ج2 مراتي الجديدة حكايات اماني سيد
ج2
…مشيرة لفت ضهرها وسابت الصالة كلها باللي فيها. دخلت أوضتها وقفتلت الباب وراها بالمفتاح، صوت القفل وهو بيلف كان مسموع في وسط السكوت اللي حل على المكان بعد “نمرة” ماسة.
أنا اتنفست الصدا وعملت نفسي مش واخد بالي من كسرتها، وبصيت لماسة اللي كانت قاعدة على الكرسي وبتنهد بدلع ومثكنة، وقولت لأمي:
* “معلش يا أمي، تلاقيرها بس اتصدمت شوية.. بكرا تاخد على الوضع. المهم شوفي ماسة وكلّيها لقمة عشان اللحم اللي في بطنها.”
أمي حمحمت وبصت للأكل اللي على السفرة، وقالت بنبرة فيها لؤم مخلط بحيرة:
* “طب والأكل ده مين هيغرفه ويكمله يا معتز؟ الصواني لسه في المطبخ ومشيرة سابت كل حاجة واقفة!”
ماسة هنا بدأت تشتكي تاني وبصتلي بعيون تماسيح مدمعة:
* “شايف يا معتز؟ من أولها كده؟ أنا قولتلك بلاش نيجي.. أنا بطني بتوجعني ومقدرش أقف في المطبخ أعمل حاجة، وأنت قولتلي إنك جايبني ارتاح وأهلك يشيلوني في عيونهم.”
حمية الرجولة خدتني، وبقيت عايز أثبت لماسة إن كلمتي هي اللي مسموعة في البيت ده، وإن مفيش مخلوق يقدر يكسرلي كلمة أو يزعلها. قمت وقفت ومشيت ناحية أوضة مشيرة، وبقيت أخبط على الباب بكل قوتي وبعلو صوتي ناديت:
* “مشيرة! افتحي الباب ده واطلعي كملي غرف الأكل.. الهانم تعبانة ومش قادرة، وأنتِ مش هتقعدي هنا تحبسي نفسك وتسيبي البيت يضرب يقلب! اطلعي شوفي طلباتنا!”
الصوت مكنش بيطلع من الأوضة، مفيش غير صوت سكوت قاتل وبارد.. خبطت تاني وتالت وزعقت، ولما قفلت معايا خالص وكنت لسه هكسر الباب، الباب اتفتح فجأة…
مشيرة كانت واقفة، بس مكنتش مشيرة اللي سابتنا من دقيقتين. كانت غيرت هدوم البيت المتبهدلة، ولبست عباية خروج سودا وشيلت شنطتها في إيدها، وملامح وشها كانت هادية لدرجة تخوف، برود تام خالي من أي دموع أو عصبية. بصت في عيني وقالت بكلمتين اتنين بس…
* “طلقني يا معتز.”
الكلمتين نزلوا عليا زي الصاعقة، البيت كله سكت، حتى ماسة بطلت تآوُه وتمثيل وبصتلنا بذهول. أنا اتسمرت في مكاني، مكنتش متوقع أبداً إن مشيرة الضعيفة، المستسلمة، اللي بقالها سنين شايلانا وشايلة أمي ومبتنطقش، تاخد الموقف ده وفجأة تطلب الطلاق وهي باصة في عيني بكل القوة دي.
حاولت أداري صدمتي وربكتي وعلّيت صوتي عشان أخوفها وارجعها لحجمها:
* “أنتِ اتجننتي يا مشيرة؟ طلاق إيه وعباية خروج إيه اللي لبساها؟! أنتِ فاكرة نفسك هتلوي دراعي ولا إيه؟ ادخلي قلعي الهدوم دي واقعدي في بيتك وبلاش غسيل مخ الحريم ده!”
مشيرة مابتسمتش حتى، فضلت باصة ببرود رهيب وقالت بنبرة هادية بس كانت بتدبح:
* “أنا عقلي معايا وزي الفل.. العباية دي أنا خارجة بيها ومش راجعة تاني. بيتك وأمك والست الجديدة بتاعتك شبعانين ببعض، اخدموهم أو هاتوا اللي يخدمكم.. أنا حقي عند ربنا مش هسيبه، بس عمري وصحتي اللي باقيين مش هضيعهم تحت رجليكم ثانية واحدة تانية.”
أمي اتدخلت بسرعة، وبدل ما تهدي الموضوع، زادت النار حطب وقالت بشرشحة:
* “سيبها تغور يا معتز! فاكرة نفسها مين؟ دي بتتمرد عشان اتجوزت عليها! بكرا تروح لبيت أهلها وتعرف قيمتك وتجيلك زاحفة تبوس رجلك عشان ترجعها، ارميلها هدومها في الشارع!”
مشيرة بصت لأمي نظرة أخيرة، نظرة عتاب ممزوجة بقرف، وقالتلها:
* “كتر خيرك يا حمايا.. دي برضه آخرة خدمتي ليكي ولقمتي اللي كنت بحطهالك في بوقك وأنتِ عيانة.”
ولفت وشها ومشيت ناحية باب الشقة.. أنا هنا حسيت بجد إنها بتضيع من إيدي، وإن الموضوع مش مجرد زعل وهيروح لحاله. مشيت وراها بسرعة ومسكتها من دراعها بغضب:
* “مشيرة! أنتِ لو خرجتِ من الباب ده دلوقتي… ”
وقبل ما أكمل جملتي، نفضت إيدي من على دراعها بقوة وعنف مكنتش أتخيل إنها تملكهم، وبصتلي وعينيها بتطق شرار وقالت:
* “لو خرجت هتعمل إيه؟ هتطلقني؟ ما أنا اللي بطلبها منك أهو وبقولك طلقني برضاك بدل ما أخلعك في المحاكم وأعرّيك قدام الغريب والقريب يا معتز!”
وفجأة، فتحت باب الشقة وخرجت، ورزعت الباب وراها رقعة هزت البيت كله، وسابتني واقف في وسط الصالة، بين أمي اللي عمالة تدعي وتبرطم، وماسة اللي قاعدة تبصلي بخوف، والأكل اللي ملى السفرة وبقى ملوش أي طعم…
ساد صمت تقيل في الصالة، وصوت “رُزعة” الباب لسه بيرن في ودني. كنت واقف مصدوم، بفكر في نظرة عين مشيرة وهي ماشية، وبحاول أستوعب إنها بجد سابت البيت وخرجت.
فجأة، حسيت بإيد ناعمة بتشد كُم قميصي، وبصوت رقيق ومليان دلال مصطنع، سمعت ماسة بتقولي:
* “أنت زعلان عشانها ولا إيه يا معتز؟ أوعى تكون بتحبها!”
بصيتلها، كانت بتبصلي بنظرة كلها شك ودهاء، وكملت وهي بتقرب مني أكتر وتتكلم بصوت واطي ومسموم:
* “مش إنت اللي قولتلي إنك مخليها على ذمتك بس عشان تخدم أهلك؟ أهي جت منها وغارت في داهية.. ريحتك وريحتنا. طلقها بقى يا حبيبي وخلصنا، ووفر القرشين اللي كنت بترميهم لها دي.. أنا والبيبي أولى بيهم، والفلوس اللي كنت بتضيعها عليها دي أولى بيها أنا وأنت وابننا اللي جاي.”
كلمة “أولى بيهم” رنت في ودني زي الجرس، وبدأت مشاعر الندم على مشيرة تتبخر وتتحول لمصلحة بحتة.. حسيت إن كلام ماسة منطقي، وإن اللي حصل ده فرصة عشان أبدأ حياة جديدة بفلوسي وراحتي من غير ما حد يطالبني بـ “حقوق” أو وجع دماغ. هزيت راسي إيجاباً وأنا بحاول أقنع نفسي إن ده الصح، وبصيت لأمي اللي كانت واقفة بتبصلي بانتظار رد فعل، وكأنها بتقولي “مسمعتش كلامها ليه؟”، وبدأت فعلاً أقتنع بفكرة ماسة…
بصيت لماسة وهي بتتكلم بالطريقة دي، ولقيت كلامها بيلمس حتة جوايا كنت بحاول أداريها. الشيطان شاطر، وزين لي كلامها في ثانية؛ قولت لنفسي فعلاً.. هي اللي مشيت برجلها، وهي اللي اختارت تسيب البيت وتطلب الطلاق وتتخلى عني وعن أمي في وقت كنا محتاجينها فيه.
نفضت كُم قميصي براحة وبلعت ريقي وأنا بحاول أظهر بمظهر الراجل القوي اللي مفيش حاجة تكسره، وقولت لماسة وأنا بطبطب على كتفها:
* “عندك حق يا ماسة.. اللي يبيعنا نبيعه، وأنا مفيش واحدة تكسر كلمتي ولا تلوى دراعي. هي اللي اختارت تمشي وتخرب على نفسها.”
التفت لأمي اللي كانت واقفة متابعة الحوار وعينيها بتلمع بانتصار وقالت:
* “أيوا كدة يا واد يا معتز، ده أنا ربيتك راجل وسيد الرجالة! سيبك منها بكرا تندم وتعرف إن الله حق.. المهم دلوقتي ادخل ارتاح أنت ومرتك، وأنا هلم الأكل ده وأشيله في التلاجة، والصباح رباح.”
دخلت الأوضة مع ماسة، بس السرير مكنش مريح زي كل مرة. كنت نايم وجنب السرير التاني المزين بالدلع، بس كان فيه صوت جوايا مكتوم.. صوت مشيرة وهي بتصرخ “لما أنا كنت حامل مين شالني؟!” وصوت ضحكتها الهستيرية اللي وجعت قلبي غصب عني. حاولت أطرد الأفكار دي من دماغي وأنا بضم ماسة ليا وبقول لنفسي: “المهم ابني اللي جاي.. المهم حياتي الجديدة.”
عدى أسبوعين، ورجعت شغلي في المحافظة التانية واخدت ماسة معايا. كنا عايشين حياتنا، بس الدنيا مابقتش وردي زي الأول. حمل ماسة بدأ يتقل بجد، ومبقتش قادرة تعمل كوباية مية لنفسها، وكل شوية تشتكي وتتأفف وتطلب دليفري أو تطلب مني أقف أنا اطبخ وأغسل المواعين بعد ما أرجع من شغلي هلكان.
في يوم وأنا واقف في المطبخ بوقفتي المهدودة وبغسل المواعين بعد يوم شغل طويل، افتكرت مشيرة.. افتكرت إني عمري ما شوفتها ماسكة مقشة وبتشتكي، عمري ما طلبت مني أساعدها في لقمة، كانت بتعمل كل حاجة وهي ساكتة وراضية، وبلقمتها الحلوة كانت بتستقبلني بابتسامة رغم تعبها.
وقفتي دي قطعتها رنة تليفوني.. كان رقم غريب. مسحت إيدي في الفوطة بسرعة ورديت:
* “ألو.. مين معايا؟”
جالي صوت راجل وقور وجاد جداً على الناحية التانية وقال:
* “معتز معايا؟ أنا الأستاذ مجدي المحامي، موكل من مدام مشيرة.. وببلغك إننا رفعنا قض*ية خلع ونفقة، وبنطالب بكافة حقوقها الشرعية والمؤخر، بالإضافة لقض*ية تبديد منقولات زوجية لأننا عرفنا إنك نقلت حاجتها في بيت أهلك من غير علمها.”
التليفون كان هيفلت من إيدي، والدم هرب من عروقي فجأة…سكتّ لثواني والتليفون على ودني، والمحامي كمل كلامه وحذرني إن قدامي أيام قليلة قبل ما الإجراءات الرسمية تبدأ في المحكمة. قفلت السكة وأنا حاسس إن جبل نازل فوق دماغي، والبيت كله بيلف بيا. قض*ية خلع؟ وتبديد منقولات؟! مشيرة اللي كانت مابتفتحش بوقها بكلمة، هتقف قصادي في المحاكم وتجرجرني؟!
طلعت من المطبخ وأنا وشي جايب ألوان، ولقيت ماسة قاعدة على الكنبة، حاطة إيدها على بطنها وبتتأوه بوجع وعياط مصطنع:
* “آه.. الحقني يا معتز، أنا مش قادرة خالص، ضهري هينقسم نصين والبيبي عمال يتحرك ويتعبني.. أنت سايبني تعبانة كدة وواقف في المطبخ بتعمل إيه كل ده؟!”
قبل ما أنطق ولا أقولها على مصيبة المحامي، تليفوني رن تاني، بس المرة دي كانت أمي. رديت وأنا مخنوق:
* “أيوة يا أمي.. خير؟”
أمي أول ما سمعت صوتي، قالتلي بنبرة كلها أمر ولؤم:
* “جرى إيه يا معتز، صوتك عامل كدة ليه؟ سيبك من الهم دلوقتي واسمعني.. أنا كنت قاعدة بفكر في مرتك ماسة، البت لسه صغيرة وبكرية، وحملها تقيل عليها في الغربة لوحدها وأنت طول النهار في الشغل. هتعمل إيه هناك وتخدمك إزاي؟”
بلعت ريقي وقولتيلها:
* “طب والعمل يا أمي؟ ما أنا واخد بالي منها أهو على قد ما أقدر.”
أمي زعقت وقالت:
* “تاخد بالك منها إيه يا خايب! أنت راجل وراك شغلك.. اسمع الكلام، أنت تجيب ماسة وتيجي تقعد معايا هنا في البلد. البيت واسع، وأنا هقعد معاها، تخدمها وتريحها من تعب الحمل ده لحد ما تقوم بالسلامة، وأهو بالمرة اللقمة اللي نعملها ناكلها سوا بدل بهدلتك في الغربة دي لوحدك.”
ماسة كانت سامعة صوت أمي العالي من التليفون، وفجأة عينيها لمعت والوجع اختفى، وشاورتلي بإيدها وهي بتبتسم وبتقولي من غير صوت: “أيوة.. وافق بسرعة!”.
أنا حسيت إن كلام أمي جالي من السماء؛ قولت لنفسي فعلاً، أهو ماسة ترتاح هناك وأمي تشيلها، وأنا أفضى للمصيبة اللي طبّت فوق دماغي من ناحية مشيرة ومحاميها، وأعرف أتصرف في حكاية العفش والقواضي دي من غير ما ماسة تقعد تزن فوق دماغي هنا.
بصيت لماسة وقولت لأمي في التليفون:
* “ماشي يا أمي، كلامك صح.. أنا هلم الهدوم وهجيب ماسة ونيجي على أول الأسبوع، أهو تكوني جنبها وتريحيها فعلاً.”
قفلت مع أمي، وماسة قفزت من مكانها وفرحت وقالت: “يا حبيبي يا معتز! أهو كدة كتر خيرها حماتي، هروح هناك أتصيت وأرتاح والكل يخدمني!”.. مكنتش تعرف، ولا أنا كنت داري، إن الخطوة دي هي بداية الهدد الحقيقي، وإن أمي اللي كانت بتدلعها وهي ضيفة، حساباتها هتتغير تماماً لما تعيش معاها في بيت واحد…
واللى انا مكنتس اعرفه إن لكل واحدة فيهم حسابات تانيه خالص وانى هكون ضحيتهم
