ج2 جوزي كلمني وهو بيبكي حكايات صافي هاني

ج2

أول ما رجلي خطت برة باب العمارة، حسيت إن الهوا اللي داخل صدري بقاله خمس سنين كان مغشوش، والنهاردة بس بدأت أتنفس بجد. الساعة كانت دخلت على 5 الصبح، والنور بدأ يشقشق في شوارع القاهرة.. الشوارع اللي كانت شاهدة على غبائي وطيبتي، والنهاردة شاهدة على فووقاني.

​طول الطريق وأنا سايقة، تليفوني مفرصلش رن.. رامي، كريم، وحتى تليفون الحاج جابر اللي المفروض إنه “في الرعاية المركزة”! مديتش لأي حد فيهم فرصة، وعملت خطوة “بلوك” جماعي لكل العيلة.. ما عدا رقم واحد بس.. الست مديحة.

​وصلت بيت أبويا.. البيت القديم اللي ريحته كلها أمان. دخلت، رميت الشنطة على الأرض، وقعدت على الكنبة.. منمتش، ومجاليش نوم أصلاً.. عقلي كان شغال زي الآلة الحاسبة، برتب خطواتي ومستنية الساعة تيجي 9 الصبح عشان أتحرك.

​أول ما الساعة دقت 9، كنت واقفة قدام مكتب الأستاذ فريد، محامي أبويا الله يرحمه.. الراجل اللي كان دايماً يقولي: “يا بنتي جوزك ده داخل على طمع، بلاش تكتبي الشغل باسمك وتديريه بالتوكيل ده”.. وأنا كنت بقوله: “عيب يا متر، ده رامي، ده حتة مني”.

​دخلت عليه، وبدون مقدمات رميت كل العقود والورق على مكتبه وقولتله بنبرة هادية بس ناشفة:

​”أنا فوقت يا متر.. وعايزاك تجيبلي حقي وحق أبويا من تحت ضرسهم”.

​الأستاذ فريد نظارته نزلت على أرنبة مناخيره، وبص للورق وابتسم ابتسامة هادية وقالي:

​”الحمد لله على السلامة يا بنتي.. قوليلي بقى، ناوية على إيه؟”

​”عايزة أرفع قض..ية طلاق للضرر، وأعمل إثبات حالة تزوير في دفاتر الشركة.. رامي كان بيمضي مكاني على شيكات وسحوبات تانية بدون علمي مستغل التوكيل العام اللي لغيته من البنك الصبح.. وعايزة أضمن إن الشيك المقبول الدفع اللي عملته للمستشفى لعلاج حماتي يوصل لإدارة الحسابات هناك مباشرة، بدون ما يلمسوا مليم منه”.

​المتر فريد فرك إيديه وقال:

​”من ناحية المستشفى، هبعت مندوب من عندي يخلص الإجراءات ويثبت التحويل باسم الست مديحة لعلاجها الكيماوي يوم الإثنين.. ومن ناحية رامي وعيلته؟ فالورق ده فيه بلاوي توديهم ورا الشمس.. رامي سحب مبالغ من وراكي ووداها لحساب أخوه كريم عشان يهربوا الأرباح.. دي قض..ية خيانة أمانة وتزوير واضحة زي الشمس”.

​خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن الحمل بدأ يخف.. بس الحكاية مخلصتش هنا.

​يوم السبت بالليل، لقيت رقم غريب بيتصل بيا.. فتحت الخط ومجرد ما سمعت النفَس عرفت إنه رامي.. صوته كان متدمر، مابقاش فيه نبرة الثقة والبرود بتاعت زمان.. صوته كان صوت واحد غرقان وبيطلع في الروح:

​”أرجوكي يا ميجا.. اسمعيني بس.. إحنا هنتخرب بيتنا.. البنك حجز على أرصدة الشركة بسبب البلاغ اللي عملتيه، وفي شيكات للموردين هتترد بكرة والأمن هيقبض عليا وعلى كريم.. بلاش تخربي بيتنا عشان كلمتين اتقالوا في لحظة غضب!”

​رديت عليه بمنتهى البرود:

​”لحظة غضب؟ خمس سنين تمثيل ورهان على بيتي وشقايا كانت لحظة غضب؟ خمس سنين وأنت بتخطط إزاي ترميني في الشارع بعد ما تمص دمي أنت وأبوك وأخوك؟.. رامي، أنا مش هتنازل عن مليم.. والشيكات اللي هتترد دي؟ البسها أنت وأخوك.. عشان تعرفوا بس قيمة الغبية اللي كنتوا بتضحكوا عليها”.

​”طب وأمي؟” صوته اتهز وبدأ يعيط بجد: “أمي هتموت يا ميجا.. الكيماوي بتاعها يوم الإثنين والمستشفى بلغتني إن الحساب متجمد ومش هتدخل الجلسة.. هتموتيها بذنبنا؟”

​ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلت جسمه يقشعر من ورا السلك:

​”أمك؟ الست مديحة اللي كانت عارفة بكل ألاعيبكم وساكتة؟ اللي كانت بتاكل معايا في طبق واحد وهي عارفة إنكم هتفلسوني وتطردوني؟.. متقلقش عليها يا رامي.. أنا أصلح منكم.. تمن الجلسة اتحول للمستشفى باسمها من الصبح.. يعني علاجها هيشتغل، بس أنت وأبوك وأخوك اللي هتتحبسوا.. أنا وفيت بملح وعيش الست اللي حذرتني في المطبخ، أما أنتوا؟ فحسابكم معايا في المحاكم”.

​قفلت السكة في وشه.. وبلوك تاني للرقم الجديد.

​يوم الإثنين الصبح، كنت واقفة بعيد في ممر المستشفى.. شوفت المندوب بتاع المحامي وهو بيسلم إيصال الدفع لإدارة المستشفى.. وشوفت الست مديحة وهي داخلة أوضة الكيماوي على كرسي متحرك، ملامحها كانت دبلانة ومكسورة.. بصت حواليها في الممر كأنها بتدور عليا.. كانت عارفة إن الفلوس دي مش من جوزها ولا من ابنها اللي حساباتهم اتجمدت.. كانت عارفة إنها مني أنا.

​لمحتني واقفة في آخر الطرقة.. عيني جت في عينها.. مروحتش سلمت عليها ولا عاتبتها.. يادوب هزيت راسي ليها هزة وداع.. الست دي رغم إنها حذرتني، بس سكوتهما كان جزء من الجري..مة.. وأنا عملت بأصلي ودفعتلها تمن العلاج عشان الضمير اللي جوايا يفضل مرتاح، وعشان أثبت لنفسي وليهم إن طيبتي مكنتش غباء.. كانت أصل، ولما قررت أقطع.. قطعت برقبتهم كلهم.

​لفيت ضهري ومشيت برة المستشفى وأنا ببتسم.. بكرة أول جلسة في قض..ية الطلاق، والشرطة بدأت تتحرك لبلاغ التزوير ضد رامي وكريم.. اللعبة انتهت، والضحية القديمة هي اللي بتكتب السطر الأخير دلوقتي وبإيدها هي.

يوم الثلاثاء الصبح، تليفوني رن.. المرة دي كان الأستاذ فريد المحامي. أول ما فتحت الخط قالي بنبرة فيها زهوة انتصار:

​”مبروك يا ميجا.. رامي وكريم اتقبض عليهم النهاردة الصبح من مقر الشركة.. الموردين رفعوا قضايا بالشيكات اللي اتمضت من وراكي، ومحضر التزوير اللي عملناه اتفحص وخلاهم في خانة اليك.. هما دلوقتي في النيابة بيتحقق معاهم بتهمة التزوير والنصب وخيانة الأمانة”.

​النفس اللي طلع من صدري ساعتها كان فيه راحة مكنتش حساها من سنين.. حسيت إن كابوس خمس سنين انزاح عن كتافي في ثانية.

​بعدها بكام ساعة، وأنا قاعدة في بيت أبويا برتب أوراقي وحياتي الجديدة، لقيت رسالة جاية لي على الواتساب من رقم الست مديحة.. فتحتها وأنا قلبي مقبوض سنة، بس مكنتش خايفة. الرسالة كانت تسجيل صوتي.

​دوست تشغيل.. طلع صوتها، كان واطي وتعبان جداً من أثر جلسة الكيماوي، وكمان كان مخنوق بالعياط:

​”أنا عارفة يا بنتي إنك شفتيني في المستشفى، وعارفة إن الفلوس اللي اتدفعت دي من شقاكي إنتي.. وعارفة إن مفيش كلام في الدنيا يغفر لي سكوتي.. أنا كنت بشوفهم بيخططوا وكنت بموت في جِلدي.. جابر ورامي مكنوش هيسموا عليا لو اتكلمت، كانوا هيرموني في الشارع وأنا بالمرض ده.. أنا خوفت يا ميجا، خوفت وجبُنت.. بس والله العظيم كنت بحبك زي بنتي.. أنا مش طالبة منك تسامحيني، أنا بس بدعيلك ربنا ينصرك ويعوضك عن كل ليلة كدب عشتيها وسطنا.. وإنتي طلعتي بمليون راجل وعملتي بأصلك اللي هما ميعرفوش عنه حاجة”.

​قعدت باصة للتليفون والدموع نزلت من عيني.. المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع شفق لست عاشت عمرها كله جارية ومحكومة من ناس معندهاش ريحة الدم.. مسحت دموعي ومردتش على الرسالة.. قفلت المحادثة وعملت أرشيف.. الست دي أخذت حقها الإنساني مني، وعلاجها كمل، بس وجودها في حياتي انتهى تماماً مع نهاية عيلتها.

​فاتت شهور.. والمحاكم دارت دورتها السريعة لأن الورق كان مقفول صح والمتر فريد مسبش ثغرة.

جبت حكم الطلاق للضرر، ورامي وكريم أخدوا حكم حبس سنتين مع الشغل والنفاذ في قض..ية التزوير والنصب، والشركة صفيناها تماماً وسددت كل المديونيات الحقيقية اللي عليها وفضل معايا قرشين بدأت بيهم مشروع صغير لوحدي ولنفسي.

​حتى الحاج جابر.. الوش التاني اللي كان بيقشر تفاح ويضحك.. البيت اللي كانوا طمعانين فيه وبيمضوا رامي على عقود رهن عشانه؟ اضطر يبيعه ويبيع كل اللي وراه واللي قدامه عشان يسدد ديون ابنه وكريم ويدفع كفالات ومصاريف محامين، وطلعوا من المولد بلا حمص.. وفي الآخر قعدوا في شقة إيجار قانون جديد على قد حالهم.

​النهاردة، وأنا واقفة في بلكونة بيت أبويا، وبشرب قهوتي وببص على الشارع.. افتكرت جملة الست مديحة: “دايماً شيلي قرش لزمنك يا بنتي”.. وابتسمت.

​الزمن مكنش القرش والشهادة اللي في البنك بس.. الزمن كان الفوقان.. كان إن الست تآمن بنفسها ومترميش كل ورقها في حضن حد لمجرد كلمة حلوة أو تمثيلية حب. أنا خسرت خمس سنين من عمري، صح.. بس كسبت نفسي، وكسبت عمري كله اللي جاي.. وعرفت إن اللي يغلط في حقي ملوش عندي غير الوش التاني، والوش ده مبيسميش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *