ج الاخير اخت جوزي بقلم روماني مكرم
ج الاخير
حكايات رومانى مكرم
صوت ضرب النار كان حي وبكثافة مرعبة، الطلقات كانت بتخترق جدران الصمت اللي في الشارع، وصوت الصريخ اللي برة اخلط بصوت الستات في البيت. سيف ابني صرخ صرخة فزع وارتمى في الأرض، وأمي وحماتي وشيماء جريوا عليا وهما بيصرخوا:
* “الحقونا! البيت بيقع علينا! هيموتونا!”
الضابط شد طبنجته من جنبه في ثانية، وإخواتي وولاد عمي الـ 12 مفيش واحد فيهم تردد؛ محمود وأحمد سحبوا الأسلحة المرخصة وشومهم، وفتحوا الباب وخرجوا للشارع زي الأسود، وجوا وراهم باقي الشباب.
المنظر برة كان يشيب له شعر الراس. عربيتين دفع رباعي سود، زجاجهم فاميه غامق ومفهومش نمر، كانوا واقفين في نص الشارع، وفي شباب ملثمين ماسكين آلي ونازلين ضرب نار في الهواء وعلى واجهة بيت أهلي وبيت حماتي لتخويف الناس. الجيران كلهم قفلوا البلكونات واستخبوا تحت السراير، والشارع بقى فاضي تماماً مفيش فيه غير رجالة عيلتي والضابط.
أول ما إخواتي ظهروا، واحد من الملثمين صرخ بصوت عالي:
* “دي قرصة ودن يا عيلة عبد العزيز! عشان تعرفوا إن الملايين مش هتروح، والشقة دي هتاخدوها على ج-*ثثكم لو الفلوس مظهرتش!”
محمود أخويا مأداش له فرصة يكمل، وبأقصى شجاعة ضرب نار في الهوا وقرب على العربية، وولاد عمي بدأوا يحدفوا طوب كسر زجاج العربيات. الضابط ضرب طلقة صابت كوتش العربية الأولى، وبدأت مطاردة وضرب نار متبادل وسريع. الملثمين لما لقوا إن رجالة عيلتي مبيخافوش ومراجعوش خطوة ورا بالرغم من الآلي، خافوا يتزنقوا في حواري البلد، والسواقين بتوع العربيات دوروا بأقصى سرعة وطلعوا يجروا وسط تراب الشارع والضرب شغال وراهم لحد ما اختفوا عن الأنظار.
الشارع هدي فجأة، بس كان مليان بوقوع فوارغ الرصاص، والواجهة بتاعة بيتنا كانت متبهدلة من أثر الطلقات. محمود دخل المندرة وهو ينهج، وعينه مليانة شرار، وبص للضابط وقال:
* “لحد هنا والبلد دي ليها حكومة! دول جم لحد بيتنا وضربوا نار وروعوا حريمنا وأطفالنا! لو المباحث متصرفتش وجابت الناس دي، إحنا هناخدهم بطريقتنا والدم هتوصل للركب!”
الضابط كان وشه أحمر وعرقان، وطلع تليفونه وكلم مدير الأمن ورئيس المباحث فوراً:
* “إرسال دعم فوري لقرية (…)، اعتداء مسلح بآلي من مجهولين على بيت الحاج عبد العزيز، وفي إصابات وتلفيات وتتبع للعربيات على المداخل والمخارج بسرعة!”
في ظرف نص ساعة، البلد اتقلبت ثكنة عسكرية. عربيات بوكس الأمن المركزي وسيارات المباحث حاصرت المكان، ونزل مفتش المباحث بنفسه. بدأوا يعاينوا فوارغ الرصاص، ويفرغوا الكاميرات اللي في المحلات اللي على أول الشارع عشان يجيبوا أرقام شاسيهات العربيات المجهولة.
مفتش المباحث قعد مع أبويا وعمي، وبصلي وقال بنبرة جادة:
* “يا مدام هناء، الموضوع مابقاش مجرد تهديد بالتليفون، دة بقى ترويع وبؤرة إجرامية وأموال عامة. أحمد جوزك بريء من الإجرام دة بس هو السبب في سحبه للناس دي لحد هنا. الناس اللي مع الشيكات دول حيتان كبار في القاهرة، ومشغلين معاهم بلطجية عشان يخلصوا حقوقهم برة القانون. بس هما غلطوا غلطة عمرهم لما جم هنا وضربوا نار، لأن القضية اتحولت من شيكات لـ (جناية ترويع، ومحاولة ق*تل، وإحراز أسلحة آلية).”
أبويا بص للمفتش وقال:
* “إحنا تحت أمر القانون يا فندم، بس أنا ابني الصغير وأمه مش هيقعدوا هنا والبيت مستهدف. أنا هخفي هناء وسيف في مكان محدش يعرفه غير ربنا، لحد ما تجيبوا الروس الكبيرة دي.”
المفتش وافق وقال:
* “دة أفضل حل، انقليهم في مكان سري حالاً، وإحنا هنعمل كمين ثابت قدام البيت هنا ليل نهار.”
في نفس اليوم بالليل، أخويا محمود وأحمد أخدوني أنا وسيف في عربية عادية تابعة لواحد صاحبهم ميعرفوش حد، وسافرنا لقرية بعيدة جداً في محافظة تانية، عند أخت أبويا (عمتي) في بيت ريفي منعزل وسط الأراضي. مكنش حد يعرف المكان دة نهائي غير أبويا وإخواتي الكبار.
حماتي وشيماء أخته فضلوا في بيت أهلي تحت حماية إخواتي، لأن تامر جوز أختها اتبرى منهم وقفل بابه، ومبقاش ليهم في الدنيا ضهر غير العيلة اللي ظلموها.
مرت تلات أيام وأنا في بيت عمتي زي الأموات. باكل وبشرب بالعافية، وحاضنة سيف اللي جاله حالة فزع وبقى بيصحى من النوم يصرخ ويقول “نار.. نار”. كنت ببكي وبقول في نفسي: “يا رب، أنا نزلت السوق أجيب لقمة لجوزي، رجعت بدمي، وكرامتي اتهانت، وبيتي اتهد، ودلوقتي مشردة وهربانة بابني.. كل دة عشان وثقت في راجل ميسواش.”
وفي اليوم الرابع، اتصل بيا أخويا محمود، وصوته كان فيه نبرة انتصار قوية، قالي:
* “إجهزي يا هناء.. إحنا جايين ناخودك بالسلامة.. البركان جاب أجلهم كلهم!”
وقفت وقولت بلهفة:
* “إيه اللي حصل يا محمود؟ قبضوا عليهم؟”
محمود حكى لي المفاجأة الكبيرة:
* “الشرطة والأمن الوطني قلبوا القاهرة وبور سعيد، وجابوا العربيات الدفع الرباعي وحددوا هوية الملثمين وقبضوا على تلاتة منهم في وكر في القليوبية. وتحت الضغط والتحقيق، اعترفوا على الحوت الكبير اللي مشغلهم، وطلع رجل أعمال تقيل وصاحب نفوذ وهو اللي كان معاه الشيكات بتاعة أحمد. الشرطة قبضت عليه بتهمة التحريض والبلطجة وترويع الآمنين، وهو دلوقتي محبوس مع الرجالة بتوعه في نفس القسم اللي فيه أحمد!”
تنفست الصعداء وحسيت إن جبل انزاح من على صدري، بس محمود كمل وقالي الكلام اللي مكنتش متوقعاه:
* “بس مش دي المفاجأة الكبيرة يا هناء.. المفاجأة إن صاحب شركة المقاولات النصاب الكبير اللي هرب برة البلد من شهرين.. اتقبض عليه في مطار دولة عربية وهو بيحاول يهرب لبلد تانية، والإنتربول الدولي سلمه لمصر والنهارده الصبح نزل مطار القاهرة في حراسة مشددة!”
قلبي بدأ يدق بسرعة:
* “والنصاب دة لما يرجع.. أحمد موقفه إيه يا محمود؟”
محمود سكت شوية وقال بنبرة غامضة:
* “النصاب دة معاه مفاتيح كل حاجة.. والتحقيقات اللي هتبدأ بكرة الصبح في نيابة الأموال العامة هي اللي هتحدد هل أحمد هيلبس القضية كلها لوحده ويخيس في السجن، ولا النصاب دة هيجر معاه ناس تانية وأحمد يطلع براءة؟ وإحنا رايحين القاهرة بكرة مع المحاميين عشان نحضر الجلسة.. ومستنيين نشوف الستار هيقفل على إيه..”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء السابع والاخير (قبل الأخير)
سافرت مع إخواتي محمود وأحمد على القاهرة، شيلت سيف على كتفي للمرة التانية، بس المرة دي مكنتش نازلة السلم رايحة السوق، كنت داخلة مبنى نيابة الأموال العامة ومحكمة التجمع الخامس، شاردة وببص حوليا وخايفة من كل وش غريب يمر من جنبي.
المكان كان مقلوب، وكاميرات الصحافة والقنوات مغرقة الممر الخارجي، لأن قضية “شركة المقاولات والتوريدات الكبرى” بقت قضية رأي عام وهزت الرأي العام بملايينها وهروب صاحبها. حماتي وشيماء جم ورايا مع أعمام أحمد، كانوا قاعدين على الكراسي الخشبية برة قاعة التحقيق، وشوشهم سودا ومنكسرة، أول ما حماتي شافتني، وقفت وقربت مني ببطء، مكنتش قادرة تتكلم، بس عينيها كانت بتترجاني كأنه بتقولي: “أنقذي ابني لو في إيدك شيء”.
بعد سبع ساعات كاملة من الانتظار والترقب، خرج المحامي بتاعنا وهو بينهج، وعلى وشه ملامح ذهول مختلطة بابتسامة خفيفة. إخواتي جريوا عليه:
* “طمنا يا متر! إيه اللي حصل جوه؟ النصاب اعترف على أحمد؟”
المحامي قعد وأخد نفسه وقال بصوت واطي:
* “النصاب الكبير “مدحت” انهار تماماً قدام وكيل النيابة والمستندات اللي الإنتربول جابها معاه. لما لقى حبل المشنقة بيلف حوالين رقبته لوحده، قرر يجر معاه الكل وميشيلش الليلة.. اعترف إن أحمد ملوش أي ذنب، وإنه كان مجرد واجهة وممضيه على تفويضات وشيكات على بياض، واستغل جهل أحمد بالقوانين وطمعه في المناصب عشان يخليه يوقع على الشغل الحكومي كله، وأثبت بالدليل والتحويلات البنكية إن كل الملايين اللي اتسحبت دخلت في حسابات مدحت الشخصية وتهربت برة البلد، وأحمد مأخدش منها مليم واحد برة مرتبه!”
حماتي صرخت من الفرحة برعب وحطت إيدها على قلبها:
* “يعني ابني براءة يا متر؟ ابني هيخرج؟”
المحامي كمل وقال:
* “قانوناً، النيابة قررت إخلاء سبيل أحمد من قضية الأموال العامة والنصب بضمان محل إقامته، بعد شهادة المتهم الأول والتقارير الفنية للبنك المركزي اللي برأته.. وبكده أحمد بريء من الملايين والسرقة.”
التفت المحامي ليا وأنا واقفة ساكتة وبسمع، وقال بنبرة جادة:
* “بس يا مدام هناء.. أحمد لسه عليه قضية “تهريب أموال وتزوير عقود” اللي تخص الشقة اللي كتبها باسمك وباسم سيف.. النيابة واجهته بيها، وأحمد اعترف إنه كتبها عشان يحميكي ويحمي سيف من حيتان القاهرة والبلطجية لما حس بالخطر، وموقفه فيها لسه محتاج جلسة تانية، بس الأهم إن الحوت الكبير ورجال الأعمال اللي بعتوا البلطجية يضربوا نار على بيتكم، النيابة جددت حبسهم 15 يوم على ذمة الجناية، والقضية اتقلبت عليهم هما!”
في اللحظة دي، العساكر خرجوا أحمد من قاعة التحقيق عشان يتنقل لتخشيبة المحكمة تمهيداً لإنهاء إجراءات إخلاء السبيل. أحمد كان كلبش في إيده، هدومه متبهدلة، دقنه طلعت، ووشه خاسس والنظر في عينه مكسور ومطفي.
أول ما عينه جت عليا وسط الزحمة، وقف مكانه. بص لحماتي وبص لأخته شيماء بنظرة سريعة، وبعدين ركز عينه فيا أنا.. وفي سيف اللي كان ماسك في عبايتي وخايف. دموع أحمد نزلت، وبص لإخواتي محمود وأحمد وقال بصوت مبحوح:
* “شيلتوا همي وحميتوا حريمي وبيتي وأنا في حجز القاهرة متبهدل.. أنتم رجالة بجد، وأنا رخصت بنتكم واستقويت عليها بأهلي.. أنا مستعد لأي حكم تحكموا بيه عليا بعد ما أخرج.”
أخويا محمود بصل بجمود وقاله:
* “لما تخرج بالسلامة يا أحمد.. لكل مقام مقال، وإحنا كلمتنا واحدة ومبنرجعش فيها.”
رجعنا البلد تاني يوم، وأحمد خرج ووصل بعد العصر. الشارع كله كان واقف يتفرج، حماتي وشيماء رجعوا شقتهم الأرضي وقفلوا عليهم الباب من الخزي والكسرة، وتامر جوز شيماء رفض يرجعها وبقت مطلقة وقاعدة في بيت أمها بحسرتها.
أما أحمد، فدخل شقتنا من السلم الخارجي الجديد.. السلم اللي بناه بإيده عشان يعزلني عن أهله. دخل الشقة ولقاني قاعدة مستنياه، ومعايا أبويا وعمي الكبير وإخواتي محمود وأحمد.
أحمد قعد على الكرسي، وحط راسه بين إيديه وبكى بحرقة، وقال لأبويا:
* “أنا رجعت من الموت يا حاج عبد العزيز.. أنا شوفت السجن والذل بعيني، وعرفت إن ملوش ضهر ينضرب على بطنه، وأنا ضهري وسندي كان هناء وبنتكم وأنا اللي قطعت الضهر دة.. الشقة والعقود تفضل باسم هناء وسيف، وأنا مش عاوز منها مليم، وأنا نقلت شغلي هنا خلاص وبقيت تحت طوعكم في أي حاجة.”
أبويا بص لعمي الكبير، وعمي هز راسه، فالتفت أبويا لأحمد وقال الكلمة اللي هتحدد مصيرنا الأخير:
* “اسمع يا أحمد.. ربنا نجاك من السجن والملايين لأن نيتك كانت سليمة ومظلمتش حد في فلوسه، ولأنك جيت في الآخر وحاولت تحمي مراتب وابنك بالشقة دي.. إحنا وافقنا إن هناء ترجع لك، والقضايا بتاعة النفقة والتبديد إحنا مأجلينها وماتنازلناش عنها نهائي لسه.. رجوع هناء ليك مش معناه إن المية رجعت لمجاريها.. رجوعها مشروط بـ (اختبار) مدته سنة كاملة.. السنة دي لو هناء اشتكت منك شكوى واحدة، أو لو أختك ولا أمك فتحوا بوقهم بكلمة، أو لو فكرت تسافر وتفارق بيتك تاني.. الورق اللي في إيدنا هيتحرك، والطلاق هيتم في ثانية، وهناء هتاخد الشقة وتطردك منها بقوة القانون والعقود اللي معاها!”
أحمد رفع راسه ووافق بلهفة وقدم كل الضمانات، ومضى على إقرار صلح شروطه تكسر أي راجل لو فكر يظلم تاني.
أهلي قاموا ومشيوا، ونزلوا من السلم الخارجي، وقفت في البلكونة وبصيت ليهم وهما ماشيين بهيبتهم وعزوتهم في الشارع، وحسيت بفخر ملوش أول من آخر.. البنت اللي وراها 12 راجل وأب وعم زي دول، عمر الأرض ما تتهز تحت رجليها.
التفت لأحمد اللي كان واقف ورايا بيبص لي بنظرة رجاء وخوف.. وبدأت ليلتنا الأولى في الشقة المعزولة.. الليلة اللي هتقفل باب الماضي، بس كانت مخبية الصدمة الأخيرة اللي هتحدد هل العيشة دي هتكمل.. ولا البركان هيدمر الباقي في الجزء الأخير؟
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء الثامن والأخير.. والحكمة
مرت الليلة الأولى في شقتنا المعزولة بهدوء غريب وثقيل. أحمد كان بيتحرك في المكان بحذر، وكأنه ضيف خايف يغلط في بيت مش بيته. دخل أوضة سيف، وقعد جنبه على السرير وهو نايم، ملس على شعره وبكى بصوت مكتوم، ندمان على كل لحظة خذل فيها ابنه ومراته وسابهم لغل القريب والغريب.
أنا كنت واقفة ورا الباب، ببص عليه والبرود اللي في قلبي بدأ يتحول لراحة.. مش راحة رجوع لأحمد الحبيب، بل راحة المنتصر اللي أخد حقه تالت ومتلت، ورجع بيته وشقته وهو واضع شروطه وقوانينه ومحدش يقدر يكسر عينه.
في صباح اليوم التالي، صحينا على خبط هادي على السلم الخارجي.. فتح أحمد، ولفت حماتي واقفة على عتبة السلم، كانت شايلة في إيدها صينية فطار، وعينيها مكسورة تماماً ومكسوفة تبص في وش ابنها أو وشي.
قالت بصوت واطي ومبحوح:
* “أنا عملت لكم الفطار يا أحمد.. قولت لسه راجعين ومفيش طلبات في البيت.. وحمد الله على سلامتك يا بني، و.. وحمد الله على سلامتك يا هناء يا بنتي.”
أحمد بص لأمه بنظرة هادية بس جافة، ومأخدش منها الصينية، وقالها:
* “كتر خيرك يا أمي.. بس هناء مش محتاجة حاجة، وإحنا طلباتنا هتوصلنا لحد عندنا، والباب الخارجي دة معمول عشان كل واحد يخليه في حاله.. اطلعي شقتك وارتاحي.”
حماتي نزلت السلم وهي بتعيط في صمت، عرفت إن ابنها اللي كان بيسمع كلامهم على عماه، اتمحت منه الطاعة العمياء، وبقى راجل لبيته ومراته وبس. أخته شيماء فضلت حابسة نفسها في الشقة الأرضي، مطلقة ومكسورة، وكل ما تبص للسلم الخارجي تفتكر يوم ما مدت إيدها عليا وتعرف إن ربنا بيمهل ولا يهمل.
مرت السنة.. سنة الاختبار اللي شرطها أبويا وعمي.
أحمد اتقيد بالشرط حرفياً؛ اشتغل في فرع المحافظة هنا، بقى يخرج الصبح ويرجع بعد الظهر، مفيش سفر ومفيش غربة. بقى يشاركني في كل صغيرة وكبيرة، ومبيخطي خطوة غير برأيي. الشقة بقت باسمي وباسم سيف قانوناً، والباب الداخلي فضل مقفول بالخرسانة، ومفيش أي اختلاط بأهله غير في المناسبات الرسمية وبحدود الأدب والواجب، دون أن تملك أمه أو أخته القدرة على رمي كلمة واحدة تمس كرامتي.
سيف ابني كبر، وراحت من عينه خضة الخوف، وبقى بيمشي في الشارع ماسك إيد أبوه وهو فرحان، وتحت حماية إخواتي وولاد عمي الـ 12 اللي بقوا بالنسبة له الظهر والسند.
وفي يوم نهاية سنة الاختبار، جه أبويا وعمي وإخواتي محمود وأحمد يزوروني في الشقة. قعدنا كلنا، وأحمد جوزي قام وقف ورحب بيهم وقبل راس أبويا وعمي قدام الدنيا كلها وقال:
* “السنة خلصت يا حاج عبد العزيز.. وأنا وفيت بوعدي، وبتمنى تكون هناء رضيت عني، وتكونوا عرفتوا إن أنا صونت الأمانة المرة دي.”
أبويا ابتسم، وبصلي وقال:
* “ها يا هناء؟ جوزك وفى بالعهد؟”
بصيت لأحمد، وقولت لأبويا:
* “وفى يا أبويا.. وأنا مسامحة، والحمد لله رب العالمين.”
هنا أخي محمود طلع حافظة القضايا والتنازلات، وحطها قدام أحمد وقال بابتسامة رجولة:
* “وإحنا كمان بنوفي بعهودنا يا أحمد.. دي التنازلات النهائية عن كل القضايا وبشكل رسمي في المحكمة.. أنت دلوقتي حر، بس افتكر دايماً إن الورق دة اتقفل بأصلك الطيب اللي ظهر في الآخر، بس الـ 12 راجل لسه واقفين، وضهر هناء وسيف هيفضل محمي ليوم الدين.”
انتهت الحكاية، ورجعت المياه لمجاريها بس بقوانين جديدة، قوانين صنعتها العزة والكرامة والرجولة.
### 💡 الحكمة من هذه القصة:
* **المرأة بلا أهل.. مستباحة:** الأهل هما السند والدرع الحامي للمرأة في بيت زوجها. غياب السند بيخلي ضعاف النفوس يستقووا عليها، وعزوة الأهل ورجولتهم هي اللي بترد الاعتبار وتكسر عين الظالم.
* **البيوت تُبنى على الخذلان أو تُهدم به:** أصعب ما مرت بيه “هناء” مكنش ضرب حماتها وأخت زوجها، بل كان خذلان زوجها “أحمد” وسكوته عن حقها. الراجل اللي مبيصونش عرضه وحريمه في غيبته أو حضوره، بيسقط من عين مراته ويفقد هيبته.
* **الحق بالقانون والأصول مبيضعش:** اندفاع الشباب وإخوة هناء في الأول كان ممكن يودي في داهية ويقلبهم لبلطجية، بس حكمة الأب والعم في استخدام “التقرير الطبي” ومحاضر الشرطة، خلت موقفهم القانوني زي السيف، وأخدوا حقهم العرفي والشرعي وهم رافعين الراس ومن غير ما يغلطوا في حق الدولة.
* **الجزاء من جنس العمل:** شيماء اللي بدأت بمد الإيد والظلم ومسكت شعر هناء، انتهى بيها المطاف مضروبة، ومطلقة، ومكسورة العين في نفس المكان. وأحمد اللي هرب من مسؤوليته تجاه مراته، وقع في بركان قضايا النصب والأموال العامة والتهديد عشان يعرف إن ربنا مبيسيبش حق المظلوم.
* **المسألة مش خناقة ستات:** الكلمة دي بتخرب بيوت كتير. إهانة الزوجة داخل بيت عائلة زوجها مش “خناقة ستات”، دي إهانة لكرامة الراجل نفسه ولأهل البنت اللي ائتمنوه عليها.

