ضيفة كل شهر ج2 الكاتبة نرمين عادل همام
ج2
وفجأة لقيت جارتنا الست أم محمود بتمسكني وبتحضنني جامد وبتقول لأمي بصوت عالي وحاد يسمع اللي في الطرقة: — “اسمعي يا سعاد وشيلي الكلمة دي حلقة في ودنك..
سناء مش هياخدها ولا هيتجوزها غير ابني (محمود) سامعة؟” قطعت كلامها ونطت في الحوار مرات عمي بكلمة ناشفة وحادة قفلت القعدة:
— “يا حبيبتي البنت محجوزة ومكتوبة لابن عمها، البنت لابن عمها أولى بيها، ده الأصول والعرف بتاعنا ولا إنتي مابتدخليش ومابتفهميش في الأصول والدم؟”
كلامهم وخناقهم عليا كان بيخليني أبتسم وأفرح غصب عني من غير ما أحس.. أصل “اللعبة” دي بتاعت العريس والعروسة والبيت كنا بنلعبها كتير أوي أنا وبنات عمي وعيال الجيران بعد الظهر.
قعدت واقفة في ركن الصالة أراقب الحوار والشد والجذب بعيني بين جارتنا ومرات عمي وأنا بضحك من جوايا ومبسوطة. بصراحة، لو كانوا سألوني أنا وأخدوا رأيي كنت هختار “محمود” ابن جارتنا علطول، عشان دايماً كان بيبقى هو “عريسي” وبيلعب معايا في اللعبة وبيديني حاجة حلوة، ولأني مكنتش بطيق ولا بحب ابن عمي اللي دايماً مكشر في وشي، وقافل حواجبه ومقفلها في وش الكل وكأنه شايل طاجن ستة على رأسه ومخاصم الدنيا. لحد ما جه الليل وضلمت الدنيا.. وأبويا رجع من ورشته ودخل البيت، وهنا الخوف والرعب رجع يسكن قلبي ويجري في عروقي من تاني.” (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
يا حبيبتي يا سناء.. الحتة دي بتوجع أوي في الصدر، البراءة والطفولة لما تلبس ثوب الكبار وتتحط في خانتهم وهي لسه مش فاهمة ولا دريانة إنها بتتحول في ثانية لـ “بيعة وشروة” وسلعة بين الرجالة.
“أكيد أمي هتروح وتجري تقوله دلوقتي حالا على اللي حصل معايا الصبح في الشارع، وأنا عارفة أبويا وحفظاه.. راجل عصابي، خِلقه ضيق،
وناره قايدة ومابيرحمش حد ولا بيتفاهم لما يقلب ويزعل، عكس أمي الهادية تماماً. جريت دفنت راسي تحت المخدة الكبيرة وعملت نفسي نايمة ومستسلمة، ومردتش على نداء أمي وصوتها وهي بتتحايل عليا وتشد الغطا عشان أروح أتعشى معاهم في المطبخ.
من كتر الرعب والخوف من رد فعل أبويا، جالي فجأة مغص شديد وتقطيع في بطني وضهري، وفضلت أتعصر وأتلوى في السرير وأنا ضامة بطني وركبي لإيدي وبكتم نفسي،
نفسي الوجع البغيض والتقل ده يروح وأرتاح. ومن وسط أنين الوجع والهمس بتاعي تحت اللحاف، سمعت صوت أبويا الجهور الحاد وهو بيتكلم مع أمي في الصالة بحدة وعصبية: محمد (أبويا):
“بنتك من النهاردة ورايح تلازمك وتتحبس جمبك زي ضلك.. مطرح ما تخطي رجلك تروحي تاخديها في إيدك وتحت عينك، أنا راجل على قد حالي ومش ناقصني فضايح، وقيل وقال، ووجع دماغ من العيال في الحارة!”
سعاد (أمي): “ما توصيش حريص يا ابن عمي.. البنت هتبقى في عيني وجوة نفوخي ومحدش هيلمح طرفها.” محمد بعصبية وزهق وهو قايم: “يقطع البنات، وهمّ البنات، وسنينهم السودا.. أنا قايم أندفس أنام عشان ورايا شقى الصبح.”
صوت أبويا العالي والناشف ده هز كل خلية وجسمي كله قشعر تحت الغطا، حسيت في اللحظة دي كأنني عاملة “عملة سودة” أو ذنب عظيم وجري..مة يعاقب عليها القانون، بس إيه هو الذنب ده؟
مش عارفة ولا فاهمة حاجة. فضلت كاتمة نفسي في سريري لحد ما جسمي هدي والمغص فك بالراحة، واستسلمت لنوم عميق وهروباً من الواقع.”
مر شهر بحاله، و”الضيف المزعج” الرخم ده رجع وكرر زيارته تاني.. بس المرة دي الصراحة مكنتش مرعوبة وخايفة زي أول مرة، مع إني قعدت أستغرب في سري وأقول هو الموضوع ده بيتكرر كدة ليه؟ وافتكرت بـجهل عيال إنه يمكن يكون “مرض” وحش جالي! رحت لأمي في المطبخ وأنا بتهته في الكلمات، ولوني مـخطوف وضايع. أمي أول ما شافتني فهمت وعرفت من نظرة عيني وجهزتلي الحاجة اللي محتاجها.
قلت لها ببراءة وخوف عيال: — “ماما.. هو أنا عيانة وجمب فيا حاجة؟” ردت عليا أمي بحنية: “لا يا حبيبتي، ألف بعد الشر عنك، ده شيء طبيعي وبيحصل لكل البنات،
دي اسمها (الدورة) وهتجيلك وتزورك كدة كل أول شهر.” الكلمة كانت غريبة ومكلكعة على ودني ومفهتُهاش، بس حسيت وبدأت أفتكر إني سمعتها قبل كدة وسط لغوشة الستات الجيران وثرثرتهم وكلامهم المكتوم لما بيقعدوا مع بعض على السلم.
مر شهرين كمان على الحال ده، وبدأت أتعود وأفهم وبقيت “منضبطة” ومأمنة نفسي أكتر في اللبس. أمي مكنتش بتسيبني ثانية، كانت بتاخدني معاها مطرح ما تروح وفي كل حتة في إيدها، وطلوعي الشارع لوحدي أو الوقفة على الباب بقوا من المحرمات الكبيرة في البيت. كنت بقف بالساعات ورا شيش الشباك أتفرج بحسرة على بنات عمي وبنات الجيران وهما بيلعبوا الحجلة والاستغماية في الحارة تحت، وأتحسر وقلبي يعصرني..
كان نفسي أوي أنزل وأجري معاهم وأهزر وأملا صدري هوا، حتى ولاد الجيران الصبيان اللي كنت بلعب معاهم بقوا ممنوعين عليا ومينفعش أبص لهم.. كل حاجة بين يوم وليلة وبدون سبب بقيت في عُرفهم “عيب” و”ممنوع” و”ما يصحش عشان كبرتي”! (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
وفي يوم من الأيام، أبويا رجع من ورشته وبتاع الشغل بدري عن عادته وميعاده، ودخل الشقة وزعق ونده لأمي تدخل له الأوضة وتقفل الباب. وبعد دقايق مفيش غيرهم، طلعت أمي من الأوضة والحزن والكسرة مرسومين على وشها الجميل. أنا مخدتش في بالي الصراحة ولا اهتميت،
أصلهم دايماً يقعدوا يتخانقوا ويتصالحوا وصوتهم يعلى، وده العادي بتاعهم كل يوم. مخطرش في بالي ولا عقلي الصغير لحظة واحدة إني أنا “الضحية” والمقصودة المرة دي، ولا إن أبويا دخل وشخط في أمي وأمرها تجهزني وتسرحلي شعري عشان في “عرسان” جايين يخطبوني ويشوفوني بالليل!
من نظرة الحزن والهم اللي كان في عين أمي، عرفت وحسيت إنها رافضة اللي أبويا عاوزه وبتدافع عني، بس مكنش عقلي نضج ولا كبر كفاية عشان أفهم تفاصيل ومصايب أكبر من سني بمراحل وأكبر من لعبي. جه الليل، وأمي خدتني في أوضتها، وطلعت أحلى وأشيك فستان عندي ولبستهوني،
وحطتلي روج على شفايفي وكحلتلي عيوني بالمرود. أنا من جوايا كنت طايرة وفرحانة من الفرحة والبهجة.. افتكرت أمي أخيراً حنت عليا وهتصالحني وهتلعب معايا لعبة “بيت بيوت” اللي بحبها، وقلت لنفسي أكيد حست بيا وعرفت إني محتاجة ألعب وأفرغ طاقتي اللي اتكتمت واتحبست من يوم الزاير ده.
يا حبيبتي يا سناء.. الوجع والقهرة في الحتة دي بيخنقوا الصدر. البنت الطفلة اللي كانت فاكرة ومتخيلة إنها بتلعب “بيت بيوت” مع أمها، لقت نفسها فجأة واقفة في وسط “بيعة وشروة” حقيقية وسوق، والوجع مابقاش مجرد خوف، ده بقى وجع جسدي ونفسي هيدبحها.
بعد وقت قصير أوي، جرس الباب رن وخبط بقوة. قمت من مكاني بجري وبسرعة عشان أفتح وأشوف مين الضيوف، بس في ثانية لقتني قاعدة مكاني وإيد أختي الكبيرة المتجوزة بتشدني من معصمي وإيدي جامد وتقعدني بالعافية على الكنبة وهي بتوشوشني: “اقعدي يا هبلة عيب”.
دخل الصالون شاب باين على ملامحه لسه صغير، يمكن أكبر مني بسبع تمن سنين، يعني كان عنده بتاع 18 أو 19 سنة كدة. وكان داخل معاه أبوه، وأمه، وإخواته،
وكم واحد من قرايبهم الحتة. عيني الصغيرين كانت بتلف وتدور عليهم كلهم في لمح البصر وبصدمة، وكنت عمالة أسأل نفسي بـبراءة: (مين الناس الكتير دول؟ وجايين بيتنا يعملوا إيه في وقت متأخر زي ده؟). (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
حيرتي وأسئلتي مأخدتش وقت طويل عشان تتجاوب، لحد ما ظهر أبويا بوشه العابس القافل وحواجبه الناشفة، وبص لأمي وطلب منها بصوت جهور تدخلني الصالون عشان “عريسي” وقرايبه يشوفوني ويملوا عينهم مني! عريسي؟!!
بس أنا مش عاوزة أتجوز ومبحبش السيرة دي! أبويا بص لي نظرة غضب وشرر خلت ركبي تخبط في بعضها وجسمي يتلج، وقال من تحت ضروسه وبتهديد وهو بيوجه كلامه الناشف لأمي: — “خلصي يا سعاد.. دخلي البنت جوه، أهل العريس مستنيين بقالهم ساعة عشان يشوفوها الحرمة!”
ملامح أمي كانت حزينة، وبهتانة، وميتة، وحسيت برعشة إيدها الدافية وهي ماسكة كتافي وبتحركني بالزق لقدام ناحية الصالون، وكأنها بـإيدها بتزقني لمصيري الأسود ومحتوم وهي غلبانة ومش قادرة تعمل حاجة ولا تقف في وش أبويا. دخلت وقعدت على الكرسي الخشب، وعيني متثبتة في الأرض مابرفعهاش،
وعمالة أفرك في صوابع إيدي من التوتر والعرق غرق جبيني ونزل على وشي من كثر الرعب.
أم العريس بصت عليا وقالت بـأمر: “ارفعي راسك لفوق يا عروسة وريني وشك وعينيكي كدة عشان نشوفك.” مردتش عليها.. وفضلت ساكتة وبصة في السجاد.
أخت العريس اتنحنحت وقالت بضحكة سخرية: “مالك يا عروسة مكسوفة ومخضوضة كدة ليه؟ بصي لعريسك حتى شوفي شياكته، خدي عليه عشان تتعودي.”
برضه مديتهمش أي رد فعل ولا رفعت راسي، وفضلت على حالي وصمتي، وده خلى نار أبويا تقيد في الصالون أكتر وعينه تطلع شرار. أمي اتدخلت بسرعة وبخوف عشان تلطف الجو وتقفل الكلام:
— “معلش يا جماعة ما تأاخذوناش وحقكم علينا، البنت لسه صغيرة في السن ومكسوفة من اللمة شوية.”….تابع للجزء الثالت
