ج 3 مرات اخويا حكايات روماني مكرم

أمسك أبي بالإعلان القضائي بطلب من المحضر، وكانت يداه ترتجفان وهو بنظارته الطبية يقرأ الكلمات المكتوبة على الورق الرسمي. شحب وجهه تماماً، وسقطت الورقة من يده على الطاولة. ركضتُ نحوها والتقطتها لأقرأها بصوت مرتفع، بينما كان محمود يجلس على الأريكة واضعاً قناع اللامبالاة الزائف على وجهه.

“دعوى حجر طبية، وإسقاط ولاية، وطلب تعويض مالي مؤقت عن الضرر الجسدي والنفسي!”

لم تكن الق*ضية قض*ية طلاق أو نفقة كما توقع محمود، بل كانت ضربة قانونية قاضية خطط لها أحمد شقيق سحر بالتعاون مع محامٍ ذكي. الدعوى كانت تتهم محمود بالتعنت ومحاولة الق*تل العمد بالترك، ومنع زوجته من تلقي العلاج العاجل لمرض خبيث يهدد حياتها، مستندين إلى التقارير الطبية السابقة التي تثبت ارتفاع المؤشرات بشكل مخيف قبل الجراحة، وشهادة الأطباء في المستشفى عن صياحه ورفضه دفع مصاريف علاجها لإنقاذها.

انتفض محمود من مكانه وصاح بصوت مرتجف: “حجر إيه وتعويض إيه؟! هما فاكرين المحاكم سايبة؟ دي مراتي، ومن حقي أوافق أو أرفض على مكان وتوقيت العملية!”

رد عليه أبي بصوت هادئ لكنه محمل بمرارة شديدة: “المحاكم مبتجاملش يا محمود.. الورق ده معناه إنهم بيثبتوا للدنيا كلها إنك معندكش أمانة، وإنك كنت عاوز تسيب مرتك تموت عشان مظهرها يتغير. القض*ية دي لو ثبتت عليك، مش بس هتدفع دم قلبك، دي ممكن توصل للحبس بتهمة الإهمال والامتناع عن علاج مريض في حالة خطرة!”

في تلك الليلة، لم يذق محمود طعم النوم. العناد الذي كان يتسلح به بدأ يتآكل ويحل محله رعب حقيقي من الفضيحة والسجن. وفي الصباح، أخذ الأوراق وذهب إلى محامٍ من أصدقائه في المدينة. دخل محمود المكتب وعلامات السواد تحت عينيه تفضح قلقه.

نظر المحامي في الأوراق ملياً، ثم هز رأسه بأسف وقال: “الموقف مش في صالحك واصل يا محمود. عيلة سحر معاهم تقارير طبية من مستشفى حكومي بتثبت إن التأخير كان هيودي بحياتها، ومعاهم شهود من المستشفى سمعوك وأنت بتقول مش دافع مليم وخلوها تموت. القانون دلوقتي بيحمي المريض، وخصوصاً في الأمراض الخطيرة دي.. الحل الوحيد عندك هو الحل الودي، لازم تروح وتصالحهم وتطلب السماح.”

خرج محمود من مكتب المحامي وهو يشعر فجأة وكأن جدران المدينة تضيق عليه. النظرة التي كان ينظر بها إلى سحر كـ “أنثى نقص منها جزء” تحولت في مخيلته إلى صورة قاضٍ يمسك بمطرقة ليحكم على مستقبله بالضياع.

مرت أيام قليلة، وقرر أبي أن يأخذ كبار العائلة ويذهب إلى بيت والد سحر لطلب الصلح وتهدئة النفوس قبل جلسة المحكمة. أجبرنا محمود على المجيء معنا، وكان يسير بيننا منكس الرأس، مطأطأ العينين، بعد أن سلبته الأوراق القضائية كل كبريائه المصطنع.

وصلنا إلى بيت والد سحر في قريتهم. كان بيتاً ريفياً بسيطاً لكنه يفيض بالكرامة. استقبلنا والد سحر وأحمد في المضيفة ببرود شديد. جلس أبي وتحدث بلسان الحكمة والاعتذار: “يا حاج.. إحنا نسايب ولحم ودم، والعيال غلطوا والشيطان دخل بينهم، وإحنا جايين وفي وشنا كبار البلد ونقولك حقك علينا، ومحمود ندمان وعاوز يرجع مراته ويشيلها فوق راسه.”

وقف أحمد، شقيق سحر، ونظر إلى محمود باحتقار وقال بصوت صارم: “الصلح ده كان ينفع وهي في أوضة العمليات يا حاج.. كان ينفع لما كان أخوك بيملى المستشفى صريخ ويقول مش دافع مليم! سحر مش هترجع للبيت ده تاني، والقانون هو اللي هيجيب حقها وحق الوجع اللي عاشته.”

في تلك اللحظة، ومن خلف الستار الفاصل بين المضيفة والمنزل، انفتح الباب ببطء. خرجت سحر.. كانت تسير بخطوات ثقيلة ومجهدة، وجهها شاحب، وتحمل بضعف كيساً موصولاً بجسدها تحت ملابسها الفضفاضة.

تسمرت عيون الجميع عليها. نظر إليها محمود، ولأول مرة لم ينظر إلى مكان العملية، بل نظر إلى عينيها التي كانت تلمع بدموع انكسار وخيبة أمل لم يرها فيها من قبل. وقفت سحر، وسندت يدها على الجدار، ونظرت إلى محمود وقالت بصوت متحشرج وضعيف هز أركان المكان: “أنا مش عاوزة قضايا يا أحمد.. ولا عاوزة تعويض.. أنا عاوزة حاجة واحدة بس من الراجل ده..”

التفت الجميع نحو سحر بلهفة، وانتظر محمود كلمتها وكأنه ينتظر طوق النجاة، لكن سحر رفعت رأسها ونظرت في عينيه مباشرة، وقالت جملة واحدة جعلت الدماء تجف في عروق محمود..

#الكاتب_رومانى_مكرم

نطقت سحر بصوت واهن، لكنه كان يحمل نبرة حسم لم يعهدها محمود فيها من قبل: “أنا مش عاوزة غير إني أشوف وشك وأنت بتطلقني حالا يا محمود.. طلاق رسمي عند مأذون، ومن غير ما تطلع من الباب ده.. تطلقني وتنسى إن كان ليك زوجة اسمها سحر!”

خيم صمت رهيب على المكان، صمت لم يقطعه سوى أنفاس محمود المتلاحقة. كان يتوقع أن تطلب نفقة مبالغاً فيها، أو تطلب منه الاعتذار علناً، لكن طلبها بالانفصال الفوري والنهائي دون أي شروط مالية كان بمثابة صفعة أقوى من كل القضايا التي رفعتها عائلتها. كانت نظرتا عينيها تخبرانه بشيء واحد: “أنت لم تعد تعني لي شيئاً، حتى لأنتقم منك.”

تقدم أحمد نحو شقيقته وأمسك بيدها برفق قاصداً إعادتها إلى الداخل: “ادخلي أنتِ يا سحر ارتاحي، والرجالة هتاخد حقك.” لكن سحر تملصت من يده برفق وأصرت على موقفها، وعيناها مثبتتان على محمود: “لا يا أحمد.. أنا لازم أسمعها منه دلوقتي، عشان أقفل الصفحة دي وأفوق لصحتني وللي باقي من عمري.”

التفت والد سحر إلى محمود وقال بنبرة مليئة بالاحتقار: “سمعت؟ بنتي بايعاك بزهد.. مش عاوزة منك مليم، ولا عاوزة ترفع قضايا.. عاوزة تخلص من وشك وبس. اخلص يا محمود وطلق، ورجّع للراجل ده كرامته اللي داس عليها.”

نظر محمود حوله؛ وجوه كبار عائلته كانت واجمة، ونظرات الخزي تلاحقه من كل جانب. التفت إلى أبي، فوجد أباه يشيح بوجهه عنه، رافضاً حتى النظر إليه. شعر محمود بصغر حجمه، وعلم أن عناده وعجرفته قد أوصلاه إلى نقطة اللارجوع.

بلع محمود ريقه بصعوبة، واقترب خطوة نحو سحر، وحاول أن يتكلم بصوت يملؤه الندم الذي استيقظ فجأة في قلبه: “سحر.. أنا.. أنا كنت خايف عليكي.. والشيطان…”

قاطعته سحر برفع يدها المرتجفة، وقالت بجمود هز كيانه: “ماتنطقش اسمي.. طلقني يا محمود.”

انحبست الكلمات في حلق محمود، وشعر بغصة مريرة. رفع رأسه ونظر إليها، ثم نطق بالكلمات التي خرجت منه كالقذائف التي تحرق ما تبقى من كبريائه: “أنتِ.. طالق يا سحر.. طالق.. طالق.”

بمجرد أن نطق بالكلمة الثالثة، استدارت سحر ببطء ودخلت إلى غرفتها دون أن تلتفت وراءها، وكأن عبئاً ثقيلاً قد انزاح عن صدرها المتألم. أما أحمد، فقد أخرج ورقة بيضاء وقلم وقدمهما لمحمود قائلاً: “امضِ هنا.. إقرار بأن الطلاق تم شفاهة، وبكرة الصبح المأذون يخلص الأوراق ونبعتلك قسيمتك لحد بيتك.”

وقع محمود على الورق ب يد ترتعش، ثم خرجنا جميعاً من المضيفة وسط صمت مخزٍ. في طريق العودة، كان محمود يجلس في السيارة وعيناه زاغتا في الفراغ. لم ينطق بكلمة واحدة، لكن دموعه بدأت تنزل لأول مرة؛ لم تكن دموع غضب، بل كانت دموع الندم الحارق بعد أن أدرك أنه لم يخسر زوجته فقط، بل خسر احترامه لنفسه واحترام عائلته بأكملها.

مرت الأيام، وعاد محمود إلى شقته الفارغة، الشقة التي أصبحت تسكنها أشباح الذكريات. كان ينظر إلى كل ركن فيها، فيتذكر قسوته وعناده. حاول أن يشغل نفسه بالعمل، لكن نظرات اللوم من أهل المنطقة كانت تحاصره أينما ذهب.

وبعد مرور شهرين على الطلاق، وفي صباح يوم جمعة، وبينما كان محمود يجلس في مقهى القرية منزوياً، مر من أمامه أحد أقارب سحر وهو يتحدث في الهاتف بصوت مسموع وابتسامة عريضة تملأ وجهه: “الحمد لله يا حاج.. الدكاترة في المركز الأورام أكدوا إن التحاليل الأخيرة ممتازة، والجسم خالي تماماً من أي خلايا خبيثة.. سحر خفت ورجعتلها صحتها ونورت البيت من تاني!”

سقط كوب الشاي من يد محمود وانكسر على الأرض.. تجمد الدم في عروقه وهو يستمع إلى الخبر. سحر خفت.. عاشت بدونه، واستعادت حياتها وصحتها التي كان يظن أنها ستنتهي باستئصال جزء من جسدها.

وفي نفس المساء، وبينما كان يحاول استيعاب الصدمة، تلقى محمود اتصالاً هاتفياً من رقم مجهول. فتح الخط، وجاءه صوت نسائي مألوف جداً، لكنه لم يكن صوت سحر.. بل كان صوتاً يحمل مفاجأة أخرى ستجعل محمود يندم على كل لحظة مرت من عمره..

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *