ج الاخير كرامة امي للكاتبة نرمين عادل همام

ج الاخير

في نفس الوقت، وعلى تليفون ندى، بدأت تنزل فويس نوتس ورسايل ورا بعض من كريم. صوته في الفويسات كان طالع مخنوق، صريخ هيستيري ممزوج بالغل والذهول والصدمة، لدرجة إن ندى فتحت الاسبيكر وهي بتضحك بتهكم واستهزاء.

كريم كان قالب الدنيا في الرسالة الصوتية الأولى، مليان غضب أعمى وزعيق يطرش: “ندى! إنتي إيه اللي هببتيه ده؟ إنتي اتجننتي في عقلك؟! الشقة اتهدت واتقشرت! البلاط والحيطان والمطبخ والحمامات فين؟ إنتي بتعملي إيه بحق السماء؟! كلميني فوراً وسيبك من الجنان والأفلام دي!”

ورجع بعت في الرسالة الصوتية التانية، بنبرة مستعطفة ومرعوبة من شكل الخرابة والفضائح: “يا ندى.. يا زوجتي العزيزة، أرجوكي ردي عليا وعودي بسرعة.. الشقة بقت حطام وخرابة على الطوب، أمي قاعدة تلطم وتصوت في وسط الصالة وضغطها عِلي والناس والجيران بيتفرجوا علينا.. تعالي شوفي المصيبة دي وحليها عشان نلم الدور!”

ندى مشغلتش بيه خالص ولا حركت شعرة منها، وبعتتله رسالة مكتوبة بمنتهى البرود: مالك مستعجل كدة ليه يا كيمو؟ اهدى على نفسك خالص.. كل اللي شايفه ده مجرد البداية والمشاريب لسة مخلصتش، والتقيل ورا.

 

بعد كام ساعة، ندى مأستنتش هما اللي يجولها لحد شبرا.. دي لبست وتشيكت ونزلت بكل ثقة وشموخ، وراحت على شقة مصر الجديدة عشان تواجههم في قلب الحدث وعينها قوية. أول ما وصلت وفتحت الباب، لقت كريم واقف مع أمين شرطة واثنين عمال، والحاجة وفاء قاعدة على جردل مقلوب في وسط التراب والعفرة، وشها أحمر وعينيها بتطق شرار وعمالة تنهج.

الحاجة وفاء أول ما شافت ندى داخلة بكل برود ورجلها فوق الأرض ورافع راسها، قامت وقفت ونفضت هدومها وصرخت بقرف وغل وهي بتشاور بإيدها المرتعشة: “أهي جِت السنيورة الجاحدة المخربة! متمثليش الغباء والبرود علينا هنا! إنتي اللي عملتي الخرابة دي في بيتي وضيعتي شقى عمرنا، أليس كذلك؟ أنطقي وقولي وديتي الحاجه فين!”

ندى وقفت وحطت إيدها في جيب الجاكيت بكل هدوء، وبصت للحيطان اللي بقت على الطوب وبأعلى درجات البرود واللامبالاة، قالت: “جرى إيه يا حاجة؟ مالك بتصوتي كدة؟ بتتكلمي عن إيه بالظبط؟ إيه اللي حصل للمنزل؟ أنا مش فاهمة حاجة من العفرة والتراب اللي مالين المكان دول.”

كريم اتدخل وصوته عالي في المكان الفاضي، وعروق رقبته نافرة من القهر والغل، وهو بيبص لأمين الشرطة عشان يثبت حالة ويحبسها: “بقولك إيه.. بلاش تمثيل وأفلام يا ندى! إحنا طلبنا النجدة وأبلغنا الشرطة فوراً، والرجالة قايمين بواجبهم؛ فرغوا كاميرات المراقبة بتاعة العمارة كلها من الصبح، وسألوا أمن البوابة، وتحدثوا مع إدارة المبنى والجيران كمان.. وكلهم اعترفوا وقالوا عمال تكسير دخلوا! وعرفنا إنك إنتي اللي تواصلتي مع شركة الهدم والتكسير، واستغليتي إننا برة في المشوار عشان تفككي كل ما يمكن تفكيكه في الشقة وتسرقيه! الكلام ده صح ولا لاء؟ أنطقي!”

ندى هزت كتافها بقلة اهتمام وبمنتهى البرود، وابتسمت ابتسامة صفرا تفرس الحجر وتجيب نقطة، وردت بمنتهى البساطة: “آه.. يعني الموضوع الكبيير والمصيبة اللي قالبين الدنيا عليها وعالمين حكاية هي إن الشقة اتفكت؟ تفتيت وتفكيك؟ أيوة يا سيدي.. أنا اللي تواصلت مع الشركة وأنا اللي خليتهم يعملوا كدة بالظبط.”

كريم صرخ بأعلى صوته كأنه دبيحة، ولولا وجود أمين الشرطة واقف بينهم كان اتهجم عليها وحصلت جناية من كتر الغيظ: “وليه فعلتي كدة؟! ليه خربتي بيتك بإيدك؟! إنتي عارفة إن أمي كادت تصاب بنوبة قلبية وسكتة من صدمة الغل ده؟ لو مكانتش الشرطة جابت اسمك ورقمك من شركة المقاولات، كنا افتكرنا إن فيه لصوص وعصابة مسلحين اقتحموا البيت وسرقوا البلاط! دي شقة الفرح.. ده بيت زوجيتنا الجديد وشقانا! ليه بحق السماء تعملي كدة؟ إحنا عملنا فيكي إيه أنا وأمي عشان تنتقمي مننا بالطريقة المقززة والندالة دي؟!”

ملامح ندى الهادية اتغيرت فجأة، وعينيها بقت حادة زي الموس، ونبرة صوتها بقيت قوية وعالية زلزلت الصالة الفاضية اللي على المحارة: “أنا انتقمت منكم؟.. اسمع بقى يا كريم يا ابن الحاجة وفاء وعي الكلمتين دول كويس: إنت قبل ثواني قولت بيت زوجيتنا.. بيتنا! طب قولي بقى يا سبع الرجال يا حامي حمايا.. لما كنت لسة والدة وخارجة من أوضة العمليات وبموت ومحدش فيكم سأل فيا ولا في ابنك وهربتوا على إسكندرية،

ليه محسبتش إن ده بيتنا؟ لما أمي الطيبة الشقيانة جت تخدمني في نفاسي وشقيت واتهد حيلها وسهرت الليالي، وجيتوا بكرشكم من السفر تطالبوها بـ 50 ألف جنيه تمن إقامة واستهلاك غاز وميّة وكهربا كأنها قاعدة في لوكاندة.. ليه محسبتوش وقتها إن ده بيتنا؟! ولما أمك الهانم نزلت تتفسح وتعمل باديكير وماسكات وترميلي الأوامر وسابتني لسة بدمي وتعبانة أغسل جبل هدوم على إيديا وأطبخ وأخدم..

ليه محسبتوش ساعتها إن ده بيتنا وفيه لحم ودم؟! إنتوا دوستوا عليا وعلى أمي وكسرتوا نفسي، وجايين تدوروا على الحيطان؟!”

كريم اتلخبط ومبقاش عارف يودي وشه فين، وبص لأمين الشرطة بإحراج كبير بعد ما فضايحه طلعت قدام الغريب، وحاول يصغر الموضوع ويبرره بنبرة واطية ومقاطعة: “جرى إيه يا ندى..

متكبريش الحكاية وتعملي منها فيلم عربي، كل اللي عملناه إننا طلبنا مبلغ بسيط من والدتك كمقابل إقامة في الشقة واستهلاك مرافق، وده حقنا الشرعي والقانوني وميزعلش حد، وإنتي كبرتي الموضوع وعملتي مصيبة!”

ندى صرخت فيه بعصبية وغل سنين وقهر طلع كله في اللحظة دي وهز المكان: “مبلغ بسيط؟! مبلغ بسيط يا ندل؟! عشان كدة أنا فككت الشقة بالكامل يا كريم! حتة حتة وبلاطة بلاطة وسلكة سلكة! خلعت كل حاجة دفعت فيها مليم، عشان تعرفوا تمن البساطة وتشوفوا هتقعدوا فين!”

كريم بص لها بنظرة خوف حقيقي وصدمة من شخصيتها القوية الجديدة اللي مكنش يتخيلها، وقال بصوت مهزوز وضايع: “أنا مكنتش أعرف من زمان إنك شايلة في قلبك كل الحقد والسواد والغل ده كله من ناحيتنا!”

ندى ضحكت ضحكة عالية رنت في حيطان الخرسانة، وبصتله بكل احتقار وقرف: “أنا حاقدة وسودة؟ يا كريم يا منزوع المروءة والرجولة، اسأل ضميرك الميت الأول! مين اللي طلب من ست عجوزة شقيانة جاية تخدم بنتها 50 ألف جنيه مقابل قعادها؟ مين اللي حب يحاسب حماته على لقمة الأكل وشربة الميّة ونفحة الكهربا والغاز؟ مين فينا اللي حاقد وخسيس وقليل الأصل بجد؟”

الحماه مأستحملتش كلام ندى اللي زي السكاكين، وقفت على رجليها وهي بتلطم على خدودها بالوجع، وبتصوت بأعلى صوته عشان تلم الجيران وتستعطف أمين الشرطة وتعمل مظلومة: “شفت يا كريم؟ انظر جيدا واسمع بنفسك للزوجة الرائعة والكنة الهانم اللي اتجوزتها ودخلتها بيتك وعملتلها قيمة!

فقط عشان 50 ألف جنيه شالت السواد والحقد ده كله في قلبها وخربت البيت! وما إن خرجنا من الشقة، أرسلت بلطجية وعمال فككوا البيت بالكامل وسرقوا شقى عمرنا وبلاطنا! عيلتنا اتجوزت ست جاحدة بتعض الإيد اللي بتتمد لها بالخير والستر! يا ندى.. أمك عاشت في بيتنا واستهلكت، إيه الغلط في إننا نطلب رسوم إقامة؟ ده الإخوة الأشقاء اللي من بطن واحدة بينهم حسابات واضحة وكاس وطاس وكل واحد بحقه! إحنا طلبنا حقنا.. أين المشكلة؟!”

ندى لفت وشها وبصت للحاجة وفاء بابتسامة باردة تجمّد الدم في العروق وتفرس، وقالتلها بنبرة واثقة وهادية زي فحيح الأفاعي: “ياااه.. حسابات واضحة فعلاً؟ وكل واحد بحقه وحسابات دقيقة؟ طب بما إنكم بقى بتموتوا في الحسابات والدقة أوي وبتحبوها كدة.. تعالوا بقى يا جماعة قسماً بالله أنا النهاردة هقعد معاكم وهحسب كل مليم وكل شلن ونكلة بالورقة والقلم ومن غير غش.. عشان تطلعوا خسرانين وهدمتكم على ظهركم وعل ريقكم وتعرفوا الحساب الصح.”

 

وقفت ندى في وسط الصالة اللي بقت على المحارة، وطلعت من شنطتها نوتة صغيرة وقلم، وبصت لكريم وأمه بنظرات كلها ثقة وشموخ، والعمال وأمين الشرطة واقفين بيسمعوا بذهول تفتكروا هتعمل إيه؟ كانت بتتكلم بنبرة قوية وثابتة، وعينيها بتلمع بنار كرامتها اللي رجعتلها، وصوتها بيرن في جدران الطوب الأحمر:

“بما إنكم بقى بتحبوا الحسابات الدقيقة أوي كدة.. تعالوا بقى نحسبها بالورقة والقلم ومن غير غش. إنتوا طلبتوا خمسين ألف جنيه تمن إقامة أمي شهر.. طيب! أمي اشتغلت هنا ‘مربية وممرضة نفاس وشغالة’ أربعة وعشرين ساعة في اليوم لمدة تلاتين يوم. الست دي كانت بتصحى قبل الفجر وتنام بعد الكل، خست النص من التعب والهدة. تمن الممرضة والمربية في الشهر في مصر الجديدة مبيقلش عن ستين ألف جنيه، وتمن الشغالة اللي بتغسل وتمسح وتطبخ تلاتين ألف.. يعني حساب أمي عندكم تسعين ألف جنيه!”

الحاجة وفاء بقت تبص لكريم ببرطمة وغل،

وكريم وشه جاب ألوان ومبقاش عارف ينطق، وندى مكملة كلامها ومادتهمش فرصة يتنفسوا. شاورت بالقلم في وش كريم، وقالت بنبرة حامية:

“شيلوا بقى الخمسين ألف اللي إنتوا أخذتوهم تمن الإقامة والمرافق، يتبقى لأمي عندكم أربعين ألف جنيه! ده غير حسابي أنا.. الشقة دي اللي إنتوا بتقولوا عليها شقة الزوجية، أنا دافعة في تمنها وتجهيزها من شقى عمري وفلوس أبويا الله يرحمه أكتر من نص تمنها! والبورسلين والباركيه والدهانات والمطبخ والحمامات اللي اتخلعوا دول.. دول حاجتي وبفلوسي ومعايا فواتيرهم باسمي! أنا مأخدتش حاجة مش بتاعتي، أنا أخدت حقي وبس.. والخرسانة دي بتاعتكم اشبعوا بيها!”

 

أمين الشرطة اللي كان واقف بيسمع، بَص لكريم وأمه وهز راسه، وبص في الفواتير والأوراق اللي ندى طلعتها من الشنطة وبقت كل حاجة واضحة وضوح الشمس. أمين الشرطة اتنحنح وبص لكريم وقال بنبرة جادة:

“يا أستاذ كريم.. المدام معاها حق، الأوراق والفواتير دي بتثبت إن الحاجات اللي اتفكت دي ملكها وبفلوسها، والشرطة ملوش دخل في خلافات زوجية على المنقولات، طالما مفيش سرقة لشغل غيرها. تصفوا حساباتكم في محكمة الأسرة بقى.. يلا يا رجالة.”

الكاتبة نرمين عادل همام

انسحب أمين الشرطة والعمال، وسابوا كريم وأمه واقفين في وسط التراب والعفرة، والحيطان على الطوب الأحمر بتنعق فيها الغربان. الست وفاء وقعت على الأرض تعيط وتلطم بجد المرة دي بعد ما عرفت إن الفشخرة والمنظرة اللي نزلتها على الفيس بوك بقت فضيحة بجلاجل وسط الجيران، وصوتها طالع مخنوق:

“يخرب بيتك يا كريم.. الشقة راحت والفلوس راحت وبقينا فضيحة في المنطقة! الست الجاحدة دي خربت بيتنا وخدت حاجتها وسبتلنا الطوب!”

كريم كان واقف زي الصنم، بيبص حواليه للشقة اللي بقت على المحارة، وحس فجأة بقد إيه هو كان ندل وخسيس، وضيع مراته وابنه وبيته بسبب طمعه وأنانية أمه. بص لندى بنظرة مكسورة ومذلولة:

“ندى.. أرجوكي.. بلاش تخربي بيتنا، إحنا ممكن نتفاهم ونرجع كل حاجة زي ما كانت.. أنا أسف.”

 

ندى مأديتلوش حتى فرصة يكمل كلامه، لفت وشها عنه بكل قرف واشمئزاز، وفتحت الباب وخرجت وراسها فوق، وسابتهم في خيبتهم يلموا التراب.

بعد كام شهر.. ندى رفعت قض..ية طلاق وخدت حقوقها كاملة بالقانون وفواتيرها، وكريم وأمه بقوا عايشين في شقة على الطوب مش لاقيين فلوس يشطبوها تاني بعد ما الفضيحة كلت وشهم في كل حتة.

وفي شقة شبرا الدافية.. كانت الشمس طالعة بتنور الصالة البسيطة. ندى قاعدة بتلعب مع ابنها إياد اللي بدأ يكبر ويضحك، والحاجة فاطمة الطيبة داخلة عليهم بصينية الغدا ووشها رجع ينور تاني ويرد فيه الروح بعد ما ارتاحت من غل حماة بنتها. ندى بصت لأمها وهي بتاكل معاها في رضا وأمان، وحست إن دي أعظم نهاية وأجمل بداية، وقالت في سرها:

البيوت مش بالحيطان الواسعة والبورسلين الغالي.. البيوت بأهلها، وناسها اللي بيصونوك ويحفظوا كرامتك. والحمد لله إن ربنا نجاني وخلاني أرجع لحضن أمي.. الحضن الوحيد اللي ملوش تمن في الدنيا.

وانتهت الحكاية بابتسامة رضا على وش الأم وبنتها، وسط دفا وناسة حارة شبرا الأصيلة.

الكاتبة نرمين عادل همام

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *