ج2 عيد ميلاد حكايات روماني مكرم
ج2
في ثوانٍ معدودة، كان كريم متثبت مكانه، دراعاته ملوية ورا ضهره، وكلبش حديد بارد بيقفل على معصمه بعنف. حاول يصرخ، صوته طلع مخنوق ومرعوب وسط نظرات سكان العمارة والمنطقة اللي كانوا واقفين يتفرجوا عليه بذهول:
— في إيه؟ إنتوا واخديني على فين؟ أنا معملتش حاجة! أنا رايح المستشفى لمراتي وابني!
الضابط ما ردش عليه بكلمة واحدة، وبإشارة حاسمة من إيده، العساكر زقوا كريم جوة ظهر العربية الجيب العسكرية، وقفلت الأبواب وراهم بقوة سدت النور عن عينه. العربية مشيت بأقصى سرعة، وجواها كريم كان بيترعش بالكامل، عرق الخوف مغرقه، والندم والعبث اللي عمله بدأ يظهر قدام عينه زي شريط سينما.. افتكر ضحكته الباردة وهي بتقع على الإزاز، وافتكر جملة أمه: “بيمثلوا عشان يلووا دراعك”.
بعد مسافة سكة مكنش عارف هي قد إيه، العربية وقفت. الباب اتفتح، وزقوه برة لقى نفسه في ممر طويل ونظيف جدًا، في نهايته باب خشبي ضخم. العساكر مشيوا بيه لحد الباب، والضابط خبط ودخل، وزق كريم جوة.
كريم رفع عينه.. الأوضة كانت مكتب فخم وهادي، وفي آخر المكتب كان واقف اللواء أحمد عبد الرحمن ببدلته العسكرية كاملة، مدي ضهره للباب وبيبص من الشباك الكبير على الجنينة برة. هدوء المكتب كان مرعب أكتر من صوت السلاح.
الضابط أدى التحية العسكرية وقال:
— تمام يا فندم، المتهم كريم الشناوي موجود.
اللواء أحمد ما لفش وشه، شاور بإيده للضابط:
— اتفضل إنت يا ابني، وسيبنا لوحدنا.
الباب اتقفل، وفضل كريم واقف، الكلبش في إيده، ورجليه مش شايلينه. قال بصوت منهار وبيترعش:
— سيادة اللواء.. أنا.. أنا والله ما كان قصدي.. أنا افتكرتها تعب عمالي زي كل مرة.. أنا كنت في مشوار ضروري وجيت عل طول.. ندى عامله إيه؟ وابني فين؟
اللواء أحمد لف ببطء شديد. وشه كان زي الصخر، مفيش فيه أي تعبير، لكن عينيه كان فيها نظرة تذبح. مشي بخطوات بطيئة ووقورة لحد ما وقف قدام كريم مباشرة، المسافة بينهم مكنتش تكمل نص متر. بص في عين كريم وقال بنبرة واضحة، حادة، وكل كلمة فيها بتنزل زي المطرقة:
— ندى في غيبوبة.. بقالها 48 ساعة على الأجهزة، بين الحياة والموت.. والدكاترة مش عارفين هتقوم منها ولا المخ اتأثر بنقص الأكسجين والدم. وابنك.. ابنك نزل برئة مش مكتملة، وقاعد في الحضانة تحت خراطيم الأجهزة عشان يتنفس.. ده كله وإنت فين؟ وإنت نايم في حضن أمك بتدارى زي الفأر بقالك يومين وتليفونك مقفول!
كريم نزلت دموعه وبدأ يبرر وهو بينهار:
— أنا خفت.. خفت من حضرتك.. والدم في الشقة رعبني.. أنا والله بحب ندى ومستعد أعمل أي حاجة.. أرجوك يا سيادة اللواء..
قبل ما يكمل كلمته، اللواء أحمد رفع إيده وبمنتهى القوة ضربه قلم على وشه هز كيانه كله، القلم سمّع في الأوضة الواسعة. كريم اترمى لورا وسند على الحيطة وهو بيبكي بنشيج مكتوم.
اللواء أحمد صوته علي لأول مرة، وبان فيه وجع الأب المكسور على بنته الوحيدة:
— حب؟ إنت تعرف إيه عن الحب يا دكر؟ الست اللي تتوجع وتموت في مطبخها وتسيب وراها أثر دم وهي بتزحف عشان تحمي ابنك، وإنت خارج متشيك وحاطط برفانك عشان رايح حفلة؟ بنتي أنا.. اللي كانت رافضة تتجوز أي حد عشان تبني بيت وتعمل عيلة مع راجل يصونها، تتساب زي الكلب في شقة مقفولة؟
اللواء أحمد رجع لورا وقعد ورا مكتبه، أخد نفس طويل، ورجعت ملامحه للبرود القاتل تاني، وقال:
— إنت فاكرني جايبك هنا عشان أنتقم منك عسكريًا؟ ولا فاكر إني هقتلك؟ لاء يا كريم.. أنا راجل قانون قبل ما أكون راجل جيش. إنت جايبك هنا عشان ندى.. ندى وهي بتغيب عن الوعي، مأمنتش حد غيري، وقالت للمسعف “بابا هيعرف يتصرف”.. وأنا هعرف أتصرف يا كريم، بس بالقانون اللي مراتي وبنتي المحامية علموهوني.
اللواء أحمد فتح درج المكتب وطلع ملف وحطه قدامه:
— المحضر اللي معمولك دلوقتي في النيابة بتهمة الإهمال الجسيم المؤدي إلى خطر الموت، والامتناع عن مساعدة شخص في حالة خطر.. ده غير قضية جنائية تانية برفعها عليك حالًا بحق الجنين. إنت مش هتشوف الشارع يا كريم.. وكل دقيقة بنتي عاشتها في الرعب والوجع على بلاط المطبخ، هتدفع تمنها أيام وسنين جوة الزنزانة.
كريم صرخ وهو بيبوس إيد اللواء أحمد من بعيد:
— أبوس رجلك يا فندم بلاش مستقبلي.. بلاش السجن.. أنا هعيش تحت رجليها بس تقوم بالسلامة.
اللواء أحمد داس على جرس المكتب، الباب اتفتح ودخل الضابط ومعاه عسكريين. اللواء أحمد قال وهو مش بيبص لكريم أصلاً:
— خلوه يدوق حيطان الحجز لحد ما النيابة تطلبه الصبح.. ومش عايز اسمع صوته.
العساكر سحبوا كريم وهو بيصرخ ويبكي، ورجليه بتتسحل على الأرض.. في نفس اللحظة دي، في مستشفى الدمرداش، وتحديدًا في أوضة العناية المركزة.. الأجهزة الموصلة بجسم ندى بدأت تطلع أصوات غريبة، ومؤشر ضربات القلب بدأ يتحرك بشكل عشوائي وسريع.. الممرضة جرت على برة وهي بتصرخ: “دكتورة دينا.. الحقي حالة ندى عبد الرحمن.. الضغط بيقع والنبض بيضيع!”.للمذيد من القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم للقصص الكامله
الجزء الرابع:
أصوات الأجهزة في أوضة العناية المركزة كانت زي ضربات طبول مرعبة. الدكتورة دينا فؤاد دخلت الأوضة بتجري، وراها طاقم التمريض بالكامل. مؤشر ضربات القلب على الشاشة كان بيترسم في خطوط عشوائية نازلة وطالعة بسرعة جنونية، والضغط وصل لـ 50 على 30.
— بسرعة! الدكتورة دينا صرخت وهي بتركب سماعة الطبيب على صدر ندى… “جهّزوا جهاز الصدمات الكهربائية (الدي سي) على 200 جول! مفيش وقت، البنت بتضيع مننا!”
الممرضة حطت الجل بسرعة على صدر ندى الشاحب، والدكتورة مسكت المقابض الحديدية وقالت بصوت قوي هز الأوضة: “ابعد عن السرير… اضرب!”
جسم ندى اتنفض لفوق ورجع نزل على السرير تاني كأنه جثة هامدة. الشاشة لسه بتصفر الصفرة المستمرة المرعبة.
— شحنة تانية على 300! صرخت دينا وعرقها بينزل بغزارة… “ابعد… اضرب!”
مرة تانية اتنفض الجسم، وفجأة، الخط المستقيم بدأ يتحرك ببطء… “طوط… طوط… طوط…” النبض رجع بس ضعيف جدًا. الدكتورة دينا سحبت نفسها لورا، ورفعت إيديها وهي بتنهج وقالت: “زودوا نسبة الأكسجين في جهاز التنفس الصناعي، وعلقوا كيس دم تاني فورا.. البنت دي متمسكة بالحياة عشان ابنها، مش لازم نسيبها”.
في نفس اللحظة، في مبنى حجز قسم الشرطة، كان كريم الشناوي مرمي في ركن ضلمة. هدومه الكحلي اللي كان بيظبطها قدام المراية اتبهدلت، وبرفانه غطت عليه ريحة الحجز القاسية. كان قاعد ضامم ركبه لتربيعة صدره، والكلبش لسه معلم في إيده. المساجين اللي معاه في الحجز كانوا بيبصوا له بنظرات استحقار بعد ما عرفوا قضيته من أمين الشرطة؛ لأن حتى في عالم المجرمين، الست اللي بتنزف وبتولد ليها حرمة.
واحد من المسجونين، راجل عجوز ووشه مليان جروح، تف على الأرض وبص لكريم وقال بنبرة قرف:
— بقى في دكر يسيب مراته بتموت في دمها ورايح يهيص في عيد ميلاد؟ ده إنت لو وقعت في إيد أبوها اللواء برة، مش هيخلي فيك حتة سليمة.. ادعى ربنا البنت تقوم، لأنها لو جرى لها حاجة، إنت هتدفن هنا.
كريم حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط بهيستريا. لأول مرة يحس بالندم الحقيقي، مش عشان ندى، لكن عشان نفسه ومستقبله اللي ضاع في لحظة طيش وأنانية. تذكر شكل شقته، والدم اللي كان مالي المطبخ، وصوت الباب وهو بيقفله بعنف.. كل حاجة كانت بتطارده في الضلمة.
تاني يوم الصبح، الشمس لسه بتطلع، كانت عربية ترحيلات تابعة للنيابة واقفة قدام القسم. العساكر سحبوا كريم وهو دايخ ومش قادر يقف على رجليه، وركبوه العربية عشان يتعرض على وكيل النيابة.
وفي مكتب وكيل النيابة، المفاجأة الكبيرة كانت مستنياه.
كريم دخل والكلبش في إيده، لقى محامي واقف مستنيه، بس مش أي محامي.. ده كان الأستاذ رفعت، أكبر محامي جنايات في مصر، وصديق مقرب للواء أحمد. وجنب المكتب، كانت قاعدة الحاجة سهير، أم كريم، وشها كان مقلوب باكي وفستانها الدهبي اتبدل بعباية سودا، وأول ما شافت ابنها صرخت:
— يا حبيبي يا كريم! عملوا فيك إيه يا ابني؟ بقى الحتة المحامية دي تحبسك وتعمل فينا كدة؟
وكيل النيابة خبط على المكتب بعنف:
— اسمعي يا مدام! إحنا في جهة تحقيق، كلمة تانية وهعملك محضر تشويش وإهانة للمحكمة وتتحبسي جنب ابنك!
الست اتكتمت وخافت وقعدت تعيط في صمت. وكيل النيابة بص لكريم وقال بلهجة حاسمة:
— اسمك وسنك ووظيفتك.. وإنت متهم بالامتناع العمدي عن إغاثة شخص في حالة خطر داهم، والإهمال الجسيم الذي أدى إلى تدهور حالة المجني عليها ندى أحمد عبد الرحمن وجنينها. تهمتك جناية يا كريم، إيه قولك؟
كريم صوته كان طالع بالعافية:
— يا فندم أنا جوزها وبحبها، ومكنتش أعرف إن حالتها خطيرة كدة، أنا افتكرت انقباضات عادية.. وأمي كانت عاملة حفلة ومكنش ينفع ماسافرش معاها التجمع..
المحامي رفعت اتدخل وقدم حافظة مستندات لوكيل النيابة وقال بنبرة قانونية صارمة:
— سيادة الوكيل، معانا تقرير طبي صادر من الدكتورة المتابعة للحالة قبل الحادثة بأسبوع، ومثبت فيه إن المتهم استلم نسخة منه ومكتوب فيه نصًا (الحالة معرضة لتسمم حمل وانفصال مشيمة في أي لحظة ويحظر تركها بمفردها). يعني المتهم كان على علم كامل بالخطر، وتعمّد تركها قاصدًا إهمالها. وبناءً عليه، بنطلب توقيع أقصى عقوبة وحبسه على ذمة التحقيقات.
وكيل النيابة قرا الورق، وبص لكريم بنظرة كلها اشمئزاز، وقال:
— قررنا نحن وكيل النائب العام، حبس المتهم كريم الشناوي أربعة أيام على ذمة التحقيق، ويراعى التجديد في الميعاد القانوني، مع استعجال تقرير الطب الشرعي النهائي لحالة المجني عليها ندى عبد الرحمن. خده يا عسكري.
سهير صرخت: “ابني يا فندم! ابني هيضيع!”، لكن العسكري سحب كريم برة المكتب وسط صراخ أمه ودموعه اللي مابقتش تجيب ولا تودي.
بعد الظهر، في مستشفى الدمرداش، اللواء أحمد كان قاعد على الكرسي قدام زجاج الحضانة. جوة، كان الطفل الصغير، حته لحمة حمرا، متوصل بأنابيب وخراطيم في أنفه وصدره، وجهاز التنفس الصناعي بيتحرك بانتظام عشان يضخ الأكسجين لرئته الضعيفة. اللواء أحمد حط إيده على الزجاج، ودموعه نزلت وهو بيبص لحفيده: “هتقوم يا بطل.. هتقوم عشان أمك ملهاش غيرك.. وعشان أنا أعيش وأربيك”.
الدكتورة دينا فؤاد جت وقفت جنبه، وبصت للطفل وقالت:
— الحمد لله يا سيادة اللواء، المؤشرات الحيوية للبيبي بدأت تستقر، والرئة بدأت تستجيب للعلاج.. الولد عنيد وزي أمه، بيعافر.
اللواء أحمد لف ليها وسألها بلهفة:
— وندى؟ ندى عاملة إيه يا دينا؟ الغيبوبة لسه؟
الدكتورة دينا أخدت نفس طويل وقالت بصوت فيه أمل وخوف في نفس الوقت:
— إحنا شيلنا أجهزة الإنعاش وبدأنا نقلل المهدئات.. ندى حاليًا في مرحلة الإفاقة التدريجية.. المخ سليم والحمد لله النزيف وقف تمامًا.. بس الغريب يا فندم.. إن ندى من ساعة ما بدأت تفوق وهي بتردد اسم واحد بس.. ومش اسم كريم.
اللواء أحمد عقد حواجبه وسألها:
— اسم مين؟
وفي نفس اللحظة دي، جوة أوضة العناية المركزة، صوابع إيد ندى بدأت تتحرك ببطء فوق الملاية البيضا.. شفايفها الشاحبة بدأت تتحرك وصوتها طلع زي الهمس المخنوق:
— سيف… سيف… متسبنيش يا سيف…
