ج الاخير طعم الخيانة بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

ج الاخير

غصت في أفكاري السودا وأنا مش عارفة ولا قادرة أحدد: 

هل اللي أنا عملته ده كان صح، وإني هربي ولادي بعيد عن أب خاين وضال عشان سلوكهم متتأثرش بيه بالسلب؟ ولا أنا غلطت وتسرعت ودمرت نفسيتهم، والحياة في بيت فيه أب —مهما كان— أهم من أي حاجة تانية؟ فتحت عيوني والدموع نازلة على خدي شلالات وأنا بسأل نفسي السؤال اللي هيفضل يطاردني ويقيد منامي لآخر العمر: 

هل أنتِ اتطلقتي بجد لأجل ولادك وتربيتهم صح بعيد عن قذارة أبوهم.. ولا اتطلقتي وخرّبتِ بيتك بس عشان تشفي وجعك وكبريائك اللي اتداس من الخيانة؟

مرّت ست شهور كاملين على اليوم المشؤوم ده، اليوم اللي انكتبت فيه نهاية عيلتي واتوقعت ورقة الطلاق. ست شهور والبيت الجديد اللي نقلت فيه برفقة ياسين وليلى في شقة أهلي شايل هدوء قاتل، هدوء أشبه بهدوء المقابر، مبيكسرهوش أي صوت سوى الراديو اللي مبقتش أطيق ولا أستحمل تشغيله على إذاعة القرآن الكريم؛ لأن صوته النقي بقى في ثانية بيعصر قلبي ويذكرني بأجمل وأدفى اللحظات اللي عشتها في بيتي القديم وسرقها وغدر بيها شريف.

كنت واقفة قدام المراية في غرفتي الجديدة ببيت أهلي، وبصيت لملامحي وأنا بتساءل بكسرة: هو أنا لسه حنان بتاعة زمان؟ ملامحي غدت أكتر حدة وقساوة، والهالات السودا اللي حفرت تحت عيني بقت بتحكي وتلخص قصة ليالٍ طويلة وطاحنة قضيتها صاحية باكل في نفسي بالأسئلة والندم. في وسط المتاهة دي،

الباب انفتح بالراحة ودخلت ليلى بنتي، كانت شايلة في إيدها كشكول الرسم بتاعها، وجت قعدت على طرف السرير بصمت وسرحان مريب صار عادة لازماها من يوم ما انفصلنا واتهد بيتنا.

قربت منها، وبست راسها بحنان وأنا بحاول أبتسم وقلت: 

“وريني يا نودي.. رسمتِ إيه حلو النهاردة في كشكولك؟”

فتحت الكشكول قدامي، وفي ثانية دقات قلبي وقفت وحسيت برعب. كانت البنت الصغيرة رسمت بيتنا القديم بالملي، ورسمتني أنا وأنا واقفة في المطبخ بطبخ، ورسمت أخوها ياسين وهو بيلعب بالكرة في الصالة، ورسمت راجل واقف بعيد قوي، عند باب الشقة، من غير ملامح وش خالص..

كأنه مجرد خيال أو طيف معدي. سألتها بحذر شديد والوجع بيعصر أحشائي:

 “مين ده اللي واقف عند الباب يا حبيبتي؟”

الكاتبة نرمين عادل همام

ردت عليا بنبرة طفولية هادية وخالية من أي حيوية أو فرحة:

 “ده بابا يا ماما.. أنا بقيت مش فاكرة ملامح وشه قوي وشكله غاب عني، هو ليه مبقاش يجي يفتح الباب ويشوفنا؟ هو لسه زعلان مني ومخاصمني عشان مكنش فاضي يومها يشوف شهادة جزء تبارك؟”

الكلام نزل عليا زي الصاعقة، وانفجر صدري بالبكا الصامت، وشدتها لحضني وضميتها لقلبي وأنا بقسم في سري وغلياني إن شريف محرقش قلبي وكبريائي أنا وبس، ده حرق وكسر طفولة عياله اللي ملهمش ذنب. ياسين كمان، ابني الكبير، بقيت بلاحظ عليه إنه بقى عدواني وعصبي في مدرسته،

بيفتعل المشاكل والخناقات مع صحابه من مفيش، وكل ما كنت باجي أواجهه وأحاسبه، يبص في عيني بنظرة لوم وعتاب ثقيلة تذبحني، كأنه بيقولي بكتمة:

 “أنتِ اللي حرمتِني من أبويا وبيتنا”. الفجوة الكبيرة والشرخ اللي كنت خايفة منهم في بيت بلا أب بدؤوا فعلاً يلتهموا عيالي ويغيروا سلوكهم، وأنا واقفة مشلولة وعاجزة، وبقيت بسأل نفسي كل ليلة والنار قايدة في صدري: 

هل كبريائي وجرحي الأنثوي عمياني عن مصلحة الصغار وهديت البيت فوق راسهم؟

وفي يوم إجازتي من الشغل الهندسي، كنت نازلة وبسير في السوق وسط المحلات عشان أشتري شوية مستلزمات وطلبات للولاد، والزحام والدوشة من حواليا في كل حتة ماليين المكان. وفجأة، وبدون أي مقدمات، تجمدت الدماء في عروقي وجسدي خشب مكانه. على الرصيف المقابل ليا عل طول، لمحت خيال راجل وعيني ثبتت عليه.. رأيته.

كان شريف! بس الصدمة إنه مكنش شريف المهندس الشيك اللي أنا عارفاه وحافظة تفاصيله. كان واقف يرتدي قميص مبهدل ومجعد، وشه شاحب وأصفر كأنه عيان، وذقنه نابتة وطويلة بإهمال غريب عليه،

وجسده فقد كتير من وزنه وبان عليه الهزال. كان واقف مكسور قدام محل بقالة بسيط في الشارع، وبدت عليه علامات الانكسار، والهم، والذل لدرجة توجع القلب. تراجعت خطوتين لورا وخفت وكدت أهرب من طريقي، لكن في نفس اللحظة عينه رفعت والتقت بعيني مباشرة.

دارت الأرض بيا من هول المفاجأة، وحسيت إن رجلي ثبتت في الأرض ومبقتش قادرة أتحرك خطوة. قرب مني بخطوات ثقيلة، مهمومة ومترددة كأنه خايف، وقف على بُعد مترين بالظبط، وبص في عيني بنظرة عمري ما شفتها في عينه طوال سنين زواجنا وعيشتنا سوا.. نظرة ندامة حقيقية، صافية، وخالية تماماً من الكبر، والفجر، والبجاحة اللي واجهني بيهم في بيت أهلي يوم خناقتنا.

اتنحنح بصوت نبرته متحشرجة وناشفة من القهر وقال: 

“إزيك يا حنان.. وازي ياسين وليلى؟ عاملة إيه في دنيتك؟”

رديت عليه بجفاء شديد وقساوة حاولت بكل ما فيا من قوة وطاقة أصطنعهم عشان مأبانش ضعيفة قدامه: 

“الحمد لله.. إحنا في فضل ونعمة كبيرة من ربنا.”

ساد الصمت بيننا في نص الشارع، صمت رهيب وثقيل يهد الحيل، مرت فيه ذكريات العمر كله وسنين بيتنا الهادي في ثواني. نظر للأرض بكسرة وخجل وقال بصوت مخنوق ودموعه محبوسة:

الكاتبة نرمين عادل همام

 “أنا خسرت كل حاجة في دنيتي يا حنان.. خسرت كل حاجة وبقيت في الأرض من يوم ما مشيتِ وسيبتيني، والبركة شالت إيدها من حياتي وشغلي ومكتبي. الست اللي كنت فاكرها سند وأنيس وحب، ياسمين.. أول ما عرفت إن الفلوس رجعتلي تالت ومتلت لجيبي، وإن مرتب الشركة كله حجزت عليه المحكمة لنفقة العيال، 

وإن الشقة راحت ومفيش مكان ملك، اختفت وتبخرت في ثانية! عملتلي بلوك من كل حتة، ورمتني برة حياتها زي ورقة شجر دبلانة ملهاش عازة.. أنا فوقت وعرفت إني بغبائي بعت الجنة الحقيقية واشتريت جهنم برخيص قوي يا حنان.”

كنت بستمع لكلامه في نص الشارع والنار بتهرس وتأكل في أحشائي من كتر القهر، بس الغريب إني ملقتش جوايا أي مكان للشماتة في ضياعه؛ بل بالعكس، حسيت بحزن عميق وكسرة نفس على راجل كنت في يوم من الأيام شيفاه ملء السمع والبصر، وكنت بتباهى بيه وبشطارته باشمهندس كبير وسط الناس،

إزاي هان على نفسه بالشكل ده ووصل للدرجة دي من الذل والهوان؟

تابع كلامه والدموع خلاص بدأت تترقرق في عينيه وتنزل على وشه الشاحب:

 “أنا مش جاي أقف قدامك النهاردة وأطلب منك ترجعيلي يا حنان.. أنا مش بجاحتي القديمة، وعارف كويس ومقتنع إني مطرود من جنتك للأبد، وإني مأستاهلش منك حتى نظرة رضا أو عطف واحدة بعد اللي عملته. أنا بس واقف قدامك وبترجاكي تطلعي الكلمة دي من قلبك وتسامحيني.. الشك والنكد والضغط اللي عيشتك فيهم، والكلام القذر والتهديد اللي قلتهولك بكل فجر في بيت أهلك.. أنا كنت مغمى على عيني وعقلي كان مسلوب ومسحور بالسكة الشمال. أنا مابقتش بدوق النوم، وبنام كل ليلة والذنب خانقني وهيقتلني..

سامحيني يا حنان عشان أقدر أتنفس وأعيش، وخليني أشوف عيالي.. وحشوني قوي، ياسين وليلى وحشوني وبموت في اليوم مية مرة من غيرهم.”

بكى شريف في وسط الشارع وفي العلن بكاء مر ومكتوم، كأنه طفل ضايع من أمه في الزحام ومش لاقي مأوى. نظرت إليه بقلب الست الأصيلة اللي عاشرته على الحلوة والمرة، وحسيت في اللحظة دي إن جبل الغضب الأعمى والغل اللي كان جائم على صدري وخانقني طوال الست شهور اللي فاتوا بدأ يتفتت،

ويصغر، ويتحول لدموع دافية. تذكرت حنان العاقلة، الحكيمة اللي بتخاف ربنا، وتذكرت إن ربنا بعظمته بيغفر الذنوب جميعاً لعباده لو تابوا. أخدت نفس عميق وكتيم مل صدري، ومسحت بصباعي دمعة فرت من عيني وغرقت خدي، وقلت بنبرة هادية جداً، بس طالعة حاسمة ومفيهاش تراجع:

“أنا مسامحاك يا شريف.. مسامحاك لوجه الله الكريم ولأجل السنين الحلوة والمسامحة والعشرة اللي عشناها سوا قبل ما الشيطان يدخل بيننا ويهد سقفنا. أنا مش شايلة منك غل ولا كره في قلبي دلوقتي، وخلاص صفيت من ناحيتك.. لكن الرجوع بيننا مستحيل، الشرخ والكسر اللي حصل في قلبي وفي ثقتي بيك كراجل وجوز أكبر بكتير من إنه يتداوى أو يتصلح بكلمتين.. ورقة الطلاق اللي في جيبي دي كانت نهاية حنان الزوجة للأبد.”

تنهد بكسرة تهد الحيل، وهز رأسه بقلة حيلة كأنه كان متوقع ومجهز نفسه للرد ده وعارف قيمته: “حقك يا بنت الأصول.. وعارف ومقتنع إن ده قليل عليا وعلى اللي عملته فيكي.”

كملت كلامي معاه وأنا بظبط الشنط في إيدي:

 “أما بالنسبة للولاد.. فهما ولادك زي ما هما ولادي بالظبط، وعمري في حياتي ما هكون الست الناقصة اللي تحرم أب من عياله، ولا هطلعك في يوم من الأيام وحش أو خاين في نظرهم عشان نفسيتهم. ياسين وليلى محتاجين وجودك في حياتهم كسند، وتقدر من الأسبوع ده تيجي تاخدهم وتعد معاهم وتخرجهم كل إجازة.. بس امانة عليك، ربيهم على الدين، والأصول، والصلاة اللي كنت بتعلمهالهم زمان وبتقف بيهم جماعة، ورجّع شريف القديم النظيف عشانهم وعشان مستقبلهم.. هما ملهمش أي ذنب في غلطتنا وضياعنا.”

لمعت عيناه الشاحبة ببريق أمل صغير وصافى بعد كلامي، وقال بنبرة ممتنة: “شكراً يا حنان.. طول عمرك أصيلة وبنت ناس، وأنا الراجل الغبي اللي خسرتك وضيعت الجنة بإيدي.”

التقيت بيه في اليوم ده وسط السوق، وعدت لبيت أهلي وأنا حاسة لأول مرة من ست شهور كاملين براحة حقيقية وسلام داخلي ملوش مثيل. انقشع الكابوس الأسود اللي كان محاصرني، وزال الشك، وتبدد الرعب اللي كان بياكل في قلبي. عرفت ووفقت في اللحظة دي إنني مخرّبتش بيتي تسرعاً ولا من أجل كبريائي الأنثوي وعنادي؛ بل اتخذت الموقف الصح والشرعي اللي يحمي كرامتي، وكرامة أولادي، ويحط حدود للأصول، وفي نفس الوقت حافظت على إنسانيتي، ورحمتي، وأصلي في الخصومة.

الكاتبة نرمين عادل همام

قعدنا في المساء سوا في الصالة، وضمتهم ليا وأخبرت ياسين وليلى بنبرة فرحة إن باباهم هيتصل بيهم بكرة الصبح عشان يمر عليهم وياخدهم في فسحة ونزهة كبيرة يقضوا اليوم سوا. أول ما نطقت الكلمتين، رأيت الفرحة الحقيقية بتطير من عيونهم الصافية، والضحكة رجعت تنور وشوشهم الصغيرة اللي كانت دبلانة من الحزن.

 غصت في فراشي وفي سريري الليلة دي بقلب هادي، وأغلقت عينيّ وأنا بنطق لنفسي وجوايا يقين ثابت

: “الحياة مابتصلش لنهايتها عند خيانة، ولا بتنتهي الدنيا عند ورقة طلاق.. إحنا اللي بإيدينا وبإيماننا بنصنع بداياتنا الجديدة من وسط الركام، وطالما إن ربنا معانا وفي ظهرنا، فالخسارة مجرد خطوة وبداية على طريق التعافي والوقوف من تاني.” وبدأت، ولأول مرة من شهور، أنام مطمئنة ومرتاحة البال.

الكاتبة نرمين عادل همام

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *