ج الاخير عشر سنين جواز بقلم نرمين عادل همام
ج الاخير
الصبح صحي بدري أوي عن عادته، بدري لدرجة غريبة.. كان باين على وشه ومشيته إنه مشتاق ومش قاد يعقد عشان يبدأ “النظام الجديد”، ويمتع نظره بيا وأنا محتاسة، بلف حوالين نفسي وضايعة ومش عارفة هجيب نص المصاريف منين.
دخل المطبخ بكل ثقة، لقا السكة أمان والمنظر مكنش في حساباته خالص؛ كنت قاعدة على كرسي السفرة، حاطة رجل على رجل، وبشرب فنجان القهوة السادة بتاعي بمنتهى الهدوء والروقان. البيت زي الفل ومتروق، العيال نزلوا مدرستهم وباصهم جه في معاده، وكل حاجة في الشقة ماشية طبيعي.. طبيعي زيادة عن اللزوم، لدرجة تخوف وترّيب أي حد.
نرمين عادل همام
بص في ساعة اليد بتاعته، ونحنح كدة وقال بلهجة فيها حتة تعالي وقرف:
“بصي يا منار.. إحنا لازم نقعد النهاردة ونتفق على كل التفاصيل والمليم قبل القرش، عشان من أول الشهر الجديد كل واحد يبقى عارف اللي ليه واللي عليه، ومحدش ييجي يشتكي.”
قلتله وأنا بنزل فنجان القهوة من إيدي ببرود قاتل:
“ما تقلقش نفسك يا حسام.. أنا رتبت كل حاجة فعلاً، ووفرت عليك التفكير.”
قعد قدامي على الكرسي وهو متحفز وكاتم نفسه.. كان فاكرني هعيط؟ هتوسل؟ هقوله “بوس إيدك يا حسام بلاش والنبي، خلينا زي ما إحنا وعشان خاطر شكلنا قدام الناس وعشان العيال ميتشحططوش”؟
بكل ثبات، مديت إيدي على التربيزة وحطيت قدامه ظرف بني كبير وتقيل.
بص للظرف باستغراب ورفع عينه: “إيه ده؟” قلتله: “دي نسخة من عقد الشركة اللي إنت مكبر فيها ومصدق نفسك وعايش فيها دور المليونير العصامي.”
سكت فجأة.. وملامحه كلها اتشدت، واللون هرب من وشه. فتحتله الظرف وطلعت الورق، وجبت الصفحة اللي كنت معلّمة فيها بالملي بقلم فسفوري عريض عشان يشوف كويس وميقعدش يفر كتير.
“بص كدة يا حسام بيه.. اقرأ البند 12 ده كويس: في حالة الانفصال، أو إعادة هيكلة الملكية، يحق للطرف الضامن نسبة 50% من إجمالي الأصول المسجلة للشركة وقت التأسيس، وأي توسعات أو فروع لاحقة تنتج عنها.”
رفع عينه من على الورق ببطء، والشرارة بدأت تظهر في عينيه وشفايفه اترعشت: “إنتي فاهمة الورقة دي والبلبلة دي معناها إيه؟ إنتي كدة عايزة تخربي الشركة وتوقفي حالي؟”
ابتسمت ابتسامة انتصار حسستني إني باخد حقي تالت ومتلت: “آه فاهمة.. وعارفة كويس أوي. معناه إن لو هنقسم بالنص زي ما الباشا قال.. يبقى نقسم بجد وحق الله، مش تقسم معايا فواتير الكهرباء والمية وتمن المنظفات وتجري تسيب الملايين والأصول لنفسك وللشقة التانية!”
سحب الورق من إيدي بسرعة وبدأ يقلب الصفحات بجنون، وعينيه رايحة جاية بين السطور.. إيده كانت بترتعش خفيف وهو بيقرأ صيغة قانونية صرف ملوش فيها أي مخرج أو ثغرة يهرب منها.
قلتله بصوت واطي وهدوء يقتله:
“فاكر يوم ما البنك قفل الباب في وشك ورفض يمولك بربع جنيه عشان معندكش ضامن؟ فاكر مين اللي راحت فكت شهاداتها وحطت مدخراتها وشقا عمرها كله وورثها من أبوها عشان تبقى ضامن للشركة دي؟ فاكر إمضتك هنا اللي كانت بتبوس إيدي وراسي عشان أمضيها وأشيلك من الزنقة؟”
ما ردش.. فكملت وكأني بغرس الخنجر لآخره:
“أنا صحيح قعدت في البيت وسِبت شغلي يا حسام.. بس ما سبتش عقلي، ولا نسيت أصولي، ولا نسيت أنا مين وبفهم في إيه.”
نرمين عادل همام
البيت كله سكت لحظة.. سكتة مرعبة، سكتة ما قبل العاصفة. حاول يبلع ريقه ويضحك ضحكة مهزوزة ومكسورة وقال: “إنتي بتهزري يا منار.. أكيد إحنا عشرة عمر ومش داخلين حرب مع بعض عشان حتة ورقة!”
وقفت من على الكرسي بكل ثقة وفردت ضهري وقلتله وأنا بصلح ياقة بلوزتي:
“ولا أنا داخلة حرب ولا نيلة.. إنت اللي بدأت، وإنت اللي حطيت القواعد والخطط من ورايا.. أنا بس بلعب على طريقتك وبنفس القواعد اللي إنت اخترتها.”
وقف فجأة وهو مش على بعضه، الدموية طارت من وشه تماماً:
“يعني إنتي بتتكلمي جد؟ ناوية تاخدي نص كل حاجة بجد؟”
بصيت حواليا في الصالة ببرود وثبات عمري ما حسيته قبل كدة:
“زي ما إنت قلت بالظبط يا حسام.. خمسين خمسين، وفير أوي.” المرة دي م عرفش يبتسم، ولا عرف يداري الصدمة اللي شلت حركته.
في نفس الأسبوع، المحامي بتاعي كلمه على الموبايل. أنا م دخلتش معاه في خناق ولا مهاترات ولا صوت عالي.. هو اللي اتفاجئ لما عرف إن فيه استشارة قانونية ودعوى متسجلة باسمي، وبقالي “شهرين” بجهز لها ومرتبة مع المحامي كل خطوة.
آه.. أنا كنت شايفة العلامات من بدري، وشامة ريحة الغدر واللف والدوران، بس كنت ساكتة وبراقب في صمت.. والسكوت ده هو اللي جابه الأرض وخلاه مش عارف يصد منين ولا منين. المحامي قالهالي وقالهاله بصراحة في التليفون: “لو الموضوع ده وصل للمحاكم.. موقف مدام منار أقوى من الحديد، وهتطلعك على الأبيض.”
قوي.. الكلمة دي وجعته وهزت ثقته في نفسه وفي ذكائه اللي كان فاكر إنه ملوش مثيل، هزته أكتر من أي حاجة ثانية في حياته.
بعد يومين رجع البيت متأخر جداً، وشه مجهد ومخطوف، وعينيه مش جاية في عيني خالص، هربان من المواجهة. قال وهو بيفك كرافتته بتعب ونهج مكتوم:
“منار.. ممكن نقعد مع بعض ونتكلم بهدوء شوية؟”
نرمين عادل همام
قلتله وأنا باصة في كتاب في إيدي ومن غير ما أرفع عيني:
“إإحنا بنتكلم بهدوء بقالنا أسبوع يا حسام، إيه الجديد اللي عندك؟”
قعد على الكرسي وقرب القدام، وقال بصوت واطي ومكسور، نبرة عمري ما سمعتها منه: “أنا.. أنا اعترفت إني غلطت في طريقة الكلام معاكي المرة اللي فاتت، ومكنش ينفع أسلوبي يبقى كدة.”
رديت عليه بمنتهى القسوة الهادية، القسوة اللي بتطلع من ست اتظلمت لآخر نفس: “غلطت في طريقة الكلام؟ ولا غلطت في ‘الخطة’ اللي كنت راسمها وحاسبها ومطلعتش مظبوطة على مقاسك؟”
سكت تماماً.. ونزل راسه في الأرض، والسكوت ده في حد ذاته كان أكبر اعتراف بجريمته. كملت وأنا بوجّه الضرب في مقتل وبصيت في عينيه: “والست التانية اللي إنت مرتبلها حياتها في شقة 8 فوقينا في نفس العمارة؟ نظامها إيه في الخمسين خمسين؟ هتشيل معاك في فواتير الغاز والمية برضه ولا دي ليها حسبة تانية خالص؟”
وشه اصفرّ زي الليمونة، والدم هرب من عروقه، ووقع منه الكلام وهو مبرق:
“إنتي.. إنتي دخلتي على اللابتوب بتاعي وشُفتي الملفات؟!”
قلتله بمنتهى البرود وثبات صخرة:
“إنت اللي سيبته مفتوح في الضلمة ونوره عماني.. وإنت اللي بدأت تلعب معايا على المكشوف، فمتزعلش بقا لما تلاقيني قريت ورقك كله.”
مقدرش ينكر ولا يفتح بقه بكلمة إنكار واحدة، الخيوط كلها كانت في إيدي، بس م قدرش برضه ينطق بكلمة اعتراف كاملة لسه كبريائه كاسره. قال بلجلجة وتلعثم وهو بيمسح عرق جبينه: “الموضوع.. الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة خالص يا منار.. إنتي مكبرة الحكاية ومدخلة الأمور في بعضها.”
ضحكت ضحكة قصيرة ومرة، ضحكة وجع ممزوج بالسخرية: “أيوه فعلاً.. إنت عندك حق، الموضوع مش زي ما أنا فاهمة.. الموضوع أسأل وأوسخ بكتير مما كنت أتخيل أو يتصوره عقل.”
الأسبوع اللي بعده بقا، حصل اللي هو عمره ما كان يتخيله ولا يجي في أحلامه وكوابيسه. حسام كان فاكر إني هخاف، إني هترعب من مواجهة الدنيا والناس لوحدي برة حضنه. كان فاكر إني مش هعرف أرجع لسوق الشغل ولا أواكب العصر بعد العشر سنين اللي قعدتهم في البيت وسط المواعين وتربية العيال. كان فاكرني هتمسك بالبيت ده وبالعيشة المرة معاه عشان معنديش بديل، ولا حيلتي مليم، وماليش ضهر.
بس أنا م ضيعتش ثانية واحدة. نفضت التراب عن الـ CV بتاعي، وظبطته، وقدمت في كذا شركة إنترناشيونال من التقال في السوق. واتقبلت في أكبر وأحسن شركة فيهم! المدير القديم بتاعي في الشغل، أول ما سمع اسمي وعرف إني ناوية أرجع، كلمني بنفسه وقالي جملة ردت فيا الروح وفتحت أبواب الأمل: “إحنا استنينا الخطوة دي من زمان يا بشمهندسة منار.. مكانك وقيمتك لسه زي ما هم، ومحدش عرف يملا مكانك طول السنين دي.”
عشر سنين.. وأخيراً، رجعت أقف على رجلي بجد، وبقوة، ومن غير ما أحتاج لسند كداب يمن عليا بلقمته.
رجعت البيت يوم الخميس بعد الظهر، لقيت حسام قاعد في نص الصالة، وحواليه أكياس كتير من “براندات” غالية أوي ومحلات مجوهرات.. هدايا كان جايبها ومحضرها “للي في شقة 8″، بس المرة دي كانت محطوطة ومفرودة قدامه على التربيزة كأنها دليل إدانة متلبس بيه.
بصلي أول ما دخلت وقال بصوت مرعوش وطالع بالعافية:
“منار.. أنا فكرت تاني ولغيت فكرة الـ 50/50 دي خالص وشيلتها من دماغي.. والبيت هيفضل مفتوح وزي ما هو، ومصروفك ومصاريف البيت من بكرة الصبح هتتضاعف وتزيد كذا مرة.”
ضحكت ضحكة عالية رنت في أركان الصالة كلها، ضحكة خلت جسمه يتنفض: “فات المعاد يا حسام بيه.. النظام الجديد بدأ فعلاً واشتغل، بس بطريقتي وشروطي أنا، مش بطريقتك.”
قربت منه وحطيت قدامه ظرف تاني خالص، بس المرة دي كان جواه “قرار تمكين مشترك من شقة الزوجية” و”دعوى قضائية بتبديد أصول وضمانات”. وشه جاب ألوان الطيف كلها وفجأة وقف على رجليه:
“إنتي بتعملي إيه بالظبط؟ عايزة تخربي بيتنا وتضيعي العيال؟”
قلتله بمنتهى الثبات والبرود:
“البيت ده إنت اللي خربته وهديته بإيدك يوم ما قعدت تحسب “لقمتي” وتعد عليا الأكل والكهرباء في بيتك.. ويوم ما بدأت تخطط لحياة تانية وعروسة جديدة بفلوسي وشقايا ودعمي ليك طول السنين اللي فاتت.”
أما القاضية والضربة القاضية فكانت هنا:
“بص يا حسام.. المحامي بتاعي قدم كشف رسمي بحسابات ومعاملات الشركة في البنك، والمفاجأة الكبيرة بقا إن “التوسعات” والفروع الجديدة اللي حصلت في السنتين اللي فاتوا، كانت بضمان وديعتي الشخصية اللي إنت عامل نفسك ناسيها. يعني نص الشركة دي قانوناً وبحكم المحكمة “بتاعي”.. لاني حاضنة والشقة اللي فوقينا في شقة 8؟ العقد بتاعها مسجل في الأوراق كـ “مكتب إداري تابع للشركة” ومدفوع تمنها من حسابات الشركة.. يعني نصها “بتاعي” برضه وبقوة القانون.”
ماهو ال يخون مرة يخوون مليوون مرة
وقع على الكرسي كأنه جبل كبير وانهد في ثانية. بصلي وهو مكسور تماماً وقال:
“عايزة إيه يا منار؟ اطلبي اللي إنتي عايزاه.”
قلتله:
“عايزة حقي.. تخرج تماماً من الشركة وتتنازل عن نصيبك، وتكتب لي نصيبك في الشقة دي باسم العيال، وتلم هدومك وتخرج بشنطة إيدك بس.. “خمسين خمسين” زي ما إنت قلت وعلمتني بالظبط.. إنت تاخد حريتك وتدور على مستواك الفكري، وأنا آخد شقا عمر الصبا والشباب.”
حاول يهدد بالعيال، وحاول يساوم ويلعب على وتيرة العشرة، بس أول ما عرف إن ملف “شقة 8” بكل صوره ومكالماته وتفاصيله هيروح لمديره الكبير ورئيس مجلس الإدارة في الشغل (اللي هو صاحب حماه وصاحب الفضل الأول عليه في تعيينه)، ركبه سابت واستسلم تماماً ومضى على كل حاجة وهو ساكت.
بعد شهرين بالظبط.. كنت واقفة في مكتبي الجديد في الشركة الإنترناشيونال الكبيرة، براجع عقود صفقات وضخمة لشركات مالتي ناشيونال. الموبايل رن وجاتلي رسالة.. فتحتها لقيتها إشعار من البنك بـ “تحويل مبلغ فلكي” – قيمة نصيبه في الشركة اللي باعهولي واتنازل عنه عشان يهرب بجلده وباقي كرامته من الفضيحة المحققة وسط السوق.
حسام دلوقتي عايش في شقة صغيرة إيجار قانون جديد على قد حاله، بيحاول يبدأ من الصفر في شركة تانية صغيرة ومغمورة، وبتاعة “شقة 8” نفضت له وسابته أول ما عرفت إن “الحنفية اتقفلت” وبقاش هو “الحريف” المليونير اللي معاه الملايين ومصاريف الفسح.
أما أنا.. فرجعت “منار” بتاعة زمان.. الست القوية الناجحة اللي كانت الشركات الكبيرة بتتخانق عليها.. البيت بقى هادي ومليان سلام، العيال فخورين جداً بأمهم وبشغلها وبشكلها الجديد ورجوعها تلمع في سوق الشغل تاني.. وأهم درس وعلقة طلعت بيها من التجربة دي؟ إنك لما تقرري تشيلي حد على كتافك وتدعميه عشر سنين، لازم تتأكدي كويس من أصله وتعرفي إنه مش هييجي يحاسبك على “تمن الشيلة” في الآخر.
قفلت مكتبي، خدت مفاتيح عربيتي الجديدة، ومشيت وأنا رافعة راسي في السما.. عشر سنين ضاعوا من عمري؟ يمكن.. بس العشر سنين الجايين؟ دول بتوعي أنا.. وبس.
نرمين عادل همام
تمت

