ج الاخير مرتب مراتي للكاتبة نرمين عادل همام

ج الاخير

أنا أول ما سمعت كلام أخويا وشوفت الشهامة والأصل فيه، انهرت تماماً من كتر الامتنان والشكر لربنا وله، ودموعي نزلت بس المرة دي دموع فرحة ونصر، وحضنته وأنا بدعيلو بطول العمر والسند. لكن رغم إن الفلوس رجعت والكرامة اتردت شوية، إلا إن قلبي كان لسه قايد نار ومولع غِل، وكسرة نفسي كـست وجعاني ومش قادرة أعديها كدة.

رجعت فتحت الموبايل السري تاني، وجبت الشات الملعون وطلعت منه رقم الست الخائنة التانية اللي كان مقض…يها معاها من ورا ظهري. اتصلت بالرقم وقلبي بيغلي، وأول ما فتحت الخط وسمعت صوتها المسهوك، قلت لها بنبرة حادة وواضحة:

— “اسمعي يا بت إنتي.. أنا سلمى مراته، ابعدي عن جوزي حسام خالص واقطعي علاقتك بيه فوراً.. وإلا وقسماً بالله العظيم هفضحك وأفرشك وسط أهلك ومنطقتك”.

ردت عليا بمنتهى البرود، وبقلة أدب وبجاحة تقرف وقالت:

— “اعملي اللي تعمليه وماتهددنيش يا حبيبتي.. أنا مش هسيبه وهو مابيموتش فيا أنا ومابيطيقش يشوف وشك، وروحي شوفي حالك”.

في اللحظة دي فهمت وعرفت إن صنف النسوان ده والنوعية الواطية دي ما ينفعش ولا يثمر معاها ذوق ولا أدب ولا تفاهم. قلت لها بلهجة قاطعة وباردة:

— “تمام أوي.. إنتي اللي اخترتي، واللي جاي عليكي بقا وعلی دماغك إنتي اللي هتحاسبي عليه”. وقفلت السكة.

طلعت من الأوضة ورحت لأخويا محمود، وطلبت منه يتدخل ويجيب لي كل المعلومات الممكنة عن البت دي وعن عيلتها. ومحمود بحكم علاقاته وشغله في المحاماة، ما كدبش خبر؛ جاب رقمها،

عنوان بيتها بالملي، واسم والدها، وكل حاجة تخصها. وعشان يتأكدوا من العنوان المظبوط وما يروحوش مكان غلط، بعتوا لها رسالة من رقم غريب كأنها شركة شحن وتوصيل طلبات، ومكتوب فيها إن في هدية وقسيمة شراء غالية جاية باسمها ومحتاجين تأكيد عنوان السكن بالظبط عشان المندوب يسلمها. وهي من كتر بغبائها وطمعها وثقتها الزيادة، بلعت الطعم في ثانية وبعتت عنوان بيتها بالتفصيل الممل ورقم الشقة.

أول ما العنوان بقى جاهز، راح أخويا محمود ومعاه واحد صاحبه من الرجالة الثقيلة، ونزلوا لحد منطقتها ودخلوا العمارة وسألوا على أبوها بالاسم لحد ما قابلوه. ولما الراجل طلع مستغرب من لمتهم، محمود اتكلم معاه بمنتهى الأدب والأصول ومن غير شوشرة ولا فضايح في وسط السلم، وبص في عينه وقاله بهدوء:

— “يا حاج.. إحنا ولاد ناس ومحترمين، ومش جايين نفضح حد ولا نخرب بيت، إحنا جايين بـالأصول تنقذ بنتك قبل ما تضيع وتجيب لكم مصيبة تندموا عليها”. وطلع له الموبايل ووراه الشات والصور وبلاوي بنته مع راجل متجوز ومخلف.

الأب في الأول صوته عِلي وأخدته العزة والشهامة الكدابة وقال إنهم غلطانين وبنته متربية وماتعملش كدة، لكن محمود قعده ووراه الأدلة والرسائل ورقم بنته بالتفصيل. الراجل أول ما شاف بعينه وقرأ الشات،

سكت تماماً ومبقاش عارف ينطق، سكتة الراجل اللي الأرض اتهدت من تحته فجأة وعِرف إن شرفه بيموت. محمود صاحبه سابوا الراجل في صدمته ورجعوا.

وأنا في بيت أهلي كنت لسه غضبانة والنار قايدة في صدري، مسكت موبايلي وبعت لجوزي حسام رسالة تخلص على الباقي من أعصابه، كتبت له فيها:

بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

— “فلوس الـ 550 ألف اللي سرقتها خلصت وراحت عليك خلاص.. والبت السنيورة اللي تعرفها ومقض..يها معاها، أبوها عرف كل بلاويها بالدليل، وإخواتها الصبيان قالبين الدنيا وبيدوروا عليك في كل حتة عشان يغسلوا عارهم منك.. اشرب بقا”.

حسام شاف الرسالة علطول.. وقعد نص ساعة كاملة ما ردش ولا بنطق بحرف، واضح إن الصدمة والرعب كانوا فوق مستوى احتماله وعقله طار من الخوف من إخوات البت.

وبعد نص ساعة من اللف والموت، رد عليا برسالة كلها رعشة وترجي:

— “خافوا ربنا فيا.. أنا عملت اللي قولتوا عليه ودفعت كل القرش اللي طلبتوه وماباقيش معايا حاجة، رجعوا لي الموبايل وبلاش خراب بيوت وفضايح”.

رديت عليه بكل قسوة وبكلمتين:

— “انسى الموبايل ده خالص وماتحلمش بيه.. والخطوة الجاية إن مراتك والناس كلها هتعرف كل حاجة بالملي وقضيتك هتوصل شغلك”.

الراجل اتجنن تماماً وفقد السيطرة؛ اتصالات، ورسايل ترجي، وخوف، ووعود بـأنه هيبقى تحت رجلي وهيصلح كل حاجة، لكن أنا كنت خلاص قفلت الباب وخلصت منه ومن قرفه. كنت لأول مرة في حياتي ومن خمس سنين جواز، عايشة وحاسة بإحساس القوة والعزة؛ حسام اللي كان بيخوفني ويرهبني سنين طويلة ويتحكم في لقمة عيشي وصحتي ويخليني أعيط، بقى هو اللي مرعوب وخايف مني ومن كلمتي ويترجى رضايا.

بعد يومين من الفوضى دي كلها، اتصل بيا وصوته كان مكسور وضعيف أوي، وقال بنبرة هادية وتمثيل:

— “أنا جاي أخدكم من بيت حمايا يا سلمى.. وحشتوني والبيت وحش من غيركم ومن غير العيال”.

قلت له ببرود تام وثبات:

— “ومين قالك يا حسام إني هرجع معاك أصلاً أو هشوف وشك تاني؟”

سكت لحظة بارتباك، وبعدين حاول يستقوى تاني ويعدل صوته وقال:

— “اتجهزي إنتي والعيال وبطلي دلع وما تكبريش الموضوع والقصة، أنا جاي في السكة”.

قلت له بلهجة قاطعة:

— “لا تيجي ولا تتعب نفسك.. لأني مش راجعة، والكلام انتهى”. وقفلت السكة في وشه.

طول فترة الصيف وأنا قاعدة في بيت أهلي مستقرة والهدوء حواليا، كنت بفكر ليل نهار؛ أرجع عشان خاطر شكل العيال والناس؟ ولا أنهي كل حاجة وأطلق وأخلص من العذاب ده؟ وفي الآخر، بعد تفكير طويل واستشارة أبويا وأخواتي، اخترت راحة واستقرار ولادي التلاتة عشان ميتشتتوش بين المحاكم. رجعت البيت بعد شهرين، بس المرة دي رجعت بشروطي أنا الصارمة واللي مفيهاش فصال، وأبويا محمود جه معايا لحد باب الشقة، ووقف قدام حسام وبص له بعين حمرا وقاله بقوة قدامي:

— “اسمع يا حسام.. بنتي رجعت لبيتها وعيالها، لكن مرتبها وشقاها مالكش فيه مليم واحد بعد النهاردة، وماتمدش إيدك على قرش منه إلا برضاها وبمزاجها، ولو سمعت إنك ضايقتها أو سألتها على جنيه، هاجي آخدها وأحبسك.. مفهوم؟”

حسام اللي كان مكسور وضهره محني ومخفوق، قال بسرعة ولهفة وهو بيبص في الأرض:

— “أبشر يا عمي.. من عينيا والبيت بيتها ومحدش هيلمس حاجتها”.

وفعلًا، سكت تماماً وانكمش في نفسه. وعشنا سنتين كاملين في هدوء نسبي، مبقاش يطلب فلوس ولا يزعق، وبقيت أنا اللي بدير قرشي وبصرف على بيتي وعيالي معززة مكرمة.

لكن اللي طبعه وعرقه الخيانة وأكل الحرام.. عمره ما بيتغير ولا بينضف بسهولة مهما عملت. بعد السنتين دول، ابتدى يرجع لريمته القديمة ولطبعه القذر تاني من ورا ظهري؛ لقتيه جايب موبايل جديد غير تليفونه، ودايماً بيتكلم كلام مستخبي في البلكونة أو الحمام، وابتسامات غريبة وخبيثة على وشه وهو باصص في الشاشة. لكن المرة دي بالذات..

أنا ما كنتش سلمى القديمة المغفلة اللي بتصدق؛ أنا بقيت ست واعية وبقيت أعرف أقرأ وأشم ريحة الخيانة والغدر من قبل ما النار تظهر وتولع.

وفي يوم أسود، وبسبب غبائه وتكرار غلطاته، اتكشف وانكشف أمره من جديد وضبطت الشات والبلاوي مع واحدة تانية. وساعتها…

أنا ما سكتش ولا بلعت الإهانة؛ واجهته بكل قرف باللي شفته، وفجأة الراجل فقد أعصابه تماماً لما لقى نفسه اتكشف وصغر قدام نفسه، ومد إيده عليا بكل غل وجبروت وضربني ضرب هان في كرامتي وجسمي كله اتملا كدمات وزرقان، ضرب عمرها ما هتنساها عيني ولا روحي.

أنا مدمعتش، مسكت نفسي بكل قوة، وجمعت كل أدلة التزوير القديمة والموبايل، وأخدت ولادي التلاتة في إيدي، وطلعت على قسم الشرطة علطول وعملت محضر تقرير طبي بالضرب والاعتداء وبلاغ بالتزوير والسرقة. البوليس ما كدبش خبر، وجت القوة لحد البيت،

واتحبس واتكلبش بالحديد في إيديه قدام عيني وقدام الجيران والشارع كله وهو مكسور وراسه في الأرض. وقسمًا بالله العظيم، رغم الوجع والجرح اللي في جسمي وفي قلبي كـست، إلا إن قلبي برد وارتاح،

وحسيت بنشوة النصر؛ لأن الحق، حتى لو اتأخر وخد وقت، بيوصل في النهاية لصاحبه والظالم بياخد جزاءه.

وفي الآخر، وقفت قدام القاضي واتطلقت منه خلع وتنازل، وأخدت حقي كامل، وأولادي التلاتة بقوا في حضني وتحت رعايتي بفلوسي وشقايا، واشتريت راحة بالي ومستقبلي. ومن يومها وأنا برفع راسي وبقول لكل ست غلبانة بتسمعني: “الصبر جميل ومطلوب..

لكن اصبري على الشيء الصح والراجل اللي يستاهل الصبر، والستر في البيوت نعمة كبيرة من ربنا.. لكن مش على حساب كرامتك وعزتك ودوسة نفسك في التراب، والطيبة دي صفة حلوة أوي.. بس مع الناس الأصيلة اللي تستاهلها وتثمر فيهم”.

ليس كل الرجال مثل زوجها، وسلمى ليست كل النساء.. فالست لما بتصحى وتفوق، بتاخد حقها بتمن غالي.

بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *