ج2 حكايات بسمة
ج2

خرج أحمد متكلبش بين أمناء الشرطة، وصوت خطواتهم على السلم كان بيتردد في العمارة كلها زي إعلان رسمي بنهاية زمن الخوف والرضا بالمذلة. وقفت في نص الصالة، الشقة كانت فاضية وساكتة بس السكوت المرة دي مكنش كئيب زي زمان، كان سكوت الانتصار بعد معركة طويلة اتلعبت في الخفاء.
سارة كانت واقفة عند الباب، جسمها كله بيترعش ودموعها نازلة في صمت. قربت منها، حطيت إيدي على كتفها وهزيت راسي بتفهم. بصت لي وقالت بصوت مكسور:
“أنا خايفة يا نورهان.. خايفة من اللي جاي. أمي لو عرفت إن أحمد اتقبض عليه من قلب الشقة هنا، مش هتسكت.. هتلم عليكِ الشارع والعيلة كلها، وهتقول إنك أنتِ اللي ورطتيه وجبتِ له الشرطة لحد عنده.”
ابتسمت بسخرية وأنا بمسح دموعها:
“تلم اللي تلمه يا سارة.. العيلة اللي تتستر على التزوير والسرقة وتشوف ظلم الابن لمراته وتسقف له، ما يلزمنيش رأيها في حاجة. أنتِ عملتِ الصح لما جيتِ وحطيتِ الملف ده في إيدي.. أنتِ حريتي وحميتِ نفسك من إنك تكوني مشاركة في الظلم ده.”
سارة مسحت دموعها ونزلت بسرعة قبل ما حد من الجيران يحس بوجودها، وأنا قفلت الباب بالمفتاح والمغلاق. رحت على أوضة النوم، قعدت على طرف السرير المكسور اللي كل ما أتحرك عليه كان بيطلع الصوت اللي حفظته على مدار سنين.. الصوت اللي كان أحمد بيحرم نفسي من إنه يتغير عشان يوفر فلوسه ويروح يتباهى بيها قدام أهله. مسكت التليفون وفتحت تسجيل المكالمات والرسائل اللي كنت محتفظة بيها على مدار الشهرين اللي فاتوا.
القصة مكنتش قصة غسالة عطلت أو سرير بيزيق.. القصة بدأت من شهرين لما بالصدفة كنت بنظف الجزمة القديمة بتاعة أحمد عشان أرميها، ولقيت في القاع بتاعها ورقة مطوية بدقة شديدة. لما فتحتها، كانت إيصال أمانة بمبلغ كبير جداً، ومكتوب فيه اسم أحمد واسم راجل غريب. وقتها شككت إن فيه حاجة غلط.. راجل كل يوم يشتكي من الفقر ومن الغلاء، وبيحاسبني على كل جنيه نزل في الميزانية، منين يكتب على نفسه إيصالات بالمبالغ دي؟
ومن اليوم ده، قررت أبقى مراقبة ومحاسبة في نفس الوقت. بدأت أتابع حركاته، تليفوناته، والأوراق اللي بيجيبها ويحطها في شنطة الشغل. اكتشفت إنه مش بس بياخد مرتبه، ده بياخد مكافآت دورية من شغل التوزيع اللي بيعمله لحسابه الخاص، وبيدخل جمعيات بمبالغ خيالية، والفلوس دي كلها مكنتش بتدخل بيتنا.. كانت بتروح في حساب جاري باسمه، وبتحولات شهرية بيبعتها لأمه عشان تصرف منها وتشتري بيها ذهب وصالونات وتتباهى قدام سلفاتها وأقاربها إن ابنها “البدري” شايلها فوق راسه.

