المطبخ ج الاخيرحكايات رومانى مكرم
كان الشخص اللي ظهر من ورايا هو أبويا.. الحاج جلال.
أبويا دخل الشقة بكل هيبة ووقار، وبصوت جهوري هز الحيطان قال:
– وأنا بقول الشقة دي مكتوب نصها باسم بنتي، واللي يفكر يمد إيده على حق بنتي وشقايا، هقطعها له قبل ما تلمس الباب!
حماتي وخيلان ممدوح اتسمروا في مكانهم. خاله الكبير اتراجع خطوة لورا وبص لأبويا وقال بنبرة حاول يخليها شديدة:
– أهلاً يا حاج جلال.. بس ده موضوع عائلي بين ممدوح وأمه، ومظنش ليك صالح فيه.
أبويا مشي بثقة وقعد على الكرسي، وحط رجل على رجل وقال بكل برود:
– لا ليا صالح ونص.. أنا دافع نص تمن الشقة دي كاش، والعقد مكتوب مناصفة بين بنتي وممدوح. يعني أي كلام عن بيع أو تنازل أو نقل ملكية، لازم يمر عليا أنا الأول. وأنا واقف هنا عشان أقولكم: مفيش مليم واحد هيتحرك من البيت ده، وأي محاولة للضغط على جوز بنتي في بيته، هعتبرها قلة قيمة ليا أنا شخصيًا، وأنا مبرحمش اللي يقل بنيمتي.
التفت أبويا لممدوح وقال بنبرة حنينة لكن قوية:
– ارفع راسك يا ممدوح.. الراجل ميتكسرش في بيته، وطالما أنت شاري مرأتك وصاين بيتك، ضهرك مسنود بيا وبيها.
ممدوح حس إن الروح ردت فيه لما شاف أبويا واقف معاه وبيحميه حتى من طمع أهله. بص لخاله ولأمه وقال بحسم:
– الشقة دي مش هتباع، ومش هتتكتب باسم حد. والبيوت ليها حرمة، وأنا مش هسمح لأي حد – مهما كان غلاوته – إنه يدخل بيتي عشان يهد استقراري. اتفضلوا يا خالي.. العزومة خلصت من مبارح.
حماتي شاطت من الغيظ، وشها ازرق وعينها كانت بتطلع شرار وهي شايفه إن خطتها والرجالة اللي جابتهم عشان يرهبوا ممدوح فشلوا قدام هيبة أبويا وحسم ممدوح. بصتلي وقالت وهي بتجز على سنانها:
– ماشي يا ندى.. فاكرة إن أبوكي هيحاميلك طول العمر؟ الأيام بيننا، وبكرة تشوفي ممدوح ده هيرجعلي راكع ويطلب الرضا، والشقة دي هتدخليها برجلك وتطلعي منها من غير هدومك!
أبويا رد عليها بضحكة سخرية:
– أعلى ما في خيلك اركبيه يا أم ممدوح.. والباب يفوت جمل.
خرجت حماتي وخيلان ممدوح وهم بيجروا أذيال الخيبة والوجع، بعد ما اتكشفوا تمامًا وضاعت كل هيبتهم.
قعدنا أنا وأبويا وممدوح، ونفسيتنا بدأت ترتاح شوية. ممدوح اعتذر لأبويا وباس على رأسه وشكره إنه وقف معاه في محنته. وأبويا قاله: “أنت ابني يا ممدوح، والراجل بيبان في وقت الشدة، وأنت ثبت ووقفت في وش الطمع”.
عدت الأيام اللي بعد كده في رمضان هادية.. مفيش عزومات، مفيش ضغط مادي، والميزانية بدأت تتظبط والهدوء رجع لبيتنا الصغير. كنا فاكرين إن الموضوع انتهى لحد هنا، وإن حماتي استسلمت بعد القلم الجامد اللي أخدته قدام العيلة كلها.
لكن في ليلة ٢٠ رمضان، ممدوح رجع من الشغل بالليل ووشه مخطوف تمامًا، ورجله مش شايلاه. دخل الصالة ورمى مفاتيحه على الترابيزة وقعد وهو بيلهث.
جريت عليه بخوف وقلتله:
– في إيه يا ممدوح؟ مالك؟ شكلك عامل كده ليه؟
بصلي وعينه مليانة رعب حقيقي وقال بصوت مرعش:
– ندى.. المحامي بتاعي كلمني من شوية.. أمي رفعت عليا قضية حجر! ومش بس كده.. “أم فهد” السمسارة راحت للنيابة ومعاها وصل أمانة ممضي باسمي بمبلغ نص مليون جنيه، وبتقول إنها بتطالب بحقها، والوصل ده عليه إمضائي وبصمتي الحقيقية!
وقعت الكلمة عليا زي الصاعقة.. وصل أمانة بنص مليون جنيه؟ وممضي بإمضاء وبصمة ممدوح الحقيقية؟ ممدوح عمره ما مضى على حاجة زي دي!
وفجأة.. تذكرت حاجة حماتي عملتها من شهرين فاتوا، حاجة كانت تبدو بسيطة ووقتها مخدناش بالنا منها، لكنها كانت المفتاح للشر اللي بيحصل دلوقتي.
وقفت مكاني والدم هرب من عروقي، والذكريات بدأت ترجع لورا زي شريط سينما سريع.. من شهرين، بالتحديد قبل رمضان بأيام، حماتي جات هنا وكانت جايبة معاها أوراق تبع الجمعية الخيرية اللي هي مشتركة فيها، وقالت لممدوح بنبرة حنينة:
– يا ممدوح يا حبيبي، في ناس غلابة عايزين نعملهم كراتين رمضان، وعايزاك تمضي وتصم بصمتك كشاهد على استلام البضاعة عشان الجمعية تثق فينا.
ممدوح وقتها من ثقته العمياء في أمه، مضى وبصم على ورق أبيض كتير تحت بند إنه “ورق تبع شغل الخير”. وقتها مكنتش أعرف إن الورق الأبيض ده كان متخطط يتسلم لـ “أم فهد” عشان يتطبع فوقيه وصل أمانة بنص مليون جنيه!
بصيت لممدوح وقلتله وأنا بنهج:
– الورق الأبيض يا ممدوح! فاكر لما أمك خليتك تبصم وتمضي عشان كراتين رمضان والجمعية؟ هي دي اللعبة.. الورق ده هو اللي اتقدم للنيابة دلوقتي!
ممدوح حط راسه بين إيديه وبدأ يصرخ بوجع وقهر:
– أمي تعمل فيا كده؟ توديني السجن؟ ترفع عليا قضية حجر وتتهمني في عقلي وتزوّر عليا وصولة أمانة عشان تاخد الشقة؟ أنا عملت فيها إيه لكل ده؟
قلتله بحسم وقوة:
– مفيش وقت للعياط يا ممدوح، أمك وأم فهد لعبوا كل أوراقهم، وفاضل تكّة واحدة والشرطة تيجي تاخدك. إحنا لازم نتحرك فورًا وقبل الصبح.
كلمت أبويا الحاج جلال، وجيه عندنا في نص الليل ومعه محامي كبير من معارفه. المحامي لما سمع القصة وشاف تفاصيل القضية، قال بنبرة جادة:
– موضوع قضية الحجر ده تافه ومفهوش أي مستند طبي حقيقي، وهيترفض في أول جلسة. لكن المشكلة الكبيرة في وصل الأمانة.. طالما الإمضاء والبصمة حقيقيين، يبقى إحنا قدام جناية تزوير صلب (يعني الكتابة اتكتبت بعد الإمضاء). وده لازم نثبته في الطب الشرعي، بس الإجراءات دي بتاخد وقت، وممدوح ممكن يتفاجئ بقرار حبس على ذمة التحقيق.
أبويا خبط على التربيزة وقال:
– ممدوح مش هيتسجن ولا ليلة واحدة.. يا أستاذ، مفيش طريقة نوقع بيها أم فهد دي وتعتبر هي اللي نصبت؟
المحامي سكت شوية، وبعدين ابتسم خبث وقال:
– في طريقة.. بس محتاجة نلعب مع أم فهد بنفس طريقتها.. الطمع.
تاني يوم الصبح، المحامي طلب من ممدوح يكلم “أم فهد” السمسارة من تليفون تاني، ويغير نبرة صوته ويبان إنه مكسور ومنهار تمامًا. ممدوح اتصل بيها، وأول ما ردت، قالها بصوت بيترعش:
– ألو.. يا ست أم فهد، أنا ممدوح.. أنا عرفت بالوصل اللي معاكي، وأنا خلاص ضهري انكسر ومش قد السجون.. أنا مستعد أبيعلك الشقة كاش وبالسعر اللي أنتِ عايزاه، بس تتنازلي عن الوصل، وأمي تاخد نصيبها ونخلص من المحاكم.. أنا خسرت كل حاجة.
صوت أم فهد اتغير وفرحتها كانت واضحة وهي بتقول بشماتة:
– أيوة كده يا ممدوح يا ابني.. لخص واشترِ نفسك.. الشقة تساوي تمن الوصل وزيادة شوية، أنا هجيب المشتري وهنيجي نقعد بكره في مكتب المحامي بتاعي عشان نمضي عقود البيع، وتسلمني الشقة، وأنا هسلمك أصل وصل الأمانة في إيدك ونتنازل في النيابة.
ممدوح قالها:
– ماشي.. بس أمي متعرفش حاجة، أنا مش عايز أشوفها ولا أسمع صوتها.. هنتقابل أنا وأنتِ والمشتري والمحامي بس.
وافقت أم فهد وهي طايرة من الفرحة، وفاكرة إنها حطت إيدها على “صيد ثمين” وشقة لقطة هتاخد من وراها عمولة العمر، غير الفلوس اللي كانت نياها مع حماتي.
لكن اللي أم فهد مكنتش تعرفه.. إن مكتب المحامي اللي هنتقابل فيه، مكنش مكتب المحامي بتاعها.. وأم فهد مكنتش رايحة تستلم عقود الشقة.. دي كانت رايحة برجلها لأكبر فخ هيقلب السحر على الساحر.
وفي ليلة ٢٣ رمضان.. اتجمعت كل الأطراف في المكان المحدد، والستار كان بيترفع عن المشهد الأخير اللي هيحدد مصير بيتنا وحياتنا كلها.. والمفاجأة اللي كانت مستنياهم هناك، مكنتش تخطر على بال إبليس نفسه!
جاءت ليلة الثالث والعشرين من رمضان، وكان الهواء يحمل برودة غريبة تشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة. توجهنا أنا وممدوح وأبويا الحاج جلال إلى المكان المتفق عليه، ولم يكن مكتب محامي “أم فهد” كما ظنت، بل كان مكتبًا تم استئجاره بعناية بالتنسيق مع الجهات الأمنية ومحامينا، بعدما قمنا بتقديم بلاغ رسمي وموثق بالتسجيلات الصوتية يتهمها بالابتزاز والسرقة.
دخلت “أم فهد” وبصحبتها المشتري، وكانت ملامح الجشع والانتصار ترتسم على وجهها المقيت. وضعت حقيبتها على الطاولة وبصت لممدوح بنظرة شماتة وقالت:
– أهو كدة يا ممدوح يا ابني.. الشاطر اللي يعرف يشتري حريته. الشقة مقابل وصل الأمانة، والمشتري جاهز بالفلوس والعقود جاهزة للممضى.
ممدوح بص لها بجمود وقال:
– فين أصل الوصل الأول؟ لازم أشوفه وأتأكد منه.
طلعت أم فهد من حقيبتها ورقة مطوية بخبث، وفردتها على الطاولة.. كان هو؛ وصل الأمانة اللعين الذي يحمل توقيع وبصمة ممدوح الحقيقية، والمليء ببيانات مزورة ومبالغ خيالية كتبت فوق الإمضاء.
في تلك اللحظة، وقبل أن تمد يدها لتأخذ عقود الشقة، انفتح الباب الجانبي للمكتب ودخل ضابط المباحث ومعه اثنان من أمناء الشرطة.
صعقت “أم فهد” وتراجع المشتري للخلف وهو يرفع يديه قائلاً: “أنا ماليش دعوة يا باشا.. الست دي هي اللي جايباني!”.
حاولت أم فهد سحب الوصل بسرعة، لكن ممدوح كان أسرع وقبض على يدها، بينما قال الضابط بحسم:
– اثبتي مكانك يا أم فهد.. أنتِ مقبوض عليكي بتهمة التزوير في محررات عرفية، والابتزاز المالي، بناءً على بلاغ رسمي وتسجيلات بتثبت اتفاقك الجنائي.
انهارت الست تماماً، وسقطت على ركبتيها تبكي وتصرخ، وفي لحظة خوفها من السجن وضياع مستقبلها، صرخت بأعلى صوتها لتكشف باقي الحقيقة:
– أنا ماليش ذنب! أم ممدوح هي السبب.. هي اللي جابتلي الورق البصم عليه ابنها، وهي اللي قالتلي املي الوصل بنص مليون عشان نلوي دراعه ويطلق مراته ويبيع الشقة! أنا مجرد سمسارة.. هي اللي خططت لكل حاجة!
أمر الضابط بتحريز أصل الوصل، واقتياد أم فهد والمشتري إلى القسم لتحرير المحضر، وتم إصدار أمر ضبط وإحضار فوراً بحق حماتي باعتبارها الشريك والمحرض الرئيسي في الجناية.
في نفس الليلة، وقبل سحور اليوم الرابع والعشرين، كانت الشرطة تطرق باب حماتي. انقلب السحر على الساحر، والبيت الذي كانت تخطط لخرابه، وقف أصحابه يشاهدون سقوطها. تدخل أعمام ممدوح والحاج عبد الرحمن، وجاءوا إلى بيتنا يبكون من الخزي والعار الذي جلبته لهم أم ممدوح، وترجوا ممدوح وأبويا ألا يسجنوها حرصاً على سمعة العائلة.
نظر ممدوح إليّ، ونظرتُ إليه.. كنا قد استرددنا حقنا، وحمينا بيتنا، وكُسرت شوكة الطمع إلى الأبد. وافق ممدوح على التنازل عن القضية ضد أمه بشرط واحد: أن توقع على إقرار بعدم التعرض لنا، وتعهد مكتوب وموثق بعدم التدخل في حياتنا أو عتبة بيتنا نهائياً، مع استمرار حبس “أم فهد” لتاخذ جزاء تزويرها وطمعها.
مرت الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك في هدوء وسكينة لم نذق مثلها من قبل. وجلسنا ليلة العيد في شقتنا الآمنة، وأنا أنظر إلى زوجي الذي أصبح رجلاً جديداً، قادراً على حماية بيته وصون زوجته.
### الحكمة من القصة
> **”إن البيوت لا تُبنى على الطمع، ولا تُحمى بالخضوع.”**
> * **صلة الرحم والبر بالوالدين** فرض عين، ولكن بر الوالدين لا يعني أبداً الخضوع للظلم أو السماح بهدم البيوت وتشريد الزوجة الصالحة.
> * **الثقة العمياء** حتى في أقرب الناس قد تكون ثغرة يدخل منها الشر، والحرص واجب في المعاملات والأوراق والممتلكات.
> * **الكيد والطمع** عاقبتهما وخيمة؛ فمن حفر حفرة لأخيه (أو لابنه) وقع فيها، وحرمة البيوت وسكنها خط أحمر، ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.
>
