جوزي توفى ج1

جوزي توفى من شهر أنا لسه في شهور العدة.
ق
بس بعد وفاته بحوالي 15يوم لقيت أخوه جوزى الكبير بيقولي اعملي حسابك إحنا عندنا الست بعد وفاة جوزها تتجوز اخو جوزها المتوفي هو أولى بمرات أخوه يلم عيال أخوه وبيته

وقال كمان إن مراته ملهاش حق تعترض ولا حتى تتكلم في الموضوع.

 

أنا “هناء”.. عايشة في بيت عيلة في قلب الصعيد، بيت كبير جدرانه عالية، بس العلو ده كان دايماً بيكتم على نفسي. بعد وفاة جابر بـخمسة عشر يوم بالظبط، وأنا لسه بدموعي وفي عز أيام عدتي، الباب خبط. دخل “كامل”.. أخو جوزي الكبير. كامل هو كبير البيت بعد عمي الله يرحمه، كلمته سيف على الكل، ومراته “سعاد” بتعمله ألف حساب.

قعد كامل على الكنبة، ملامحه كانت جامدة ومفيش فيها أي أثر للحزن اللى هادد حيلي. بصلي بنظرة غريبة، نظرة فيها تملك أكتر من مواساة، وقال بنبرة حاسمة ومفيهاش مجال للنقاش:

* “اعملي حسابك يا هناء.. إحنا الأصول عندنا متقفلش الأبواب دي. الست بعد وفاة جوزها ملهاش غير بيت أخو جوزها. أنا أولى بمرات أخوي، ألم عيال أخوي وأصون بيته وسط ناسي.”

الكلام نزل عليا زي الصاعقة. حسيت إن الأرض بتلف بيا. بصيت له بذهول وقولت وصوتي بيرتعش:

* “بس يا أبو فاروق.. جابر لسه مكملش شهر! وأنا لسه في العدة.. إزاي بتقول الكلام ده دلوقتي؟!”

رد عليا وهو بيقوم ويعدل عبايته بكل برود:

* “وعشان إنتي في العدة أنا بقولك من بدري عشان تكتبي حسابك. ومراتي سعاد ملهاش حق تعترض ولا حتى تفتح حنكها بكلمة واصل.. الكلمة كلمتي والشور شوري.”

سابني ومشي، وساب في قلبي نار قايدة. “كامل” متجوز سعاد وعندهم تلات عيال، وسعاد ست واعية وحمية، لو شمت خبر بحاجة زي دي هتقلب البيت فوق دماغي ودماغ عيالي، وهي ملهاش ذنب، ولا أنا ليا ذنب في التفكير ده!

مرت الأيام وأنا بموت في كل ثانية ألف مرة. مكنتش بخرج من أوضتي إلا للضرورة، لحد ما جه اليوم اللى غير كل حاجة. كانت الساعة تقريباً واحدة بعد نص الليل، العيال ناموا، وأنا قاعدة في الضلمة ببكي وبفكر هعمل إيه لما العدة تخلص؟ ههرب فين بعيالي وأهلي ناس على قد حالهم وميقدروش يقفوا في وش كامل؟

فجأة، سمعت حركة غريبة في الصالة بره. الحركة كانت خفيفة، زي ما يكون حد بيتسحب. قومت براحة وفتحت الباب سنة صغيرة.. لمحت ضل “سعاد” مراته وهي طالعة من المطبخ ورايحة ناحية أوضة المكتب القديمة بتاعة عمي، الأوضة دي كامل قافلها بقفل ومحدش بيدخلها واصل.

الفضول والخوف حركوني. مشيت وراها من غير ما تحس. الباب كان موارب، ولمحت سعاد واقفة قدام الخزنة القديمة، ومعاها مفتاح! فتحت الخزنة وكانت بتدور وسط الورق بسرعة ويدها بترتعش. وفجأة، طلعت ورقة صفرا قديمة، عينها اتسعت من الصدمة، وقالت بصوت همس مرعوب:

* “يا مري.. بقى هو ده السر اللى مخبيه يا كامل؟ بقى جابر مات بـ…”

قبل ما تكمل جملتها، سمعت صوت خطى رجيل تقيلة جاية من أول الممر.. صوت جزمة كامل! سعاد اتنفضت والورقة وقعت من يدها تحت المكتب، وبسرعة قفلت الخزنة واستخبت ورا الستارة الكبيرة اللى في آخر الأوضة.

أنا رجعت بضهري بسرعة واستخبيت في ضلمة الممر الضيق، وقلبي بيدق زي الطبل. دخل كامل الأوضة وهو بينفخ، وولع النور الصغير.. وقف في نص الأوضة وبص حواليه بشك، وكأنه حس إن في حد كان هنا!

#الكاتب_رومانى_مكرم

كامل قرب من المكتب.. ورجله بقت على بعد سنتيمترات من الورقة اللى وقعت من سعاد.. وفجأة، تليفونه رن بصوت عالي، رد بسرعة وهو بيزعق:

* “أيوه يا زناتي.. عملت إيه في الأرض اللى جابر كتبها لعياله قبل ما يموت؟ خلصت الحكاية ولا لسه؟!”

لما سمعت الجملة دي، حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.. جابر كاتب أرض للعيال؟ وكامل بيعمل إيه من ورايا؟ وسعاد شافت إيه في الورقة؟

الظلام في الممر الضيق كان يبتلع أنفاسي المتسارعة، بينما الكلمات التي نطق بها كامل في الهاتف تتردد في أذني كصوت الرعد. “الأرض اللي جابر كتبها لعياله؟” إذن، لم يكن الأمر مجرد رغبة في “لم لحم أخيه” كما يدّعي، بل هناك مؤامرة تُحاك في الخفاء لابتلاع حق يتامى لا حول لهم ولا قوة.

كامل كان يتحدث بعصبية، يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، وحذاؤه الثقيل يمر محاذياً للورقة الصفراء القابعة تحت المكتب. سعاد خلف الستارة كانت تكتم أنفاسها، ورأيت طرف جلبابها يرتعش من الرعب. لو التفت كامل أو نظر لأسفل، لانتهى أمرنا جميعاً في هذه الليلة.

ضغط كامل على هاتفه بغضب وقال بنبرة خفيضة ولكنها حادة:

* “اسمع يا زناتي.. الورق ده لو ظهر، الطين كله عيقعد فوق دماغنا. جابر كتب كل حاجة للعيال قبل ما يموت بأسبوع، والناس في الشهر العقاري عيتكلموا. تخلص الموضوع ده الليلة، الدفاتر دي لازم تتعدل، فاهم واصل؟”

أغلق الخط بعنف، وزفر زفرة ضيق ملأت الغرفة برائحة التبغ والشر. تحرك نحو الباب، وفي اللحظة التي ظننت فيها أنه سيخرج، التفت فجأة ونظر نحو الستارة حيث تختبئ سعاد! تجمدت في مكاني، لكنه لحسن الحظ لم يتقدم، بل أطفأ النور وأغلق الباب خلفه بقفل حديدي، تاركاً سعاد محتجزة بالداخل!

انتظرت حتى اختفى صوت خطواته تماماً ونزل إلى الطابق السفلي. تحركت بسرعة نحو باب المكتب، وقلبي يكاد يقفز من صدري. همست من خلف الشق الصغير للباب:

* “سعاد!.. أنا هناء، أنتي سامعاني؟”

جاءني صوتها مخنوقاً ومتحشرجاً بالبكاء من الداخل:

* “هناء؟ الحقيني يا خيتي، كامل لو رجع ولقاني هنا هيدبحني.. الورقة.. الورقة اللي تحت المكتب فيها مصيبة!”

سألتها بلهفة والخوف ينهشني:

* “ورقة إيه يا سعاد؟ جابر جرى له إيه؟ أنتي قولتي جابر مات بـ…”

قبل أن تكمل سعاد كلمتها، سمعت صوت حركة في نهاية الممر، وصوت خشخشة مفاتيح كامل يعود مجدداً! لقد نسي شيئاً وعاد ليتأخذه. لم يكن أمامي سوى ثوانٍ معدودة؛ إما أن أهرب لغرفتي وأترك سعاد لمصيرها، أو أواجه مصيراً مجهولاً يغير مسار كل شيء في هذا البيت الكبير.

تراجعتُ خطوتين للخلف، والرعب يشلّ تفكيري. صوت المفاتيح يقترب، وكامل يتنحنح بصوته الأجش في أول الممر. لو رآني هنا في هذا الوقت المتأخر، ستكون نهايتي ونهاية سعاد.

بدون تفكير، اندفعتُ نحو المطبخ الصغير القريب من الممر، سحبتُ كوباً من الزجاج كان موضوعاً على الرخامة، وألقيته بكل قوتي على الأرض ليتناثر مئة شظية، ثم أطلقتُ صرخة خافتة متعمدة.

في نفس اللحظة، انفتح باب الممر وظهر كامل، وعيناه تتطاير منهما الشرارة. نظر إليّ وأنا أدّعي الفزع وأمسك بقدمي، ثم نظر إلى كوب الزجاج المكسور. هدر بصوته القوي:

* “واقفة إهنه بتعملي إيه يا هناء في وقت زي ده؟! وإيه اللي كسر الزجاج ده؟”

قلتُ بصوت يرتعش، والدموع تنهمر من عيني صادقة من فرط الخوف:

* “كنت.. كنت عطشانة يا أبو فاروق، وجيت أشرب في الضلمة الكوباية وقعت من يدي، ورجلي انجرحت.. أنا آسفة، هلمّه واطلع طوالي على أوضتي.”

بص لي بنظرات فاحصة، وكأنه يزن كلماتي بميزان الشك. نظر نحو باب المكتب المغلق، ثم أعاد نظره إليّ وقال بنبرة جافة:

* “حصل خير.. لمي الزجاج ده وحصليني على تحت، أنا نازل المضيفة، ومش عايز أشوف خيال حد في الممر ده واصل لحد الصبح، سامعة ولا لاه؟”

* “سامعة يا خويا.. سامعة.”

انصرف كامل ونزل الدرج الثقيل، واستمعتُ لخطواته حتى تأكدتُ أنه غادر البيت تماماً متوجهاً للمضيفة الخارجية. تنفستُ الصعداء، وأسرعتُ نحو باب المكتب. أخرجتُ من جيب جلابيتي “بنسة شعر” حديدية، وبحكم عيشتي القديمة في بيت والدي كنت قد تعلمت كيف أفتح بها الأقفال البسيطة. بعد محاولتين فاشلتين ويداي ترتعشان، طقطق القفل وانفتح الباب.

خرجت سعاد من خلف الستارة وهي تكاد يغشى عليها من الرعب، وجهها كان أصفر كالأموات. انحنيتُ بسرعة البرق تحت المكتب، التقطتُ الورقة الصفراء القديمة، ودسستها في صدري دون أن أقرأها.

أمسكتُ بيد سعاد وسحبتها لغرفتي وأغلقت الباب بالمفتاح. جلستْ على طرف السرير وجسدها كله ينتفض. نظرتُ إليها وقلت بحسم:

* “سعاد.. إحنا دلوقتي في مركبة واحدة. كامل عايز يتجوزني عشان يلم أرض جابر لعياله ويقوش على كل حاجة. قوليلي.. الورقة دي فيها إيه؟ وأنتي لِمحتي إيه في الخزنة؟ جابر مات إزاي؟!”

سعاد بلعت ريقها بصعوبة، ونظرت لورقة الشجر التي في يدي وقالت بصوت يملؤه الندم والخوف:

* “كامل.. كامل هو اللي ق*تل أخوه يا هناء!”

وقعت الكلمة عليّ كالصاعقة. تراجعتُ للخلف وأنا أضع يدي على فمي لمنع صرختي من الخروج. تابعت سعاد وعيناها تفيضان بالدموع:

* “الورقة اللي في يدك دي.. دي تقرير طبي قديم من دكتور برا المركز، جابر كان عيان من فترة وكامل هو اللي كان بيجيب له الدوا واصل لحد عنده.. التقرير ده بيقول إن نسب السموم في دم جابر قبل ما يموت بأيام كانت عالية وعمرها ما تيجي من عيا طبيعي! كامل كان بيموته بالبطيء يا هناء.. ولما جابر حس بالمراد، راح من وراه وكتب الأرض لعيالك في الشهر العقاري قبل ما يموت بأسبوع!”

وقفتُ مكاني والورقة ترتعش بين أصابعي، وعقلي لا يستوعب. جابر.. زوجي الحنون، مات مسموماً على يد شقيقه الأكبر؟ ومن أجل ماذا؟ الأرض والمال! والان يريد أن يتزوجني ليكون الوصي الشرعي على الأطفال ويضيع حقهم للأبد.

وفجأة.. وقبل أن ننطق بحرف آخر، اهتزت شبكة النافذة بشدة، وسمعنا صوت همس خفيض يأتي من حديقة البيت الخلفية المطلة على غرفتي مباشرة.. صوت زناتي وهو يقول لكامل تحت النافذة:

* “يا كبير.. الورقة الصفرا مش في الخزنة.. والست سعاد مش في أوضتها!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *