جوزي كان عنده مشكله ج الاخير

حكايات روماني مكرم

(تنويه: هذا هو الجزء **الخامس** استكمالاً للأجزاء الأربعة السابقة، وليس الأخير)

الصدمة لجمت لساني، وحسيت إن ركبي مش شايلاني. المطبخ كله بقى يلف بيا، وصوت ريهام المرعوب وصرخاتها لسه برن في ودني: “مصطفى بيموت.. مصطفى أخد الرصاصة بدالي!”.

في اللحظة دي، طار من عقلي الذهب، والفلوس، والغيرة، والضرة. مفيش في بالي غير صورة مصطفى وهو سايح في دمه. صرخت بأعلى صوتي من قلب مقهور: “مصطفى!!”

جريت على الأوضة، لبست عبايتي وطرحتي وأنا إيدي بتتنفض ومش عارفة أتحكم في حركتي. نزلت جري على السلم وكأني طايرة، والدموع مغمية عيني. نزلت الشارع وأنا بصرخ وبشاور لأي تاكسي، ركبت وقولت للسواق يطير على عنوان برج وسط البلد اللي عرفت مكانه بالصدفة قبل كده.

طول الطريق كنت ببكي بحرقة وأدعي: “يارب سلمه، يارب متحرمنيش منه، يارب عاقبني أنا بس هو لأ، يا رب رجعه لعياله بالسلامة.”

وصلت البرج، ولقيت الشارع مقلوب.. عربيات بوليس، وإسعاف، والناس ملمومة وخوف وزحمة. زقيت الناس بضلوعي وبقيت أصرخ: “جوزي فين؟ مصطفى فين؟” لحد ما شفت ريهام نازلة مع مسعفين، وهدومها الشيك متبهدلة ودموعها مغرقة وشها. أول ما شافتني، جريت عليا وترمت في حضني وهي ببتعش: “لحقوه يا هناء.. أخدوه على المستشفى الفرنساوي، الرصاصة جت في صدره وهو بيدافع عني، قرايبه غدرو بيه لما عرفوا إنه قبض ثمن الأرض كاش!”

مفكرتش في أي حاجة، أخدت ريهام في إيدي وركبنا الإسعاف ورا مصطفى. وصلنا المستشفى والدنيا كانت قايدة نار. دكاترة وممرضين بيجروا بالترولي، ومصطفى غايب عن الوعي، وجهازه التنفسي عليه دم، ووشه اللي كان منور بقا خاطف لون الموت. دخلوا بيه على غسيل العمليات فوراً، والباب اتقفل في وشنا.

قعدت على الأرض في الطرقة، وضهرى ساند على الحيطة، وريهام قعدت جنبه بتبكي بانهيار. بصيت لها، الست اللي كنت بغير منها وبكرهها، بقيت حاسة إننا اتنين أيتام مستنيين أمل يرجعنا للحياة.

فاتت ساعة والتانية والتالتة، والوقت كان بيمر كأنه دهر. وفجأة، لقيت أمي داخلة المستشفى ومعاها خالي، شكلهم عرفوا من الجيران. أمي جريت عليا وقالت بلهفة: “بنتي! هناء يا حبيبتي.. إيه اللي جابك هنا؟ والراجل ده حصله إيه؟”

بصيت لأمي بنظرة خالية من أي مشاعر، وقولت بصوت ناشف: “مصطفى بيموت جوة يا أمي.. مصطفى اللي قولتلي خبي قرشك منه، بيموت بسبب الأرض والفلوس اللي الكل طمعان فيها إلا أنا وهو.”

أمي بصت لريهام بقرف وقالت بصوت واطي: “طب وقاعدة جنب دي ليه؟ قومي معايا يا بنتي، لو جرى له حاجة لازم نأمن حقك وحق عيالك في الورث والملايين دي قبل ما الست دي وأهلها يلهفوا كل حاجة! الأرض اتمضت والفلوس في البنك، لازم نشوف المحامي فوراً!”

الكلمات نزلت في ودني كأنها سم. وقفت على رجلي وبصيت لأمي بذهول وكسرة نفس، وصرخت فيها وسط طرقة المستشفى: “ورث؟ فلوس؟ انتي إيه يا أمي؟! جوزي بين الحياة والموت جوة وانتي بتفكري في الورث؟ أنا مش عايزة ملايين، مش عايزة دهب، أنا عايزة أبو عيالي يرجع يقف على رجليه تاتي ويدخل عليا البيت.. اطلعي برة يا أمي! اطلعي برة ومش عايزة أشوف وشك هنا!”

أمي اتصدمت وخالي شدها وأخدها وخرج وهو يبرطم. رجعت قعدت مكاني وأنا بدفن وشي بين إيديا.

بعد أربع ساعات كاملة، باب العمليات اتفتح.. الدكتور خرج وهو بيقلع الكمامة، وعلى وشه علامات إجهاد شديدة. جرينا أنا وريهام عليه في نفس اللحظة: “طمنا يا دكتور.. أرجوك قول إنه عايش!”

الدكتور اتنهد وقال: “الحمد لله، قدرنا نخرج الرصاصة، بس النزيف كان شديد جداً والرئة اتضررت.. هو حالياً هيتنقل العناية المركزة تحت الملاحظة لغاية ما يفوق، والـ 48 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا استقرار حالته.. ادعوا له.”

نقلوا مصطفى العناية، ووقفت أنا وريهام ورا الإزاز نبص عليه.. خراطيم وأجهزة في كل حتة في جسمه. بصيت لريهام وقولت لها بصوت مخنوق: “انتي هتروحي ترتاحي وتغيري هدومك دي، وأنا هفضل هنا جنبه.”

ريهام هزت راسها برفض: “مش هسيبه يا هناء، أنا السبب في اللي هو فيه.”

قولت لها بحسم وحنان مفاجئ: “روحي يا ريهام عشان تقدري تقفي على رجلك بعدين، مصطفى جوزنا احنا الاتنين، والنهاردة أنا اللي هحرس ضهره.”

فعلاً ريهام مشيت بعد محايلات، وفضلت أنا بطولي في المستشفى. الليل ليل عليا وأنا صاحية، بقيت أصلي في مصلى المستشفى وأدعي بكل جوارحي.

على الفجر، الممرضة خرجت تجري من الأوضة، وجهاز ضربات القلب بدأ يصدر صوت صفير مستمر ومرعب.. الدكاترة جريوا على جوة وهما شايلين جهاز الصدمات الكهربائية..

وقفت ورا الإزاز أصرخ وأخبط بـإيديا: “مصطفى!!! لأ يا مصطفى متمشيش وتسبني..!!!”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الدكاترة جوة الأوضة كانوا بيتحركوا زي الخلية، واحد بيشحن جهاز الصدمات ويزعق: “على ٢٠٠.. ابعد!”، وجسم مصطفى يتنفض لفوق وينزل تاني زي الجثة الهامدة، والمؤشر لسه مدي خط مستقيم وصوت الصفارة المستمرة اللي بتعلن نهاية كل حاجة.

أنا كنت برا الإزاز بركع على ركبي، وبخبط راسي في الحيطة وبصرخ من غير صوت، دموعي وعرقي غرقوا الأرض. في اللحظة دي، شفت شريط حياتي كله معاه بيمر قدام عيني.. شقانا، ضحكنا، دخلته علينا باللقمة الحلال، ويوم ما قالي “أنا بقع وانتي بتفكري في الذهب؟”. صرخت لربنا من كل قلبي: “يارب خد من عمري واديله.. يارب عاقبني أنا بذنبي بس متيتمش عياله، متموتوش وهو شايل مني ومكسور!”

“شحن على ٣٠٠.. ابعد!”.. الصدمة التالتة.. وفجأة، الصفارة المستمرة قطعت، وبدأ الجهاز يطلع صوت النبض المنتظم تاني.. “تيت.. تيت.. تيت”.

الممرضة خرجت وهي بتنهج وتمسح جبينها وبصتلي وقالت: “الحمد لله.. النبض رجع، النوبة عدت، بس حالته لسه حرجة جداً.”

وقعت على الأرض من طول البرد والراحة، ومحستش بنفسي غير وريهام بتبخ مية على وشي وبتعيط وتقولي: “قومي يا هناء.. قومي يا أختي مصطفى عايش، ربنا استجاب لدعاكي.”

عدى عشر أيام كاملين في العناية المركزة. عشر أيام مالمحتش فيهم النوم ولا روحت بيتي. أنا وريهام كنا بنبدل مع بعض، نشتري العلاج سوا، ونقعد في الطرقة على كراسي الخشب، نسند راسنا على كتاف بعض. الغيرة اللي كانت بتاكل قلبي ماتت، وحل مكانها وجع مشترك. ريهام حكتلي عنه، قالتلي: “مصطفى كان دايماً يتكلم عنك بالخير يا هناء، كان يقول هناء أصل بيتي وأم عيالي، بس كان يبكي ويقول كسرتني وخافت مني.. هو اتجوزني عشان لقى فيا السند لما الكل اتخلى عنه، مش عشان يكسرك.”

كلامها كان بيكويني، بس كان بيغسل قلبي من الغل. عرفت إن ريهام مش خطافة رجالة، دي ست لقت راجل حقيقي في وقت زنقة فصانته.

في اليوم الحادي عشر، الدكاترة قرروا ينقلوا مصطفى أوضة عادية بعد ما المؤشرات استقرت وبدأ يفوق ببطء.

دخلنا الأوضة أنا وريهام، كان مفتح عينيه بالعافية، وشاحب، والتعب حافر في وشه خطوط سودة. أول ما دخلنا، عينه راحت علينا احنا الاتنين واقفين جنب بعض وإيدنا في إيد بعض. ملامحه اتحركت بذهول واهتزت، وحاول يتكلم بس صوته طلع مخنوق من أثر أنابيب الأكسجين.

قربت منه وجريت على إيده بوستها وأنا بعيط: “حمدالله على سلامتك يا أبو العيال.. نور بيتنا رجع تاني.”

وريهام قربت من الناحية التانية والدموع في عينيها: “حمدالله على سلامتك يا مصطفى، قومت لينا بالسلامة.”

مصطفى بصلي لثواني طويلة، النظرة الباردة اللي كانت في عينيه قبل الحادثة اختفت، وحل مكانها نظرة عتاب هادية، ونزلت دمعة من عينه مسحتها له بطرحتي. بص لريهام وبصلي، وقال بصوت يدوب مسموع: “جمعتكم الأزمة.. بعد ما فرقتكم الفلوس؟”

قعدنا معاه طول اليوم، وبدأ يسترد عافيته ويتكلم أحسن. وفي وسط ما احنا قاعدين، الباب خبط ودخل محامي مصطفى ووشه مقلوب وعلامات القلق عليه، ومعاه اتنين من رجال الشرطة.

مصطفى اتعدل في السرير بصعوبة وقال: “خير يا أستاذ مدحت؟ قرايبي جرى لهم إيه؟ والشرطة جاية ليه؟”

المحامي بصلي وبص لريهام بتردد، وبعدين قرب من مصطفى وقال بنبرة واطية وصادمة: “قرايبك اتمسكوا يا مصطفى بيه والحمد لله وهيتحاكموا.. بس المشكلة مش هنا.. المشكلة إنهم قبل ما يتمسكوا، اعترفوا إنهم حرقوا مخازن الشغل القديمة والجديدة كلها، والشركات اللي كنت ضامنها أعلنت إفلاسها النهاردة.. والأرض اللي قبضت تمنها، المستثمر رفع قض*ية حجر وتجميد حسابات في البنك لأن العقود الأصلية اتسرقت في الهجوم.. يعني بالبلدي كده يا مصطفى بيه.. الحسابات اتجمدت، والشغل انتهى، وانت رجعت على الحديدة تاني.. ومديون بمبالغ خيالية للشركاء!”

الأوضة اتفتحت عليها طاقة جهنم. مصطفى حس بصدمة خلت أجهزة القياس تصفر تاني، وبص في الأرض وشه اتقلب لونه أسود، وحط إيده على راسه وصرخ بوجع: “الملايين راحت؟ رجعت حافي وتعبان ومديون تاني؟ يا كسرة نفسي!”

المحامي والشرطة انسحبوا بعد ما سابوا الأوراق. ومصطفى فضل باصص في الفراغ، وبعدين لف وشه ليا بكل انكسار، وقال وعينيه مليانة دموع وخوف من الإجابة:

“الفلوس راحت يا هناء.. الملايين والجاه والدهب الجديد كله بح.. رجعت مصطفى المديون الغرقان اللي ملوش أمان.. هتعملي إيه؟ دولاب أمك لسه مفتوح، والدهب بتاعك لسه معاكي.. هتمشي وتسبيني تاني؟”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

(هذا هو الجزء **الأخير** وبه العبرة والحكمة من القصة)

الأوضة سادها سكون مرعب، ومصطفى كان باصلي بنظرة مكسورة مستني مني رصاصة الرحمة. نفس النظرة اللي شفتها في عينيه يوم ما طلب دهبي أول مرة، بس المرة دي كانت مخلوعة ومستسلمة، وكأنه بيقنع نفسه إن كل الناس ماديه وإن مفيش أمان.

بصيت لريهام، لقيتها واقفة بتبكي، مش على الفلوس اللي راحت، لكن على حال جوزها اللي انكسر تاني بعد ما كان في السماء. في اللحظة دي، حسيت بقوة عمري ما حسيت بيها قبل كده. الشيطان اللي كان في عقلي زمان مات واندفن في طرقة المستشفى.

قربت من السرير، وقعدت جنبه، ومسكت إيديه الاتنين وبوستهم وحطيتهم على خدي. بصيت في عينيه وقولت بصوت قوي وثابت يسمعه هو وريهام والدنيا كلها: “تمشي فين وأسيبك فين يا أبو العيال؟ الفلوس تروح وتيجي، والملايين تغور في داهية طالما انت واقف على رجلك وبتتنفس وسطنا. يوم ما سيبتك زمان وسمعت كلام أمي، كنت غبية وعمري ما هسامح نفسي على الكسرة اللي سببتها لك. بس النهاردة أنا اتعلمت الدرس.”

وقفت وفتحت شنطتي، وطلعت منها الشنطة القطيفة القديمة اللي فيها دهبي كله وفلوس الجمعية اللي مفرطتش فيها، وحطيتها في حضنه على السرير. وقولتله والدموع في عيني بس دموع فخر: “الدهب ده والفلوس دي هما اللي خسروني قلبي وجوزي زمان. النهاردة هما تحت رجلك، انزل بيهم السوق، سدد ديونك، ابدأ من جديد.. ولو عوزت صاغ واحد تاني فوقيهم، هبيع جهازي وعفش بيتي ومش هسمح لراجل بيتي ينكسر تاني وأنا عايشة.”

مصطفى بص للشنطة وبصلي، ودموعه نزلت حامية على وشه. شدني لحضنه بقوة وهو بيعيط زي العيل الصغير ويقول: “سامحتك يا هناء.. سامحتك يا بنت الأصول، النهاردة بس جرحي طاب، والنهاردة بس رجعتلي مراتي وحبيبتي.”

ريهام قربت مننا وهي بتبتسم من وسط دموعها، وحطت إيدها على كتف مصطفى وقالت: “وأنا معنديش دهب يا مصطفى، بس أبويا راجل سوق، وعنده مخازن ومكاتب، وكلمتهالك إنه فاتحهم ليك من بكرة تبدأ فيهم شغلك الجديد كأنه ملكك، واحنا في ضهرك لحد ما تقف على رجلك تاني.”

مصطفى مسك إيد ريهام بإيده التانية، وبقا حاضننا احنا الاتنين وعينيه منورة برضا عمري ما شفته فيه. ربنا أخد منه الملايين، بس عوضه ببيتين وأختين وصاحبتين وقفوا في ضهره وحموا اسمه.

بعد شهر، مصطفى خرج من المستشفى ورجع لبيته القديم وسط عياله، وبدأ يشتغل بعزيمة حديد. دهبي وفلوس الجمعية ودعم أبو ريهام كانوا هما البذرة اللي قام منها تاني. الشغل رجع أحسن من الأول بكتير، بس المرة دي على أساس نضيف.. أساسه الحب والأصول، مش الفلوس والشك والتدليس.

أمي حاولت ترجع تكلمني وتدخل في حياتي تاني وتندمني على الدهب اللي ضحيت بيه، بس أنا وقفت لها بوضوح وقولت لها: “الراجل الأصيل يا أمي هو أمان الست، مش حتة غويشة وخاتم. الدهب اللي كنت خايفة عليه لو كان نفعني، كان زماني قاعدة بيه في بيت أهلي مطلقة وعيالي متشردين.. الدهب الحقيقي هو اللي بيصون بيته.” أمي فهمت إني كبرت ومبقتش هناء الطايشة، وسابتني في حالي.

العلاقة بيني وبين ريهام بقت أقوى من علاقة الأخوات. مصطفى بقى يعدل بيننا في كل حاجة بما يرضي الله، وبقينا عيلة واحدة كبيرة. ويوم ما ربنا فتحها عليه تاني ورجع يمسك فلوس من جديد، أول حاجة عملها إنه نزل الصاغة وجاب طقمين ذهب لازوردي شبه بعض بالظبط، دخل بيتي حط واحد في رقبتي، وراح لبيت ريهام حط التاني في رقبتها وهو بيقول لنا: “الدهب ده مش أمانكم مني.. الدهب ده عشان يزوق رقبة الستات اللي صانوا رجولتي في عز كسرتي.”

**الحكمـة والعبرة من القصة:**

الست الذكية والعاقلة هي اللي تعرف إن جوزها الأصيل هو سندها وأمانها الحقيقي في الدنيا، مش المال والذهب. الراجل لما يقع، محتاج يد تترفع معاه للسماء، مش إيد تستخبى وتأمن نفسها منه وكأنه عدو.

والأم اللي بتحب بنتها بجد، هي اللي تعمر بيتها وتدفعها تقف جنب جوزها في الضيقة، مش اللي تخرب بيتها بنصايح الشك والأنانية تحت مسمى “تأمين المستقبل”.

المستقبل مبيأمنوش الذهب اللي في الدولاب، المستقبل بيأمنه الأصل الطيب، والكلمة الحلوة، والوقفة الجدعة اللي بتخلي الراجل يشيل مراته فوق راسه طول العمر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *