!
الأرقام اللي اتجمعت خلت الحاجة أنعام تتصدم وتنلجم وما تعرفش تنطق بكلمة!
مريم بصت لأنعام وقالت بتوقير حزين:
– «عمرنا ما قصرنا معاكي ولا سيبناكي يا حماتي.. بس مساعدتنا وقربنا منك ما يديكي الجرأة ولا الحق إنك تهيني أمي الكبيرة، ولا تتصرفي في شقانا وتوهبيه للي ما يستاهلش!»
في اللحظة دي، المشتري الجديد قرب منهم وهو ماسك تليفونه الذكي ومتعصب:
– «يا جماعة، كاميرات المراقبة بتاعة باب العمارة اتنقلت على موبايلي بالفعل، وأنا لسه شايف مصيبة جوة!»
فتح الفيديو، وظهرت صابرين وهي بتستغل إن الكل بيتخانق برة على الرصيف، ودخلت تتسحب الشقة القديمة، وفتحت المطبخ وطلعت نجفتين كريستال وطقم صيني غالي من الأجهزة والأنفنتار المكتوب في عقد بيع الشقة، وحطتهم جوة شنطة خيش كبيرة عشان تسرقهم!
صابرين وشها جاب ألوان لاتين واتأتأت بلعثمة:
– «أنا.. أنا كنت بلمهم عشان محدش يسرقهم!»
المشتري رد بعصبية:
– «أنتِ كنتِ بتسرقيهم وبتهربيهم!»
إبراهيم اتجنن وحاول يشد الموبايل من إيد المشتري عشان يمسح الفيديو، السمسار اتدخل وزقه، فـ إبراهيم زق السمسار بكل قوته، والموبايل طار من إيد المشتري واتدشدش على الرصيف!
المشتري مسك تليفون تاني وزعق:
– «أنا بتصل بالشرطة والنجدة فوراً! سرقة وتعدي وإتلاف ممتلكات!»
خلال دقائق، بوكس الشرطة وصل، والأمين والضابط راجعوا عقد البيع المسجل، وصحة التوقيع، وشافوا فيديو السرقة. الضابط بص للحاجة أنعام وقالها بصرامة:
– «يا حجة، الشقة دي مباعة قانوناً وبورق رسمي، وأنتِ مالكيش أي صفة هنا ولا تحقي تمنعي التسليم، والتعدي ده يوديكم في داهية!»
صابرين من كتر الخوف والكهربا، اتوترت وصرخت بصوت عالي ورمت التهمة على أنعام:
– «أنا ماليش دعوة! هي اللي قالت لي إن الشقة دي في الآخر هتكون لإبراهيم! هي اللي قالت إن كل حاجة هنا حقنا!»
أنعام اتسمرت مكانها واتجمدت.. كأن حد ضربها على دماغها! مرات ابنها اللي كانت فاكراها بتدافع عنها وبتحميها، هي أول واحدة باعتها ولبستها التهمة قدام الحكومة!
إبراهيم اضطر يدفع ثمن الموبايل الغالي اللي اتكسر نقداً للراجل، وصابرين رجعت النجف والحاجة وهي بتعيط، والمشتري وافق ما يعملش محضر سرقة بشرط إنهم يخلوا المكان فوراً ويستلم الشقة في ساعتها.
الحاجة أنعام قعدت على دكة العمارة مكسورة ومحدودبة الضهر.. إيهاب جاب لها أزازة مية وباس رأسها وقال:
– «أنا هفضل ابنك يا أمي.. بس مش هداري على أخطائك، ولا هسمح لك تظلمي مريم وأمها عشان أثبت لك إني بحبك.»
أنعام همست بكسرة ودموع:
– «أنا كنت فاكراهم بيدافعوا عني ويحبوني يا إيهاب..»
إيهاب رد بوجع:
– «هما كانوا بيدافعوا عن المصلحة والفلوس اللي كانوا ناويين يقلبوكي فيها!»
ما كانش فيه أي مظاهر احتفال.. ولما إيهاب سلم مفاتيح الشقة للمشتري، مشي لحد العربية وقعد يعيط جوة بعيد عن العيون. حسم الأمور ووضع الحدود كان قرار صح، بس هي في الأول والأخر أمه ودمه.
وفي السكة وهما موصلين أنعام لشقتها المفروشة الجديدة، سألت بصوت خافت:
– «هو أنتم بعتوا الشقة دي انتقاماً مني ومن اللي عملته مع أم مريم؟»
مريم ردت بمنتهى الهدوء والأصل:
– «لأ يا حماتي.. الشقة كانت مبيوعة بقالها شهور عشان نسدد التزامات ونقلب حياتنا للأحسن. اللي عملتيه مع أمي بس شال من قلوبنا الذنب والخوف وإحنا بناخد خطوتنا.»
الحاجة فاطمة مسكت إيد إيهاب وطبطبت عليه وقالت له:
– «إنك تكون ابن بار، مش معناه إنك تبلع الضيم وتعدي كل حاجة.. ساعد أمك وبرها، بس ما تضحيش ببيتك ومراتك وابنك.»
في الشقة الجديدة.. إيهاب علق برقع خشب على باب الصالة مكتوب عليه بخط عربي جميل:
*«في هذا البيت.. لا توجد كرامة أهل أعلى من كرامة أهل آخرين.»*
الحاجة فاطمة قعدت معاهم 3 أيام كمان.. عملت لهم كشك سخن، وظبطت زرع البلكونة، وضحكت من قلبها تاني. وقبل ما تركب الميكروباص وترجع قريتها جنب طنطا، وصت مريم وصية حكيمة:
– «بلاش تحولي الوجع لكره يا مريم.. سامحي وعيشي حياتك.»
إيهاب نزل أمه الشقة المفروشة، ملا لها التلاجة خير، دفع مصاريف الكهربا والمية، وحدد لها مصروف شهري ثابت يوصلها.. وأكد عليها إن إبراهيم وصابرين مش هيشوفوا مليم واحد عن طريقها تاني.
لقرابة أسابيع.. أنعام ما كانتش بتتصل كبرياءً، لحد ما في يوم اتصلت بمريم بالذات، وكان صوتها مبحوح ومكسور:
– «إبراهيم وصابرين ما جولكِش ولا طلوا عليا من يوم ما عرفوا إن الشقة اتباعت وما فيش منها سبوبة.. أنا كنت غلطانة في حقك وفي حق أمك يا مريم.»
ما كانش اعتذار مثالي، بس كان أول اعتذار حقيقي وصادق من غير حجج ولا تلفيق!
مريم ردت بحكمة:
– «اللي اتعمل ما بيمتحيش يا حماتي.. بس تقدري تختاري ما تكرريهوش تاني.»
بعدها بشهور.. أنعام اتصلت بالحاجة فاطمة في البلد تطلب منها السماح.. الحاجة فاطمة سمعتها للآخر وقالت لها بكل طيبة وأصول:
– «أنا مسامحاكي يا أختي.. بس إياكي في يوم تقولي على أم حد إنها غريبة! إحنا كبار ونفهمفي الاصول .»
إبراهيم وصابرين اختلفوا وتخانقوا على الديون المتراكمة عليهم، والتحالف الشرير اللي كان بينهم اتفكك وأول ما أمل الشقة المجانية والفلوس طار!
مريم وإيهاب استمروا يراعوا أنعام ويبروها، بس عمرهم ما رجعوا يعيشوا معاها تحت سقف واحد تاني.. بقت الزيارات هادية وفي حدود، وزياد بيزور جدته بانتظام وبحدود واضحة وتحت أعينهم.
ساعات مريم كانت بتفتكر منظر القفل والسلسلة الملفوفة على التلاجة.. مش عشان السلسلة الحديد، لكن عشان المعنى البشع اللي كان وراها: في بيت مليان أكل وخير، ست كبرت وضحت بوراثتها عشان تبني البيت ده، عاشت ساعات عطشانة ومحرومة لأن فيه حد قرر إنها “ما تستاهلش وما تنتميش للمكان”!
ناس كتير قالوا إن بيع الشقة كان انتقام، بس هما ما فهموش إن البيعة كانت محتومة، وأن القرار الحقيقي كان إنهم يبطلوا يحسوا بالذنب وهم بيحموا نفوسهم وكرامة أهاليهم!
العيلة ما بتتهدمش لما حد يحط حدود وياخد حقه بالعدل..
العيلة بتتهدم لما بني آدم يفتكر إن الحب والقرابة بيدوه رخصة لإهانة غيره، أو السيطرة عليه، أو نهب حق مش حقه.
فضل إيهاب ابن بار.. وفضلت مريم أصيلة.. وفضلت أنعام جدة..
بس ولا كلمة من دول كانت أعلى أو أهم من “الكرامة”!
لأن بر الوالدين أسمى أفعال الحب.. بس السماح ليهم بخراب بيتك وإهانة كرامة أهل زوجتك، مش من البر في حاجة! وما فيش بيت ينفع يتقال عليه “بيت وسكن” لو عشان تحافظ على هدوءه، لازم تقبل إن أمك أو حماتك تتهان!
نرمين عادل همام
تمت

