9 شهور ج3

حكايات روماني مكرم

## الجزء الخامس

تهديد محمود كان زي الطلقة اللي هزت جدران ممر النيابة. الكلمات طلعت من بوقه مليانة غل وعجز في نفس الوقت، لكن عيونه كانت بتقول إنه فعلاً مبقاش باقي على حاجة، راجل خسر شقا عمره، وخسر مراته، وعيلته واقفة وراه بالكلابشات بتدفع تمن سرقتها وظلمها.

العساكر شدوا محمود لجوه أوضة التحقيق مع أمه وأخواته، وأنا واقفة في مكاني جسمي كله بيترعش.. مش خوف منه، أنا خلاص مبقتش أخاف من محمود، بس الرعب كله كان على عيالي. خطفهم؟ يهرب بيهم برة البلد؟ ده ممكن يعملها فعلاً لو حس إنه ضاع ومبقاش معاه مليم ولا عيلة.

رفعت مسك إيدي براحة وقال بصوت هادي عشان يطمني: “متخافيش يا سمر.. طول ما أنا عايش على وش الدنيا، محدش يقدر يمس شعرة من عيالك. الراجل ده بيقول أي كلام من صدمته، وميقدرش يعمل حاجة.”

بصيت لرفعت وشكرته، بس جوايا كان فيه صوت تاني بيقول: “الأم بس هي اللي بتحس بالخطر على ضناها.. ورفعت رغم شهامته، مش هيفضل قاعد جنب عيالي 24 ساعة يحرسهم من أبوهم.”

عدت الساعات جوة النيابة وكأنها دهر. رئيس النيابة واجه حماتي وشيماء بتقرير الشرطة وبأقوال “سيد” البياع، وكمان بالفلوس والدهب اللي اتلقوا في شقة أحمد الكبير والعلب بتاعتهم اللي مكتوب عليها اسمي. اللعبة كانت مقفلة ومفيش منها هروب.

النيابة أمرت بحبس حماتي وشيماء وأحمد 4 أيام على ذمة التحقيق بتهمة السرقة والتزوير والبلاغ الكاذب، وتم إخلاء سبيل محمود لأنه مكنش موجود وقت السرقة ومكنش طرف مباشر في التخطيط ليها، بس خرج وهو شايل في قلبه نار تكفي بلد.

رجعنا البيت، والمنطقة كلها كانت مقلوبة. الفضيحة بجلاجل، وبيت العيلة اللي كان قاهرني وقاهر أهلي 9 شهور، دلوقتي بابه مقفول بالحزن والخزي، والناس كلها بتتكلم عن حق سمر اللي رجع وعن شرفها اللي ظهر زي الشمس.

دخلت شقة أبويا، ارتميت في حضن أمي وعيطت.. عيطت من كتر الحمل اللي انزاح عن كتفي. شرفي رجع، والكل عرف إني مظلومة. لكن الفرحة مكملتش، قعدت في الأوضة وبصيت لعيالي وهم نايمين زي الملايكة.. وافتكرت كلام محمود: “لو الجوازة دي تمت، لآخد العيال منك وهحرمك منهم طول عمرك.”

بعد يومين، الباب خبط. أبويا فتح ولقينا المحامي بتاع رفعت داخل، ووشه مش مطمن.

أبويا قال بلهفة: “خير يا أستاذ؟ فيه جديد في القضية؟”

المحامي قعد وبصلي وقال: “الجديد مش في قضية السرقة يا حج.. الجديد إن محمود النهاردة الصبح رفع قضية (إسقاط حضانة) مستعجلة ضد سمر، ومقدم إنذار بالطاعة، ومحامي بتاعه باعت ورق بيقول فيه إن سمر بتجهز للجواز من راجل أجنبي (رفعت)، وطبقاً للقانون، بمجرد عقد القران، الحضانة بتتنقل لجدة العيال لأبوهم.. ولما قولتله إن الجدة محبوسة في قضية سرقة، قالي الحضانة هتروح لأخت الأب (شيماء) أو لأي حد من عيلته، ومحمود طالب بمنع العيال من السفر.”

الدنيا اسودت في عيني. القانون اللي كنت بستنجد بيه، محمود بيعرف يلعب بيه هو كمان. لو اتجوزت رفعت، القانون فعلاً هيدي العيال لأهل محمود، حتى لو كانوا ظالمين، لأن الأم المتزوجة من أجنبي بتسقط حضانتها في حالات كتير.

في نفس الليلة، رفعت جالي البيت ومعاه شبكته والمأذون كان محدد ميعاده بعد يومين. قعد مع أبويا وقال: “يلا يا أبو سمر، عشان نجهز لكل حاجة ونكسر عين محمود خالص، والعيال أنا هعملهم ورق رعاية وهيطلعوا يعيشوا معايا في شقتي الجديدة ومحدش هيلمسهم.”

وقفت في وسط الصالة، وبصيت لرفعت.. الراجل الجدع اللي وقف جنبي وساعدني أرجع شرفي وفلوسي، الراجل اللي أهلي شايفينه طاقة القدر. وبصيت لأبويا اللي ملامحه بدأت ترتاح بعد شهور العذاب.

قلت بصوت واطي بس مسموع: “أنا متشكرة ليك يا حج رفعت.. عمري ما هنسى وقفتك جنبي.. بس الجوازة دي مش هتنفع تتم.”

أبويا وقف مذهول: “أنتِ بتقولي إيه يا سمر؟ اتجننتي تاني؟ الراجل شريكي وجابلك حقك!”

ورفعت اتصدم وقال: “ليه يا سمر؟ خايفة من تهديد محمود؟ أنا قولتلك أنا بظهرك!”

دموعي نزلت وقلت: “مش خوف يا حج رفعت.. بس القانون واضح. لو اتجوزتك، محمود هياخد عيالي بالورق والقلم، وأنا مستعد أعيش طول عمري بلقمة ناشفة في بيت أبويا، ولا إن حتة من قلبي تتاخد مني وتروح لبيت العيلة اللي ظلموني.. أنا مش هضحي بـ عيالي عشان راحتي.”

رفعت بصلي بنظرة كلها احترام وزعل في نفس الوقت، وقال: “لو ده قرارك يا سمر عشان عيالك.. أنا مش هجبرك، بس افتكري إن بابي دايماً مفتوحلك.”

مشيت الأيام، ورفعت انسحب بهدوء واحترام. ومحمود لما عرف إن الجوازة اتفركشت، بدأ يهدأ ومرفعش القضية بشكل جدي، بس فضل مراقبني زي الضِل.

وفي يوم، وأنا نازلة اشتري طلبات للبيت والشارع فاضي وقت الضهرية، لقيت عربية سودا وقفت قدامي فجأة. الباب اتفتح، وخرج منها محمود.. بس مكنش لوحده. كان معاه راجلين شكلهم غريب، وعينيه كانت مليانة جنون.

قرب مني ووشه خالي من أي رحمة، وقال بصوت واطي: “فاكرة إنك لما ترفضي الجواز هسيبك؟ أنتِ ذلتيني وذلّيتي أمي وإخواتي في المحاكم يا سمر.. والفلوس اللي رجعتلك بالنيابة، مش هتهني بيهم.”

وقبل ما أصرخ أو أعمل أي رد فعل، لقيت الراجلين اللي معاه بيهجموا عليا..

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء السادس

الدنيا لفت بيا في أقل من ثانية، الشارع الفاضي وقت الضهرية اتحول لقفص وضلمة كحلة سدت عيني. الراجلين اللي كانوا مع محمود هجموا عليا بلمح البصر، واحد كتم بوقي بإيده الخشنة اللي ريحتها جاز، والتاني مسك إيديا وكتفني لورا كأني عيلة صغيرة ملهاش حول ولا قوة.

حاولت أصرخ، حاولت أهبد رجلي في الأرض عشان أي حد من الجيران يسمعني، بس القوة كانت ليهم. محمود كان واقف باصصلي بنظرة غريبة.. مكنش فيها غل وبس، كان فيها نظرة وداع وخوف وجنون، نظرة راجل مبقاش باقي على أي حاجة في الدنيا بعد ما عيلته اتسجنت وشرفه ضاع وسط الحارة.

زقوني جوة الكنبة الورانية بتاعة العربية السودا، وواحد منهم قعد جنبي وفضل كاتم بوقي بحتة قماشة، ومحمود ركب قدام جنب السواق وزعق فيه: “اطلع بسرعة قبل ما حد يلمح النمرة.. اطلع على الطريق الصحراوي!”

العربية كانت بتجري بسرعة جنونية، وأنا دموعي نازلة بتحرق وشي. كنت بفكر في عيالي.. يا ترى سيبتهم لمين؟ نايمين في شقة أبويا ومش دريانين إن أمهم بتتخطف في عز الظهر؟ الفلوس والدهب اللي النيابة رجعتهم ليا.. هل هما السبب في كل ده؟ محمود عاوز ياخدهم بأي ثمن عشان يهرب بيهم؟

بعد حوالي ساعة من المشي في طريق مقطوع كله رملة ومبانٍ مهدمة تحت الإنشاء، العربية وقفت قدام بيت قديم شبه مهجور، حيطانه طوب أحمر ومن غير محارة.

نزلوني وزقوني لجوة، رموني على الأرض في أوضة ضلمة مفيهاش غير كرسي مكسور ولمبة سهاري مدلدلة بسلك من السقف. محمود شاور للرجالة يخرجوا ويقفوا برة، وقفل الباب الخشبي المتهالك وراه.

قعد على ركبه قصادي، وشال القماشة من على بوقي. النفس دخل صدري بالعافية، وصرخت في وشه وأنا بنهج: “أنت اتجننت يا محمود؟ بتخطفني؟ أنت عاوز مني إيه تاني؟ مش كفاية اللي عملتوه فيا وفي أهلي؟”

محمود ضحك ضحكة مكسورة، وعينيه دمعت وقال بصوت مخنوق: “أنا مخبرتش حد يا سمر.. أنا اتخَطفت وزيك بالظبط من يوم ما رجعت من الغربة.. أمي وأخواتي دمروني قبل ما يدمروكي، شقا عمري راح، وأمي وأخويا وأختي محبوسين بسببي وبسببك.. الحارة مِقاطِعاني، ومبقاش ليا لقمة عيش في البلد دي.”

زعقت فيه: “وأنا مالي بكل ده؟ هما اللي سرقوا وهما اللي ظلموا! سيبني أرجع لعيالي يا محمود، أبويا لو عرف مش هيرحمك.”

وقف على حيله وبصلي بقسوة: “أبوكي مش هيعرف طريقك يا سمر.. وأنا مش جايبك هنا عشان أإذيكي، ولا عشان الفلوس والدهب زي ما أنتِ فاكرة.. الفلوس والدهب طز فيهم، أنا أصلاً سايبهم في المحكمة ومش عاوزهم.”

بصيت له باستغراب والخوف زاد جوايا: “أُمّال جايبني هنا ليه؟”

محمود قرب من الباب، اتأكد إن الرجالة اللي برة بعيد، ورجع قعد قصادي وقال بوشوشة رعبتني: “أحمد أخويا.. الكبير اللي محبوس دلوقتي.. مكنش شغال لوحده يا سمر.. الفلوس والدهب بتوعنا مكنوش هما اللي هيفتحوا له المحل الجديد زي ما شيماء فاكرة.. أحمد شغال مع ناس تقيلة في السلاح والآثار، والفلوس اللي سرقها من شقتنا كانت تكمِلة لصفقة كبيرة كان داخل فيها، ولما الشرطة فتشت شقته بناءً على بلاغك ولقت الفلوس والدهب، الخطط كلها باظت والناس الكبار دول خسرو ملايين!”

جسمي كله سقع. الموضوع طلع أكبر من خناقة عيلة وسرقة دهب.. الموضوع دخل في غسيل أموال وعصابات.

محمود كمل وعينيه بتلف من الرعب: “الناس دول جم لحد عندي امبارح بالليل.. وقالوا لي إخواتك وأمك في السجن مش هيطلعوا، ولو القضية دي مِشيت في طريقها والنيابة نبشت ورا أحمد، الكل هيتجرجر.. وقالوا لي حل واحد عشان عيلتي تطلع وعيالي يفضلوا عايشين.. إنك تختفي يا سمر! تمضي على تنازل رسمي عن القضية، وتقري في الشهر العقاري إن البلاغ كان كيدي وإنك لقيتي حاجتك، وتختفي من المحافظة كلها كام شهر لحد ما المياه تِرجع لمجاريها.. لو مَعملتيش كده.. مش هيلمسوا شعرة منك.. هيروحوا لبيت أبوكي وياخدوا العيال!”

الكلمة نزلت عليا زلزل هَد كياني.. العيال! العصابة دي عاوزة تاخد عيالي لو متنازلتش؟

محمود مسك إيدي بلهفة وقال: “أنا خطفتك غصب عني عشان أحميكي وأحمي العيال منهم.. لو كانوا هما اللي خطفوكي مكنتيش هتعيشي تمن الساعات الجاية.. الورق أهو يا سمر، امضي عليه عشان نخلص من الكابوس ده، وأنا هسفرك أنتِ والعيال في أي مكان أمان بعيد عن هنا!”

بصيت للورق اللي محمود مخرجه من جيبه، وبصيت للقلم.. عقلي كان بيشتغل في مية اتجاه. هل محمود صادق وبيرعبني عشان يتنازل عن أمه وإخواته وينقذهم من السجن؟ ولا الكلام بجد وإحنا فعلاً دخلنا في عش دبابير؟

لو مضيت.. حماتي وأحمد وشيماء هيخرجوا، ويرجعوا يذلوني ويهددوني تاني وممكن ياخدوا عيالي بالقانون. ولو ممضيتش.. ممكن العصابة دي تنفذ تهديدها وتأذي عيالي الغلابة.

مسكت القلم وإيدي بتترعش.. وقبل ما أحط السن على الورقة، سمعنا صوت ضرب نار حي برة البيت المهجور.. وصريخ الرجالة بتاعة محمود وهي بتهرب!

محمود وقف مخضوض وسحب طبنجة من جنبه، وباب الأوضة اتهد ودخل منه شخص مكنتش أتوقع أوفقه في المكان ده أبدًا!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *