ج الاخير مصروف البيت حكايات روماني مكرم

ج الاخير

“الشقة دي من اللحظة دي.. محجوز عليها حجز تنفيذي لصالح البنك، ولا يجوز استخدامها أو المعاينة عليها كمسكن زوجية!”

شريف تجمد في مكانه، والابتسامة الخبيثة اللي كانت على وشه اتمسحت تماماً، وبقى يبص للراجل الغريب وللخبير بتلعثم: “قرض إيه وحجز إيه؟! الشقة دي أنا شاريها كاش بفلوس فك وديعتي الكبيرة اللي في البنك!”

هنا خطيت أنا خطوة لداخل الشقة، وبصيتله بابتسامة خفيفة وقلت له: “صح يا شريف، أنت فكيت الوديعة عشان تشتري الشقة دي عند أمي وتزلني بيها.. بس نسيت إن الوديعة دي كانت بضمان القرض القديم اللي أنت سحبته من سنة عشان مشروعك الفاشل مع أصحابك! وبما إنك فكيت الوديعة من ورا البنك وبتلاعب في الحسابات، البنك نزل حجز فوري وبأثر رجعي على كل أصولك، بما فيها الشقة اللي لسه مسجلها من أيام!”

الممثل القانوني للبنك بصل لشريف وقاله بصرامة: “بالظبط كده يا فندم، وحضرتك متهرب من السداد بقالك 4 شهور، وفك الوديعة يعتبر تبديد للضمانة المالية. اتفضل معانا برة الشقة عشان هنشمع الباب.”

خبير المحكمة بصل لشريف وبص للأوراق وقال بنبرة قاطعة: “كده المعاينة لغت، والشقة غير صالحة للطاعة لأنها تحت الحجز القضائي والنزاع القانوني. هيتم إثبات ده في التقرير الموجه للمحكمة فوراً.”

شريف بدأ يعرق بغزارة، والنرجسية والغرور اللي كانوا ماليين عينه اتحولوا لرعب حقيقي. بصلي وهو بيشاور بإيده وبيرتعش: “أنتِ.. أنتِ اللي عرفتي البنك بموضوع فك الوديعة وعنوان الشقة الجديدة؟! أنتِ بتخرب بيت عيالك يا فاجرة؟!”

أخويا الكبير قرب منه وزق إيده: “لم لسانك يا شريف! أنت اللي خربت على نفسك لما فكرت تلعب بديلك وتأذي حماتك الست المريضة. أختي بتعرف تاخد حقها بالقانون.”

المحضر والعمال بتوع البنك بدأوا يخرجوا شريف برة الشقة، وهو بيزعق زي المجنون ويقول: “مش هسيبك يا روماني! هقتلك وهدمرك! الشقة دي شقايا وعمري!”، والكل في العمارة خرج على صوته، والجيران وأهل المنطقة كلهم شافوه وهو بيطرد برة الشقة والشريط الأحمر بيتفرد على الباب وبتتـشمع بالشمع الأحمر قدام عين أمي اللي كانت واقفة على بابها بتدعيلي بدموع الفرحة والراحة بعد ما شافت الراجل اللي كان جاي يذلها بيتذل قدام عيونها.

فات أسبوعين، وتقرير الخبير نزل في المحكمة برفض إنذار الطاعة تماماً، وق*ضية الخلع خلاص بقت على المحك وباقي عليها جلسة واحدة والنطق بالحكم النهائي عشان أخلص من الكابوس ده للأبد.

وفي يوم الجلسة الأخيرة، رحت المحكمة وأنا لابسة ومستعدة أسمع كلمة “حكمت المحكمة بخلع…”، والمحامي بتاعي واقف جمبي بيطمني. دخلنا القاعة، وشريف كان قاعد في آخر القاعة وشه شاحب، ودقنه طويلة، وهدومه مبهدلة بعد ما البنك حجز على كل حاجة ومبقاش حيلته مليم.

القاضي مسك المطرقة وخبط بيها، وقال: “محكمة..”

الكل وقف في صمت وترقب، والقاضي بدأ يقرا الحكم.. بس قبل ما ينطق بالكلمة اللي مستنياها، شريف وقف فجأة في نص القاعة وصرخ بصوت عالي قطع حبل كلام القاضي، ورفع في إيده ورقة تانية خالص وهو بيضحك ضحكة هستيرية هزت القاعة كلها وقال: “وقف الحكم يا سيادة القاضي! الخلع ده باطل.. الست دي متبقاش مراتي أصلاً عشان تخلعني!”

الصالة كلها هرجت، والقاضي ضرب بالمطرقة بغضب، وأنا قلبي انقبض وبصيت لشريف بذهول.. المفاجأة المرعبة اللي شريف فجرها في المحكمة كانت..

“الخلع ده باطل يا سيادة القاضي.. الست دي متبقاش مراتي أصلاً عشان تخلعني! أنا طلقتها غيابي برقم وثيقة وتاريخ قديم قبل ما ترفع الق*ضية بشهر بحالـه!”

القاعة كلها اتقلبت هرج ومرج، وضربات مطرقة القاضي هزت المنصة وهو بيزعق بصوت جهوري: “هدوء في القاعة! اجلس مكانك يا أستاذ!”

أنا في اللحظة دي حسيت إن الأرض بتلف بيا، وبصيت للمحامي بتاعي وأنا مش قادرة أتنفس: “طلقني؟ طلقني إزاي ومن ورايا؟! وكنت عايشة معاه إزاي؟!”

المحامي وشه خطف لون وجرى على السكرتير ياخد صورة من الوثيقة اللي شريف قدمها، وشريف واقف في نص القاعة بيبصلي بنظرة تشفي وغل، والضحكة الهستيرية مالت وشه وكأنه بيقولي: “ضيعت عليكي مؤخرك ونفقتك ومتعتك، ولبستك قض*ية زنا لو كنتِ افتكرتي نفسك متجوزة!”

المحامي رجع وعينه في الأرض، وقالي بصوت واطي: “الورقة سليمة يا مدام.. شريف طلقك غيابي من شهرين، قبل عزومة الجمعة وقبل ورق التمكين والتنازل.. وده معناه إن كل العقود والتنازلات اللي وقع عليها وهو فاكرك مراته، وقعت في فترة أنتِ قانوناً غريبة عنه، وده يخل بالركن الأساسي للعقود ويبطلها، وقض*ية الخلع كده كأنها لم تكن لأنك مطلقة فعلياً!”

نزلت الصدمة عليا زي جبل هد حيلى، شريف كان عينه بتطق شرار وهو بيقرب مني في الممر ويقولي بصوت واطي وشماتة تكسر الحجر: “فاكرة نفسك ذكية يا روماني؟ أنا اللي كنت ممشي اللعبة بمزاجي.. سبتك تاخدي ورق وتجري ورا البنك وتتشطري، عشان في الآخر أكسر رقبتك بالورقة دي! طليقتيييي.. يعني مالكيش تمكين، والعقود باطلة، وشقتي القديمة هترجعلي غصب عنك، وهطردك منها أنتِ وعيالك في الشارع، وأمك مش هتلحق تتهنى بالثلاجة اللي خربت بيتك بسببها!”

خرجت من المحكمة وأنا مش شايفة قدامي، الدنيا اسودت في عيني، وأبويا وإخواتي بيجروا ورايا مش عارفين يهدوني إزاي. رحنا على بيت أمي، وأول ما دخلت ارتميت في حضنها وقعدت أعيط بحرقة وأنا حاسة بالهزيمة.. لأول مرة أحس إن الراجل ده غلبني، وإني خسرت كل حاجة؛ شقتي، وضمان عيالي، وحقي.

أمي طبطبت عليا وهي بتبكي، وقالتلي: “يا بنتي اللي تبر بأمها وتشتري خاطرها، ربنا عمره ما يكسرها.. سيبك من الشقة وسيبك من كل حاجة، المهم أنتِ وعيالك في حضني.”

كلام أمي صحاني من الغيبوبة.. مسحت دموعي وفجأة افتكرت حاجة.. حاجة شريف بغبائه ونرجسيته نسيها تماماً وهو بيخطط للعبة الطلاق الغيابي دي! حاجة تخلي كل اللي عمله ينقلب طين فوق دماغه ويدخله السجن مش بس يخسره القض*ية!

مسكت تليفوني وكلمت المحامي، قلتله بنبرة حادة وجامدة: “استاذ مدحت.. شريف طلقني غيابي من شهرين صح؟”

قالي: “أيوة يا فندم، بتاريخ والمستندات مظبوطة.”

قلتله: “حلو قوي.. هو مش بعد التاريخ ده بـ 15 يوم، بعتلي إنذار طاعة رسمي على الشقة الجديدة اللي عند أمي، ومكتوب فيه بالنص: (زوجتي المحترمة صالحة للطاعة وعليها العودة لبيت الزوجية)؟! ومش قدم في المحكمة طلبات رسمية بصفتي زوجته؟!”

المحامي سكت لثواني.. وفجأة سمعت صوته عبر التليفون وهو بيصرخ من الفرحة: “الله أكبر! يابنت اللذينة يا روماني! ده وقع في شر أعماله! إنذار الطاعة والطلبات الرسمية اللي قدمها بصفتك زوجته بعد تاريخ الطلاق، تعتبر إقرار رسمي منه بمراجعتك للزوجية قانوناً.. أو.. تزوير وتلاعب بالمواد القضائية وإقرار كاذب يعاقب عليه بالسجن!”

ابتسمت ودموعي لسه على خدي، وبصيت لأمي وقلت لها: “حقنا هيرجع يا أمي.. وزيادة.”

يوم السبت الصبح، كانت المفاجأة الأخيرة والضربة القاضية جاهزة.. رحت أنا والمحامي ورجال التنفيذ، ومش على المحكمة.. رحت على المكان اللي شريف قاعد فيه ومستني يستلم الشقة القديمة.. وواجهته باللي ميرضيش عقل ولا يخطر على بال جن!

الضربة القاضية اللي واجهت بيها شريف كانت..

الضربة القاضية التي واجهت بها شريف كانت.. حضورنا ومعنا قوة من مباحث تنفيذ الأحكام، وبيدنا أمر ضبط وإحضار رسمي ضده بتهمة “التزوير، والتدليس، والإقرار الكاذب في محرر رسمي، والجمع بين زوجتين دون إخطار قانوني!”.

شريف كان قاعد في مقهى قريب من الشقة القديمة، واضعاً رجلاً فوق رجل، وفي عينه نظرة النصر الزائف، ومعه سمسار عقارات ليعرض الشقة للإيجار بعد أن ظن أنه سيطردني أنا وأولادي. أول ما رآني ومعي المحامي ورجال الشرطة، وقف والسيجارة سقطت من فمه، ووشه تيبس تماماً.

تقدم المحامي بكل ثقة وقدم الضابط أمر الضبط، وقال لشريف أمام الجميع: “أهلاً يا شريف بيه.. فاكر نفسك أذكى من القانون؟ أنت قدمت وثيقة طلاق غيابي بتاريخ قديم عشان تبطل عقود التنازل وقض*ية الخلع. لكنك في نفس الوقت، ومنذ أسبوعين فقط، قدمت للمحكمة إنذار طاعة رسمي تقر فيه بالقسم والقانون إنني (زوجتك والدخول في طاعتك)، وقدمت أوراقاً رسمية بهذه الصفة!”

المحامي التفت للضابط وأكمل: “وده معناه حاجة من الاثنين ومالهمش تالت: إما إنك راجعتها لعصمتك شفوياً وعشت معاها كزوج وكتمت الطلاق والمراجعة وده يثبت العقود والتمكين، أو إنك زورت إنذار الطاعة والبيانات الرسمية وخدعت المحكمة.. وفي الحالتين، أنت لابس جناية تزوير وتلاعب بالمواد القضائية، وعقوبتها السجن المشدد!”

شريف بدأ يرتعش بشكل هستيري، وبص للضابط وقال بتلعثم: “يا فندم دي هي اللي بتتبلى عليا.. أنا كنت عايز أأدبها بس! أنا كنت عايز ورق الشقة يرجع!”

الكلبشات حددت إيديه وسط ذهول كل الموجودين في المنطقة، والضابط قاله بصرامة: “الكلام ده تقوله في النيابة.. اتفضل معانا.”

انهار شريف تماماً، وبدأ يبكي ويصرخ وهو يلتفت إليّ ويترجاني: “سامحيني يا روماني! عشان خاطر العيال بلاش تسجنيني! أنا هتنازل عن كل حاجة.. الشقة ليكي والبيت ليكي، بس بلاش السجن!”

نظرت إليه وهو يجر ذليلاً مهاناً، ونفس البرود الذي واجهته به في أول يوم عاد ليملأ قلبي، ولم تهتز فيّ شعرة واحدة تجاه دموعه المزيفة.

## الستار الأخير

بعد أسابيع قليلة، أصدرت المحكمة حكمها العادل:

* **جنائياً:** الحكم على شريف بالسجن مع إيقاف التنفيذ مؤقتاً بعد تنازله الرسمي والنهائي عن كل أملاكه وشقته القديمة لصالح أولاده كـ “شرط جزائي للتصالح” في ق*ضية التزوير.

* **شرعياً وقانونياً:** إثبات الطلاق البائن، وحصولي على كافة حقوقي المادية ومؤخري ونفقة أولادي كاملة، مع تثبيت تمكيني من الشقة بصفتي حاضنة.

أما شريف، فخرج من هذه المعركة كما تمنى لي تماماً؛ بلا مأوى، بلا أموال، وبلا كرامة.. طريداً من أهله قبل أهلي، بعد أن تبرأ منه والده ورفض أن يفتح له باب بيته.

أنا الآن أجلس في شقتي، أولادي في حضني، وأمي الحبيبة تجلس بجواري وهي تبتسم، والثلاجة الجديدة في مطبخها تعمل وصوتها يملأ المكان بالدفا والأمان. نظرت لأمي وقبلت يدها، وحمدت الله الذي لم يضيع حق من بر بوالديه.

> ### الحكمة من الحكاية

> **”البر لا يبلى، والديّان لا يموت.”**

> مهما ظن الرجل الأناني النرجسي أن بإمكانه كسر امرأة تبر بأمها، ومهما استخدم من لؤم وخديعة ليزلها بلقمتها وشقاها، فإن الله يرزق الست الصالحة القوية الحكمة والتدبير ليتحول كيده في نحره. المال يذهب ويأتي، لكن كرامة المرأة وبرها بأهلها هما الحصن المنيع الذي لا يمكن لأي كائن أن يهدمه. من يسترخص في لقمة عيش أولاده ويهين زوجته لأجل برها بأمها، يكتب نهايته بيده، ويذله الله بنفس السلاح الذي حاول الاستقواء به.

>

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *