قبل ما أمي تتوــ,,ــــفي بشهر ج2
الكلمات نزلت علينا كلنا زي الصاعقة. المحامي كان واقف وإيده بتترعش والشنطة الجلد هتقع منها، ومازن الموبايل اتزحلق من إيده على الأرض، وطارق ملامح الممثل اللي جواه اختفت وظهرت مكانه ملامح إنسان مذهول ومكسور.
أما أنا.. فحسيت إن الأرض بتلف بيا. بصيت لآسر اللي كان واقف زي الصنم، عروق رقبته وإيديه برزت وبقت حمرا، وعينيه اتحولت لشرار حرفياً. قرب من المحامي خطوة واحدة مسكه من ياقة بدلته وصوته طلع زي زئير الأسد:
— “أنت بتقول إيه يا رسلان؟ أنت اتجننت؟ أمي أنا مش بكامل قواها العقلية؟ وأختي مش أختنا؟ أنت واعي للكلام اللي بتنطقه ده؟”
المحامي رسلان بدأ يتلعثم وصوته ضايع:
— “يا آسر بيه.. والله العظيم ده اللي حصل! عاصم الصاوي مقدم مستندات من مستشفى حكومي قديمة في البلد، ومعاها شهادة طبيب نفسي كان بيعالج الوالدة الله يرحمها من عشرين سنة، ومكتوب فيها إنها كانت بتعاني من هلاوس وضلالات غياب عن الوعي في الفترة اللي اتولدت فيها خريف.. وبناءً عليه، المحكمة وقفت العمل بالوصية مؤقتاً لحد ما يتم التحقق من نسب الآنسة خريف عن طريق تحليل الـ DNA!”
طارق صرخ بعصبية:
— “تحليل إيه وزفت إيه! دي شبه أمي بالملي! وعاصم الكلب ده جايب ورق مزور، ومشتري ذمم دكاترة ومستشفيات عشان يوقف المراكب السايرة ويخرب بيوتنا!”
مازن وطى جاب الموبايل من الأرض وبص لآسر وقال بنبرة مرعوبة لأول مرة:
— “آسر.. البنوك بعتت إشعارات حالا على تليفوني.. الحجز على الحسابات اتجدد تلقائي بسبب قرار المحكمة المستعجل.. احنا لو عدينا الأسبوع ده من غير ما نفك الحجز، الشيكات اللي عليا وعلى شركاتك هترجع، والشركات هتدخل في مرحلة الإفلاس الفعلي!”
آسر ساب ياقة المحامي ببطء، وبصلي. كانت نظرته غريبة.. مش نظرة شك فيا، لكن نظرة تحدي وغضب أعمى من اللي بيحصل. التفت للمحامي وقال بصوت قاطع زي السيف:
— “عاصم بيلعب في الوقت الضايع.. فاكر إن اللعبة دي هتعطلنا والشهر يخلص فنفلس. رسلان.. تطلع حالا على المحكمة وتقدم طـ,ـعن، وتطلب استعجال للجنة الطبية القضائية عشان نعمل التحليل ده فوراً.. احنا معندناش وقت نضيعه.”
المحامي هز راسه وجري برة القصر كأنه بيهرب من حقل ألغام.
أنا قعدت على أقرب كرسي، ودموعي نزلت على هدومي الجديدة الشيك اللي كنت فرحانة بيها من دقايق. بصيت لإخواتي وقلت بصوت مخنوق:
— “أنا قولت لكم من الأول.. أنا وش شؤم عليكم. أنا جيت بشنتي البلاستيك وكنت عايشة في الستر، من يوم ما دخلت حياتكم والبوليس وعمكم والمحاكم وراكم.. أنا مستعدة أمشي حالا، أرجع بلدي وأسيب لكم كل حاجة، بس بلاش اتهام في شرف أمي.. أمي كانت ست شريفة وعاشت وماتت قهر!”
طارق قعد على ركبه قدامي ومسك إيدي وقالي بعزم:
— “اسكتي يا خريف! متقوليش كدا تاني.. أمنا أنضف ست في الدنيا، وعاصم ده شيطان ومستعد يعمل أي حاجة عشان الفلوس.. احنا مصدقينك وعارفين إنك أختنا ومش هنسيبك.”
مازن قرب وهو بيمسح دموعه:
— “والله العظيم يا خريف لو خسرت كل المتابعين وقفلوا لي القنوات وضاعت الفلوس، ما هسيب حقك ولا حق أمي.. الراجل ده لازم يدفع التمن.”
آسر كان واقف باصص من الشباك العريض على الجنينة، وإيديه ورا ضهره. لف وشه لينا وقال بهدوء مخيف.. الهدوء اللي بيسبق العاصفة:
— “عاصم فاكر إنه بيلعب لوحده.. وفاكر إن القانون هيعطلنا. طارق.. خد خريف ومازن واطلعوا على المستشفى الخاصة بتاعتنا، أنا كلمت المدير هناك وصاحبنا، وهيعمل لنا تحليل الـ DNA حالا تحت اسم مستعار عشان محدش يزور النتائج أو يسرقها.. النتيجة هتطلع في 24 ساعة.”
سألته بقلق:
— “وأنت يا آسر؟ مش هتيجي معانا؟”
آسر ابتسم ابتسامة مرعبة وحط إيده في جيبه وقال:
— “لا.. أنا رايح لعاصم الصاوي في مكتبه.. هعرفه إن اللعب بالشرف والبيوت ليه تمن، والتمن ده هو اللي مش هيقدر يدفعه.”
خرج آسر من القصر وركب عربيته لوحده وساق بسرعة جنونية. وطارق ومازن خدوني بسرعة وعملنا التحليل ورجعنا القصر واحنا على نــ,,ـــــار.. تليفون آسر كان مقفول طول اليوم، ومحدش عارف هو فين ولا عمل إيه مع عاصم.
تاني يوم الصبح.. كنا قاعدين في الصالون والتجمع كله ساكت، مفيش غير صوت دقات الساعة. لحد ما الباب اتفتح ودخل آسر.. لبسه كان متبهدل، وفيه جرح صغير في جبهته بينزف دم خفيف، وعينيه كانت حمرا كأنه مانامش بقاله سنة.
مازن جري عليه:
— “آسر! إيه اللي في وشك ده؟ أنت عملت إيه؟ وعمي فين؟”
آسر قعد على الكنبة وخد نفس طويل وقال بنبرة غامضة:
— “عاصم مش هيدخل المحكمة تاني يا مازن.. وعاصم خلاص مبقاش يملك أي كارت يلعب بيه ضدنا.”
وقبل ما نسأله يعني إيه، الباب خبط ودخل المحامي رسلان وهو بيجري، وفي إيده ظرف أبيض مقفول بختم المستشفى القضائي.. ظرف نتيجة تحليل الـ DNA اللي هيحدد مصير عيلتنا ومصير الثروة كلها.
المحامي وقف وهو بينهج، وبص لنا وقال:
— “النتيجة طلعت يا آسر بيه.. والتقرير الرسمي وصل للمحكمة ونسختنا اهي.”
طارق خطف الظرف من إيد المحامي وفتحه بسرعة، وعينيه بدأت تتحرك بين السطور.. وفجأة، طارق اتصدم، والورقة وقعت من إيده وبصلي ونطق جملة غيرت كل الحسابات وقلبت الكيان كله:
“خريف.. التحليل بيقول إنك مش أختنا فعلاً من الأب.. بس المصيبة الأكبر.. إن التقرير بيقول إنك كمان مش بنت الست اللي ماتت في البلد!”
الورقة وقعت من إيد طارق على الأرض كأنها جمرة نــ,,ـــــار. الصمت اللي حل في الصالون كان أرعب من صوت ضــ,,ـــــرب النــ,,ـــــار. مازن فتح بوقه وبصلي وبص للورقة وهو مش قادر ينطق، والمحامي رسلان كان واقف بيمسح العرق اللي نازل على وشه بمنديل وإيده بتترعش.
أنا حسيت إن السقف بيقع عليا. جسمي كله ساب، ووقعت على الكنبة وأنا ببص لإخواتي… أو الناس اللي كنت فاكرة إنهم إخواتي من كام دقيقة.
— “مش بنت أمي؟”
الكلمة طلعت مني مخنوقة، كأني بدفــ,,ـــــن نفسي بالحيا.
— “إزاي مش بنتها؟ أنا عشت معاها عمري كله! أنا شيلتها وهي بتمــ,,ـــــوت! أمي مين دي اللي مش أمي؟”
طارق حط إيده على رسه وبدأ يتحرك في الصالون زي المجنون:
— “ده جنان! ده مستحيل! الورق ده أكيد متزور، عاصم لحق يلعب في التحليل حتى وهو في الاسم المستعار! يا آسر اتكلم.. قول حاجة!”
لكن آسر ما اتهزش. الفزع اللي كان على وش طارق ومازن مكنش موجود على وش آسر. كان قاعد مكانه، باصص للجرح اللي في إيده ببرود غريب، وبعدين رفع عينه وبص للمحامي وقال بصوت هادي قوي:
— “التقرير صح يا رسلان؟ النسبة صفر في المية؟”
المحامي بلع ريقه وهز راسه:
— “مطابقة الجينات صفر في المية يا فندم.. الآنسة خريف لا تقرب لك ولا لطارق ولا لمازن، وملهاش أي صلة قرابة بالوالدة الله يرحمها. قانوناً.. الوصية سقطت، والحجز على الشركات هيتحول لإفلاس رسمي خلال 48 ساعة، والأملاك هتروح لعاصم الصاوي.”
مازن قعد على الأرض وحط رأسه بين ركبه وبدأ يعيط من الصدمة والخوف من الفقر والفضائح اللي هتحصل.
أنا وقفت على رجلي وإني بتترعش، وبصيت لآسر وطارق وقلت والدموع عامية عيني:
— “أنا لازم أمشي.. أنا أسفة.. أسفة إني دخلت حياتكم وشيلتكم هم مش همكم. أمي… الست اللي ربتني… ضحكت عليا قبل ما تمــ,,ـــــوت، أو يمكن كانت بتهلوس فعلاً زي ما قولت في الأول. أنا هاخد شنطتي البلاستيك وأرجع بلدي.”
كنت لسه هتحرك ناحية السلم عشان أجيب الشنطة المقلمة اللي جيت بيها، لما سمعت صوت آسر وهو بيقف وطوله الفارع بيملا المكان. صوته كان حاد وقاطع زي الطلقة:
— “اقعدي يا خريف.. مفيش حد هيمشي من هنا.”
التفت له وأنا بصرخ:
— “أقعد إعمل إيه؟ أنا طلعت غريبة! طلعت مش أختكم! والشركات بتاعتكم هتضيع بسببي!”
آسر قرب مني، وحط إيده على كتفي وضغط عليها بحنان وقوة مكنتش متخيلاهم. بص في عيني وقال:
— “أنتِ مش غريبة يا خريف.. وأمي الله يرحمها مكنتش بتهلوس، ومكذبتش عليكي وهي بتمــ,,ـــــوت.”
طارق ومازن رفعوا رأسهم وبصوا لآسر بذهول. طارق سأله بعصبية:
— “أنت بتقول إيه يا آسر؟ التقرير في إيدينا اهو! التحليل بيقول إنها مش أختنا ولا بنت أمنا!”
آسر التفت لطارق وقال بنبرة غامضة مليانة أسرار:
— “التحليل بيقول إنها مش بنت أمنا ‘نادية’.. الست اللي ربتنا كلنا وطلعتوا لقيتوها أمكم. لكن أمي أنا… أمي الحقيقية اللي ولدتني أنا الكبير… ماتت وأنا عندي سنتين! وأبويا اتجوز نادية بعديها، وجابتكم أنتم الاتنين.. طارق ومازن!”
الصالون كله اتجمد. مازن وقف على رجله وهو مش مصدق:
— “يعني إيه؟ احنا مش إخوات شقاق؟”
آسر كمل وهو بيبصلي بنظرة مليانة دموع محبوسة:
— “أبويا زمان، قبل ما يتجوز نادية، كان متجوز ست تانية سر من ورا عيلته وعاصم الصاوي.. الست دي هي أمي أنا، وخلف منها بنت تانية اتخطفت وهي في اللفة بعد ما أمي ماتت.. عاصم الصاوي هو اللي خطفها ورماها في الملجأ عشان يضمن إن الورث كله يجيله لو حصل لي حاجة. والست الطيبة اللي ربتك في البلد يا خريف، كانت الممرضة اللي شغالة في المستشفى وقتها، صعبتي عليها وسرقتك من الملجأ وهربت بيكي للبلد وعيشتك باسم ‘خريف الصاوي’ عشان تحميكي!”
جسمي كله سقع. يعني أنا أخت آسر الكبيرة؟ أخته من الأب والأم الحقيقية؟
المحامي رسلان صرخ فجأة وهو بيفكر في الكارثة القانونية:
— “بس يا آسر بيه! حتى لو الكلام ده صح.. الوصية مكتوبة باسم ‘بنت نادية الصاوي’! كدا الثروة برضه ضاعت والشركات هتفلس بكره الصبح لأن خريف مش بنت نادية!”
آسر ابتسم الابتسامة المرعبة بتاعته تاني، وطلع من جيبه ورقة قديمة ومصفرة، وعليها أختام رسمية من وزارة الصحة والداخلية يعود تاريخها لعشرين سنة فاتوا. حطها قدام المحامي وقال بروقان:
— “دي شهادة الميلاد الحقيقية لخريف.. ودي أوراق القضية القديمة اللي أنا بقالي سنين بدور عليها وعرفتها لما روحت لعاصم المكتب امبارح وعلمت عليه وعرفت منه مكان الأوراق.. خريف هي الوريثة الشرعية الأولى لـ ‘أصول عائلة الصاوي المجمعة’، والوصية اللي أبويا كتبها فيها بند سري بيقول: ‘تؤول الثروة للبنت الحقيقية من صلب الصاوي أياً كانت أمها’.”
مازن صرخ من الفرحة:
— “يعني احنا كسبنا؟ يعني خريف أختنا بجد والشركات مش هتفلس؟”
آسر هز رأسه وقال:
— “احنا كسبنا القانون يا مازن.. بس عاصم الصاوي مبقاش عنده حاجة يخسرها.”
وفجأة.. وقبل ما حد فينا ينطق بكلمة، سمعنا صوت انفجار هز جدران القصر كلها، والكهرباء قطعت، وصوت ضــ,,ـــــرب نــ,,ـــــار حي بدأ يشتغل في الجنينة برة بشكل جنوني!…..تابع للجزء الثالث والاخير
