المال الحرام ج 1 بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
ج1
أنا اتولدت وكبرت في بيت على قد حاله، بيت مكنش حيلتنا فيه من الدنيا غير ستر ربنا وكرامتنا. كنا خمس بنات؛ ثلاثة أكبر مني، وأخت صغيرة، وأنا كنت الرابعة بينهم.
أما أبويا بقى.. يا حبيبي يا بويا. كان راجل بمعنى الكلمة، شايل الدنيا وهمومها على كتافه من غير ما يشتكي. شقى وتعب وكفاح مبيخلصش، مش عشان يعيشنا في مارينا والزمالك، لأ، عشان بس يجيب لقمة حلال مفيهاش ذل، ويدبر لنا قرش لكسوتنا، وبيت سقفة ميتحدش علينا. عمره ما قصر باللي في جيبه، بس الفقر دايماً إيده ناشفة ومبيرحمش حد.
أخواتي الثلاثة الكبار اتجوزوا قبلي. اتنين منهم اتجوزوا في نفس منطقتنا هنا في مصر، أما الثالثة فربنا كرمها وجوزها سافر بيها على أوروبا. كانت لما تنزل إجازات ونتجمع كلنا في بيت أبويا، كنت بشوف الفرق اللي يوجع القلب بين عيشتها برا وعيشة أخواتي هنا.
حياتها هناك كانت في حتة تانية خالص. جوزها راجل متفهم، ابن ناس في تعامله، بيعشقها بجد، وإيده فرطة معاها. ومن الأيام دي، في سر صامت سكن جوايا وحلفت عليه:
_ لو اتجوزت في يوم من الأيام، مش هرضى بأقل من راجل ياخد بإيدي ويطير بيا برا البلد دي.. يعيشني في أوروبا زي أختي.
كملت علامي، والحمد لله، بفضل ربنا الأول وبعدين أبويا اللي متبخلش عليا بقرش ولا بدعوة. أول ما اتخرجت، قولت لازم أرد ولو جزء بسيط من جمايله اللي مغرقاني؛ قدمت على شغل واشتغلت، وبقيت أقسم المرتب معاه، وأساعد في البيت على قد ما أقدر.
في الوقت ده، كنت بقضي أغلب وقتي الفاضي على السوشيال ميديا، وهناك.. ظهر “كريم”. شاب مصري ابن بلدي، بس عايش ومستقر في إيطاليا. أول ما عرفت كده، قلبي دق وبقيت أوشوش نفسي: “هي دي الدعوة المستجابة.. أمنيتك بتناديكِ يا ندى”.
بدأنا نتكلم وكان الكلام واخد طريق رسمي وجواز. أنا كان عندي 24 سنة، وهو كان دخل في أول الثلاثينات، يعني أكبر مني بحوالي عشر سنين. قولتله على بلاطة وبكل وضوح:
الكاتبة نرمين عادل همام
“أنا مبحبش اللف والدوران، وعايزة أتجوز وأستقر بسرعة”. لقيته ابتسم وقال بلهجة كلها ثقة ورزانة:
“يا ندى أنا راجل ورايا شغل ومسؤوليات، ومعنديش وقت للتسلية. أنا نازل مصر مخصوص أدور على بنت حلال من بلدي تصونني وتصون بيتي، وبصراحة.. أنا ارتحتلك من أول دقيقة”.
مكنتش قادرة أسيع الفرحة في قلبي. كنت حاسة إن الدنيا أخيراً بتضحكلي وبتفتحلي بيبانها. كل يوم كان بيمر، كنت بتعلق بيه أكتر وأكتر؛ كلامه موزون، أسلوبه شيك، ناجح في شغله، ومرتاح مادياً.. كل حلم حلمت بيه وأنا نايمة في أوضتي القديمة، كان متفصل بالملي في “كريم”.
والأيام دارت، لحد ما جه اليوم اللي لقيت كريم بيقولي فيه بأدب:
“ندى، ممكن تديني رقم والدك عشان أكلمه؟”
وفعلاً كلم أبويا، وسلم عليه، وفضلوا يدردشوا شوية مع بعض، وفي آخر المكالمة قاله:
“يا عمي، بإذن الله الصيف الجاي هنيجي أنا وأهلي عشان نطلب إيد بنتك رسمي”.
وجيت يا صيف.. وجاء هو وأهله ونوروا بيتنا.
الزيارة دي كانت البداية الحقيقية لكل حاجة، اللحظة اللي اتفتح فيها باب الدنيا على وسعه قدام عيني. قلبي وقتها كان واقف متردد، وبعدين رمى نفسه بكل ما يملك من أمل وخوف. دخل البيت وهو شايل في ملامحه وعد غامض، وقعدت أراقبه في صمت، رهبة البدايات مخلوطة بخجل الأحلام.. لحد ما نطق بالكلمة اللي خلت صدري يتملي دفا عمري ما عشته قبل كده:
“والله فاجأتيني.. إنتي جميلة أوي يا ندى”.
كلماته اتسللت لقلبي براحة، والجملة دي زرعت جوايا يقين أولي إنه معجب بيا بجد، وأهلي كمان عجبهم كريم وأسلوبه. حسيت إن السكة الصعبة بدأت تفتح، وإن القدر بيطبطب على كتفي بعد طول انتظار.
أهله بقى.. يا ناس على طيبتهم وبساطتهم! ناس تتدخل القلب من أول دقيقة، وشوشهم مفيهاش لؤم، حسيت معاهم براحة وسكينة كأني عارفاهم من زمان، وكأنني واحدة منهم ومن دمهم.
بس وسط الفرحة دي كلها، كانت فيه نغزة صغيرة في قلبي اسمها أختي الكبيرة. مكنتش بتبطل خوف عليا، دايماً تفكرني بتقل الخطوة دي، وتحط حمل تجربتها فوق دماغي في كل لحظة. كل ما تشوفني قاعدة وسرحانة في أحلامي، تقرب مني عشان تشدني للأرض وتقولي بحسابات العمر والمسؤولية:
“لا يا بنتي ما تتسرعيش، دي حياة وده عمر مش لعبة، الجواز مش سهل والمسؤولية تقيلة”. وتفضل تنزل عليا بالنصايح ورا بعض، كأنها خايفة أفلت من إيدها للمجهول:
“اسألي عن كل صغيرة وكبيرة، التفاصيل دي مهمة قوي يا ندى ومتهمليهاش”.
وأنا في كل مرة كنت أبتسم لها بهدوء فيه حتة عناد.. كنت شايفة بعيني اللي هي مش شايفاه، وحاسة بقلبي بحاجات متقيسهاش الحسابات، فكنت برد عليها وأقول:
الكاتبة نرمين عادل همام
“مش محتاجة أسأل يا فادية، خلاص.. أهم حاجة إنه راجل كفو وناجح في حياته، ومفيش داعي أقعد أنبش ورا الراجل”.
وجاء اليوم المنتظر.. يوم الفرح. يوم مشبهش أي يوم قبله ولا بعده، حسيت إني بسيب شط قديم من حياتي وبنط لشط جديد خالص وأنا شايلة في صدري قلب طاير من الفرحة، مشتعل بالحماس والشوق للحياة الجديدة اللي رسمتها في خيالي ميت مرة. كنت شايفة نفسي هناك في إيطاليا، عايشة تفاصيل حلمي، ومصدقة إن الدنيا أخيراً بتديني اللي تمنيته.
كان أحلى يوم في حياتي، كنت طايرة من الفرح ومتحمسة ومستنية اللحظة اللي هروح فيها هناك، وبحلم بالسعادة والحياة اللي هتتحقق فيها كل أمنياتي.
بعد الجواز، الظروف حكمت بالانتظار.. كان لازم يسافر هو الأول عشان يخلص أوراقي وتكون قانونية وبعدها أقدر أسافر. الأيام كانت بتمر بطيئة وقتها، بس كانت متحملة على الأمل ووعد اللقاء. وفجأة، أول ما خلص الأوراق، بعتلي التذكرة على طول، وكأن العالم كله بيتآمر عشان يجمعنا.
أول ما وصلت إيطاليا، استقبلني في بيت عمري ما تخيلته.. فيلا كببرة، شياكة، دافية في كل تفاصيلها. مكنش بيخلي حاجة تخطر على بالي إلا ويجيبها لحد عندي. سافرنا دول كتير، فرجني على أجمل الأماكن، ومكناش بنقعد غير في أفخم الفنادق. كانت عيشة.. عيشة متجيش حتى في الأحلام! كان كريم معايا لأبعد حد، بيحبني ويقدرني ويحترمني حرفياً، وكنت عايشة معاه حياة مكنتش أتجرأ يوم أحلم بيها. ياما دلعني، وياما وفرلي كل حاجة، وكل ما أبص حواليا أحس إن الدنيا فتحالي دراعاتها وبتقولي: “دي مكافأتك يا ندى”.
أما بالنسبة لشغله ومصدر رزقه، فكان عنده مطعم صغير باسمه، وكان واقف فيه وبيديره بنفسه.
بعد فترة، بدأ يشجعني جداً إني أتعلم وأطور من نفسي، وكان دايماً يقولي إن لازم أتماشى مع المجتمع اللي عايشين فيه. وأول حاجة طلبها مني هي إني أتعلم لغة البلد، وقال إن الموضوع ده ضروري ومهم جداً عشان لما يخلف أطفال، وعشان المستشفى، والسوق، والمدرسة، وكل تفاصيل الحياة اليومية. وعمر ما إيده اتهزت معايا؛ دفع مبالغ كبيرة لمدرسين خصوصيين عشان يعلموني اللغة، وأنا من ناحيتي ساعدت نفسي كتير، وبدأت أفهم القوانين والبلد ماشية إزاي، واتعرفت على بنات من سني وبقى عندي صاحبات.
واتعرفت كمان على “سلفتي”.. مرات أخوه. أخوه كان عايش معانا في نفس البلد، بس كان فيه فرق السما والأرض بين عيشتنا وعيشتهم. إحنا كنا عايشين في رفاهية مفيش بعد كده، وهم حالتهم المادية وعيشتهم تعبانة جداً وتحت الصفر. بس سلفتي دي كانت ست تصون العِشرة وإنسانه رائعة بمعنى الكلمة، بتخاف ربنا، طيبة وخلوقة ومعدنها دهب خالص.
حبيتها جداً وهي كمان حبتني، وبقينا أكتر من صاحبات.. بقينا أخوات وأكتر. كنت بحب أقضي أغلب وقتي معاها، يا إما أروح لها البيت أو نخرج سوا، والمهم إننا كنا مبسوطين ومستمتعين مع بعض لآخر خطوة.
الكاتبة نرمين عادل همام
كنت لما أسافر في أي حتة، أول حاجة بتيجي في بالي إني أجيبلها معايا هدايا.. كنت ببقى نفسي أفرّح قلبها بأي طريقة.
وزي ما قولتلك، عيشتهم المادية كانت على القد خالص وعكسنا تماماً، وكان معاها عيال صغيرة.
كنت بلاحظ لما بنخرج سوا، إنها ممكن تشتري لعيالها وتستخسر في نفسها، والموضوع ده كان بيكسر قلبي ويوجعني أوي. عشان كده كنت بصرّ دايماً في كل سفرية إني أجيب هدايا تخصها هي بالذات، عشان أدلعها. و
فاكرة في ليلة، كنت قاعدة مع جوزي “كريم”، وقولتله وقلبي مليان ممتنية:
“والله يا كريم، أنا عمري ما كنت أتخيل إني أعيش العيشة دي، ولا كنت أحلم بكل النعمة والرفاهية دي.. ربنا كبير أوي وغرقنا بفضله”. بصلي بحنية وقال:
“إنتي تستاهلي كل خير يا ندى، وأنا عمري ما هقصر معاكي في حاجة واطلبي واتمني”. رديت عليه بابتسامة:
“ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبداً”.
وفي اللحظات دي، قلبي كان مصدق وعايش اللحظة إن دي الحياة اللي ربنا خلقني عشان أعيشها، مكنتش أعرف ولا كان يخطر على بالي إن الأيام مخبيالي وش تاني خالص للقصة!
كنا بنتقابل والظروف اللي يعلم بيها ربنا وحده. كنت بشوف بعيني الفجوة الكبيرة والفرق الشاسع بين عيشتنا وعيشتهم، وبشيل في قلبي غصة وكسرة خاطر مش عارفة أداريها إزاي. ياما قعدت مع كريم وأتكلم معاه عن أخوه، مكنتش بطلب أكتر من حنية ورحمة تسند ضهر التعب والقلة اللي في بيتهم الصغير ده. كنت بقوله:
الكاتبة نرمين عادل همام
“يا كريم، ليه متمدش إيدك لأخوك وتساعده؟” كان دايماً يرد بنبرة فيها كبرياء وعزة نفس غريبة:
“أخويا عامل فيها صاحب كرامة، وبيزعل ويتنطط لو فكرت أديله قرش”. كنت باخد نفسي ببطء وأحاول أفتح سكة تانية للكلام:
“طيب بلاش فلوس.. شغّله معاك في المطعم”.
“مبيرضاش، راسه ناشفة”. كنت بضغط على قلبي وأنا شايفة حالهم وبقوله:
“حرام عليك يا كريم، ده أخوك ومن دمك.. مش عشان نفسه، عشان العيال الغلابة ومراته الطيبة.. ده إنت لا برحم ولا بتسيب رحمة ربنا تنزل!”.
وتمر الأيام، وفي سفرية من السفريات وأنا مع كريم، عيني وقعت على شنطة خطفت قلبي من أول نظرة؛
شنطة “شانيل” فخمة، شياكة، كأنها بتناديني وتقولي اشتريني. اشتريت واحدة لنفسي، واشتريت واحدة تانية زيها بالملي لسلفتي. كنت فرحانة أوي وطايرة من الحماس، قلبي كان سابق رجلي، وكل اللي بيدور في دماغي هي اللحظة اللي هقفل فيها راجعة وأفاجئها بالهدية وأشوف الفرحة في عينيها.
أول ما رجعنا بالسلامة، أخدت الشنطة في إيدي وجريت عليها. دخلت وسلمت، وقعدنا نشرب القهوة مع بعض، وروحت باصة لها بابتسامة واسعة وقولت:
“تخيلي بقى أنا جيبالك إيه معايا المرة دي؟” هي كمان اتمست، وأنا كنت أسعد منها بمليون مرة وسعادتها بتغمرني:
“أنا جبتلك هدية هتعجبك أوي.. بصي، دي ماركة شانيل، جبت واحدة ليا وواحدة ليكي عشان إنتي توأم روحي وأختي”.
بس رد الفعل اللي حصل بعد كده صدم قلبي في صمت ومفهمتوش.. مدت إيدها ببرود غريب، أخدت الشنطة وبصتلي نظرة غامضة، نظرة مريبة ومفيهاش أي فرحة!
بعد اليوم ده، بدأت ألاحظ نظراتها ليا.. نظرات متغيرة تماماً عن الأول. استغربت وبقيت أكلم نفسي: “يمكن جيت في وقت مش مناسب؟ يمكن زعلانه مع جوزها؟ يمكن فيه مشكلة ماليش ذنب فيها؟” عشان كده قصرت في الكلام معاها يومها، ومحسستهاش بأي حاجة، ولميت نفسي ورجعت البيت……يتبع للجزء الثاني
