جوزي توفى ج الاخير
حكايات روماني مكرم
انقبض قلبي وسكنت الدماء في عروقي وأنا أستمع لصوت زناتي من خلف النافذة. نظرتُ إلى سعاد، فوجدتها قد تيبّست مكانهَا، والذعر ألجم لسانها تماماً. زناتي وكامل بالأسفل، يفتشون عن سعاد وعن الورقة التي باتت الآن داخل غرفتي!
أمسكتُ بكتف سعاد وهززتها بقوة لكي تفيق من صدمتها، وهمست في أذنها بصوت كالفحيح:
* “سعاد! قومي بسرعة.. ادخلي تحت السرير وماتتحركيش واصل، لو شافوكي هنا هيدبحونا إحنا الاتنين والعيال!”
تسللت سعاد بجسدها المرتعش أسفل السرير الخشبي الكبير، وبسرعة قمتُ بإخفاء الورقة الصفراء داخل وسادة ابني الصغير النائم بجواري. أطفأتُ النور المخفي، وألقيتُ بجسدي فوق السرير، مدعية النوم، وقلبي يقرع في صدري كالطبول.
لم تمر سوى دقيقة واحدة حتى سمعنا صوت خطوات ثقيلة تندفع داخل البيت. صعد كامل الدرج بسرعة جنونية، وصوت زناتي يتبعه بخطوات أخف. فجأة، وبدون أي مقدمات، انفتح باب غرفتي بعنف ليرتطم بالحائط!
استيقظتُ ميزوعة، وصرختُ بخوف مصطنع وأنا أداري جسدي بغطائي:
* “في إيه؟! مين؟! أبو فاروق؟! دخلت عليا الأوضة كدة إزاي في نص الليل وأنا ست عزباء وفي عدتي؟!”
دخل كامل وعيناه تجولان في أركان الغرفة كذئب جائع، وكان يمسك في يده كشافاً ضوئياً حاداً وجّهه مباشرة نحو وجهي وعيني، وقال بنبرة ترتجف من الغيظ والغضب:
* “سعاد فين يا هناء؟!”
رسمتُ على وجهي علامات الدهشة والذهول وقلت:
* “سعاد؟! وأنا إيش عرفني بسعاد يا أبو فاروق؟ هي مش في أوضتها فوق وسط عيالها؟ إيه اللي هيجيبها عندي في وقت زي ده؟!”
تقدم كامل خطوتين، ووجه الكشاف نحو السرير، ونحو الممر الصغير المؤدي للحمام الداخلي، ثم التفت لزناتي الذي كان واقفاً على عتبة الباب وعيناه تتفحصان المكان بشر، وقال كامل بحسم:
* “فتش البيت كله حتة حتة يا زناتي.. الست دي لو خرجت برة البيت باللي شافته، عيبجى طارنا مع بعضينا واصل!”
التفت إليّ كامل مرة أخرى، واقترب من السرير حتى شعرت بأنفاسه الغاضبة، وقال بصوت منخفض يحمل تهديداً صريحاً:
* “اسمعي يا بنت الناس.. البيت ده فيه حكاوي كتير لو طلعت برة جدرانه، دفنكم كلكم عيكون إهنه. خليكي في حالك وفي عيالك، لحد ما عدتك تخلص ونكتب الكتاب.. وبلاش اللف والدوران بتاع الحريم.”
خرج كامل وصوت خطواته يهز أركان البيت وهو يتجه مع زناتي لتفتيش باقي الغرف والمخازن الأرضية.
نزلتُ من على السرير بسرعة، وانحنيتُ لأسفل. خرجت سعاد وهي تبكي بصوت مكتوم، وأمسكت بيد جلابيتي وقالت وهي تقبّلها:
* “الحقيني يا هناء.. كامل لو مسكني هيموتني، ده مفيش في قلبه رحمة، دام قت*ل أخوه من لحمه ودمه مش هيسمّي عليا! أنا لازم أهرب من البيت ده دلوقتي.”
نظرتُ إليها وعقلي يعمل بأقصى سرعة. الهروب الآن في قلب الليل والصعيد ساكن كالمقابر مغامرة غير محسوبة، وكامل وزناتي يطوفون حول البيت كالمجانين. لكن بقاء سعاد يعني كشف أمرنا في الصباح.
قلت لها بحسم:
* “سعاد.. مفيش خروج من الباب الكبير واصل. شباك المطبخ القديم اللي ورا البيت بيطل على بيت عمي صالح الغفير، وهو راجل طيب وكبير في السن. هتنزلي من الشباك وتروحي عنده تستخبي لحد الصبح.. والورقة دي..”
أخرجتُ الورقة من الوسادة ونظرتُ إليها، ثم أكملت وعيناي تلمعان بالقوة لأول مرة منذ وفاة زوجي:
* “.. الورقة دي عتقعد معايا أنا.. عشان هي دي الحبل اللي هلفه حوالين رقبة كامل!”
بالفعل، ساعدتُ سعاد على التسلل من شباك المطبخ الخلفي في عتمة الليل، وعُدت لغرفتي وأنا أحمل الورقة التي تحمل سر مقت*ل جابر، وسر الأرض التي تركها لعيالي.
مع أول خيط من خيوط الفجر، استيقظتُ على صوت ضجة عارمة في ساحة البيت (الحوش).. صوت صراخ نساء، وجلجلة صوت كامل وهو يزعق في الميكروفون الخاص بمسجد القرية القريب، يعلن أمراً جعل الورقة تسقط من يدي ذهولاً!
صوت كامل في ميكروفون المسجد كان يقطع سكون الفجر كالسيف، لكن الكلمات التي كان ينطق بها لم تكن تعلن عن هروب سعاد، بل كانت صدمة زلزلت كياني وجعلت الورقة تسقط من يدي ذهولاً. كان كامل يصيح بنبرة هادئة ومصطنعة الحزن:
* “إنا لله وإنا إليه راجعون.. احتسب عند الله تعالى زوجتي المصونة (سعاد عبد الرحيم)، التي وافتها المنية الليلة إثر أزمة قلبية مفاجئة.. وتشيع الجنازة بعد صلاة الفجر من مسجد العائلة.”
تسمرتُ في مكاني، والأنفاس ضاعت من صدري. أزمة قلبية؟! سعاد التي ساعدتها بيدي على الهرب من شباك المطبخ منذ ساعتين فقط ماتت؟ كيف يعلن وفاتها وهي هربت لبيت عم صالح الغفير؟ أم أن زناتي وكامل عثروا عليها في عتمة الليل قبل أن تصل؟
أسرعتُ نحو الشباك، أزحتُ الستارة بحذر ونظرتُ إلى ساحة البيت الدائرية. رأيتُ نساء العائلة يتدفقن بجلابيبهن السوداء، وصوت العويل بدأ يرتفع ويتصاعد في أركان البيت الكبير. وفي وسط الساحة، كان كامل واقفاً يرتدي عباءته السوداء، يتلقى العزاء بملامح جامدة لا تهتز، وبجانبه يقف زناتي وعيناه تلمعان بانتصار خبيث.
أدركتُ في تلك اللحظة اللعبة القذرة؛ كامل أعلن وفاتها ليغلق الباب أمام أي بحث عنها، وليبرر اختفاءها للأبد إذا كان قد تخلص منها فعلاً، أو ليجعل القرية كلها تشهد جنازة “نعش فارغ” بينما سعاد محتجزة في مكان ما يخصه!
لملمتُ شتات نفسي بسرعة، ودسستُ الورقة الصفراء في أعمق نقطة بملابسي. خرجتُ من غرفتي وتوجهتُ نحو وسط الصالة حيث تتجمع النساء، تظاهرتُ بالصدمة والبكاء الشديد، وكنتُ أراقب كامل من بعيد. التقت عيناي بعينيه وسط الزحام، فنظر إليّ بنظرة طويلة حادة، حملت رسالة صامتة وواضحة: *(الدور القادم عليكِ يا هناء إن لم تنصاعي).*
انتهت مراسم الجنازة السريعة والغريبة مع شروق الشمس، وهدأت الحركة قليلاً في البيت بعد أن غادر المعزون الساحة الخارجية. كنتُ قاعدة في غرفتي والعيال مكلومين حولي، وفجأة انفتح الباب ودخل كامل ومعه زناتي، وأغلق زناتي الباب ووقف خلفه كالحارس.
تقدم كامل مني، وقف فوق رأسي وقال بنبرة غليظة مفيهاش أي أثر للرحمة:
* “خلاص يا هناء.. سعاد راحت للي خلقها، ومبقاش في البيت ده حد يخدم عيال جابر وعيالي غيرك. المأذون عيجيب الدفتر وييجي الليلة.. عتوقعي على كتابك عليا، ورجلك مش عتخطّي عتبة الأوضة دي لحد ما عدتك تخلص، والوصاية على أرض جابر وعياله عتبقى في يدي أنا من الليلة دي واصل!”
نظرتُ إليه، وعيناي اللتان كانت تفيضان بالدموع جفّتا تماماً، وحلّت محلهما نظرة قوة لم يعهدها كامل فيّ من قبل. وقفتُ مواجهة له، ولم أرتجف، بل وضعتُ يدي على صدري حيث تختبئ الورقة الصفراء التي تكشف سمه لأخيه، وقلت بصوت حاسم وعالٍ هزّ أركان الأوضة:
* “تتجوزني أنا يا كامل؟ وتدير أرض عيالي؟ طب قبل ما المأذون ييجي، ما تسأل زناتي الأول هو فتش المطبخ القديم زين الليلة اللي فاتت.. ولا ساب فيه ورق ممكن يوديكم أنتوا الاثنين في حبل المشنقة؟!”
ارتبك زناتي وتراجع خطوة للخلف، بينما اتسعت عينا كامل بصدمة، واندفع نحوي يمسك بذراعي بعنف وهو يصرخ: “ورق إيه يا بت المنشاوي؟!” وفي تلك اللحظة الصاخبة، طُرق باب البيت الخارجي بقوة غير عادية، وصوت جهوري من الخارج زلزل الساحة وهو ينادي: “يا كامل يا بدراوي.. افتح الباب طوالي.. معاك الشرطة والنيابة!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى
تراجع كامل عني وجسده كله يرتجف، فك قبضته القوية عن ذراعي وعيناه تزيغان بيني وبين الباب الخارجي الذي كاد ينخلع من شدة الطرق. زناتي من خلفه اصفرّ وجهه كالأموات ولمح بوابات السجن تفتح أمامه، فاستغل التشتت واندفع نحو الشباك محاولاً الهرب، لكن صوت طلقات تحذيرية في الهواء جمدت الحركة في البيت كله.
انفتح باب الغرفة بعنف، ودخل ضابط المباحث ومعه قوة من رجال الشرطة، ومن خلفهم كان يقف “عم صالح الغفير” وسعاد بجواره!
نعم.. سعاد كانت حية تُرزق! لم يمسسها سوى الرعب؛ فبعد أن وصلت لبيت عم صالح، أخبرها بما سمعه في ميكروفون المسجد، فأدرك الراجل الحكيم أن كامل أعلن وفاتها زوراً ليقت*لها ويدفن “نعشاً فارغاً” ويدفن معها السر. فما كان من عم صالح إلا أن أخذها تحت جنح الليل في سيارته النصف نقل وذهبوا مباشرة لمركز الشرطة في المحافظة ليبلّغوا عن المؤامرة.
صرخ كامل وهو يحاول استعادة هيبته المصطنعة:
* “في إيه يا باشا؟! عتقتحموا بيت الكبير إزاي؟ ودي واقفه إهنه إزاي وهي ماتت وشيعنا جنازتها؟!”
تقدم الضابط بكل برود وكلبش يد كامل وقال:
* “جنازة مين والست واقفة بطولها؟ إنت متهم بتزوير شهادة وفاة، والشروع في ق*تل زوجتك، وقبل كل ده.. متهم بق*تل أخوك جابر بدوا مسموم!”
التفت الضابط إليّ وقال: “فين الدليل يا ست هناء؟”
بيد ثابتة وقلب لم يعد يعرف الخوف، مددتُ يدي داخل جلبابي وأخرجتُ الورقة الصفراء القديمة.. تقرير السموم الأصيل، ومعه عقد بيع الأرض وتنازل جابر لعياله الموثق، وقدمتهم للضابط قائلة:
* “أهو الدليل يا باشا. كامل سمّ أخوه عشان الأرض، ولما جابر حس بالمراد كتب كل حاجة لعياله، وكان عايز يتجوزني غصب في عدتي عشان يضيع حق اليتامى ويدفن السر.”
نظر كامل إليّ بنظرة غلّ وندم وعيناه تشتعلان بالهزيمة، بينما كان رجال الشرطة يسحبونه هو وزناتي مكلبشين وسط صراخ نساء البيت وعويلهن، لكنه هذه المرة لم يكن عويلاً على ميت، بل كان عويلاً على “كبير البيت” الذي سقط قناعه وذهبت هيبته للأبد في حبل المشنقة.
التفتُّ إلى سعاد، فاحتضنتني وهي تبكي بحرقة، والبيت الكبير الذي كان جدرانه عالية وتكتم على نفسي، شعرتُ لأول مرة أن شمسه أشرقت وأن هوائه بات نقياً. حَميتُ عيالي، وصُنتُ أمانة جابر، وكسرتُ سيف الطغيان الذي كان يهددنا.
### الحكمة من القصة:
> **”إن الجدران العالية والوجاهة الزائفة لا تحمي صاحبها إذا أسس بيته على الظلم وبخس الناس أشياءهم. المال الحرام والظلم كالنار، أول ما تأكل تأكل صاحبها، وحق اليتامى محروس بعين الله التي لا تنام، ولو اجتمع إنس وجان لسرقته، ليقيّض الله من ضعاف خلقه من يظهر الحق ويزهق الباطل، فالأصول الحقيقية ليست في العادات والتقاليد التي تُظلم فيها المرأة، بل في العدل وصون الأمانة.”**
>
**تمت الحكاية.**
#الكاتب_رومانى_مكرم
