ج2 حكايات بسمة
ج2
**الجزء الثالث:**
دخلتُ بيت أبي والورق يرتجف بين يدي، وجسدي كله يرتعش من فرط الصدمة. ارتميت في حضن أبي وأنا أبكي بحرقة لم أعهدها في حياتي، حكيت له ودموعي تسبق كلماتي عن “صواني الخميس”، وعن صفحة الأكل البيتي، وعن الكلبشات التي طوقت يد زوجي وأخته، وعن الفخ الذي نصبه لي ليرميني في السجن ويقبض ثمن حريتي ملايين من شركة التأمين.
أبي، الذي كان دائمًا ينصحني بالصبر والتحمل، ضرب بقبضته على الطاولة وعيناه تشتعلان غضبًا، وقال بصوت حاسم:
— «الحقير… استغل طيبتك ونضافتك عشان يبيعك؟ اهدئي يا هبة، الورق اللي معاكي ده حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبته هو وأخته. من النجمة هنكون عند أكبر محامي جنايات.»
لم أستطع النوم تلك الليلة. كانت صور صواني البشاميل والمحشي والفراخ تمر أمام عيني كشريط سينمائي مرعب. كيف تحول الحب والعشرة إلى حسابات بنكية وعقود توريد مغمسة بالسم؟
في الصباح الباكر، كنا نقف أمام مكتب الأستاذ رفعت، محامي الجنايات الشهير. تفحص الأوراق والملفات التي أعطتني إياها العاملة الشابة بدقة، ونظاراته تكاد تسقط من على أنفه من فرط المفاجأة. رفَع رأسه ونظر إليّ قائلًا:
— «يا مدام هبة، ربنا بيحبك حب كبير لأنه سخر لكِ البنت الشغالة دي. الورقة دي… “وثيقة التأمين ضد مخاطر العمل” اللي جوزك عملها باسمك، كانت هي الدليل اللي هيدينك، لكن بوجود عقود التوريد المخفية والتوقيعات المذورة المنسوبة ليكي، وبوجود تقرير المعمل الجنائي اللي بيثبت إن المادة المسهلة ومغيرات الطعم اتضافت بعد الطبخ، القض*ية اتقلبت تمامًا.»
سألته وأنا أحبس أنفاسي:
— «يعني إيه يا متر؟ أنا في أمان؟»
أجابني وعلامات النصر ترتسم على وجهه:
— «أنتِ مش بس في أمان، أنتِ بقيتي المجني عليها الأولى. جوزك وأخته ارتكبوا كذا جناية: التزوير في أوراق رسمية، النصب والاحتيال، الغش التجاري وإدارة منشأة بدون ترخيص، وجناية الإضرار العمدي بحياة المواطنين. هما دلوقتي في النيابة بيقطعوا في بعض، وكل واحد بيرمي التهمة على التاني.»
بالفعل، في نفس الوقت بداخل أروقة النيابة، كانت المواجهة مشتعلة. انهار زوجي تمامًا أمام وكيل النيابة بعد مواجهته بتحريات المباحث وبصماته التي وُجدت على زجاجات المادة الكيميائية المضافة للأكل في مشغل أخته. بدأ يصرخ ويبكي:
— «أنا مكنتش عايز أأذيها! أختي هي اللي أقنعتني، قالتلي الشركات الكبيرة طالبتنا بتعويض ربع مليون جنيه بعد أول واقعة تسمم، وملقناش حل غير إننا نعمل حادثة تخريب وهمية في الأكل عشان شركة التأمين تدفع لنا التعويض ونسدد ديوننا!»
أما أخته، فكانت تصرخ من جانبها وتكيل له الاتهامات:
— «أنت اللي جيتلي برجليك وقلتلي هبة هتعملنا الأكل ببلاش ومش هتكلفنا مليم مصروف، وأنت اللي زورت إمضاءها على السجلات التجارية وقروض البنك! أنت اللي طماع وعايز تخلص من ديون القمار والشغل بتاعك على قفا مراتك!»
تم تجديد حبس زوجي وأخته خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيق. وفي يوم فض الأحراز والمواجهة، طلب زوجي رؤيتي بشكل عاجل من وراء القضبان. رفضتُ في البداية، لكن أبي قال لي:
— «روحي يا هبة… بصي في عينه وشوفي ذله، عشان قلبك يقوى وميتحركش فيه عطف ليه تاني.»
ذهبتُ إلى سراي النيابة. وقف زوجي بملابس الحبس الاحتياطي البيضاء، وجهه شاحب، ذقنه نابتة، وهيبته التي كان يتصنعها في البيت تبخرت تمامًا. أشار إليّ بيده المرتجفة وقال بنبرة متوسلة:
— «هبة… عشان خاطر بنتنا، اتنازلي عن قض*ية التزوير. لو اتنازلتي المحامي بيقول ممكن أطلع بكفالة وغرامة في الغش التجاري، وأختي تشيل الباقي. أنا جوزك وسندك، متخربيش بيتك بإيدك.»
نظرتُ إليه من خلف السلك الحديدي، وشعرت لأول مرة بنفور واشمئزاز لا حدود لهما. ابتسمتُ بسخرية وقلت له بصوت مسموع هز أركان المكان:
— «بيتي؟ أنت سبت فيه بيت يا أحمد؟ أنت كنت عايز ترميني في السجن المؤبد وتتحكم فيا وفي شرفي واسمي عشان الفلوس، ودلوقتي جاي تقولي عشان خاطر بنتك؟ بنتك دي أنا هربيها بلقمة حلال، من عرق جبيني، مش من صواني مغمسة بالغل والسم. أنا مش هتنازل، وهطلب تعويض عن كل يوم وقفت فيه على رجلي في المطبخ من الفجر عشان تبيع شقايا وتكسب من ورايا.»
تركته يصرخ باسمي وخلفه العساكر تسحبه إلى زنزانته، وخرجتُ إلى قاعة المحكمة حيث كانت الجلسة الأولى لمحاكمتهم علنيًا تقترب، وأنا أعلم أنني على أعتاب مرحلة جديدة، لن أكون فيها الضحية المستسلمة أبدًا.
**الجزء الرابع:**
جاء يوم الجلسة الأولى للمحاكمة، واكتظت القاعة بالناس؛ فالقض*ية تحولت إلى قض*ية رأي عام في المنطقة بعدما كشفت التحقيقات عن حجم الفساد والغش التجاري. جلستُ في الصفوف الأمامية وبجواري أبي والأستاذ رفعت، المحامي.
دقت المطرقة، ونادى الحاجب على المتهمين: أحمد وأخته سمر. دخلا قفص الاتهام بالملابس البيضاء، وكانت علامات الانكسار والذل بادية عليهما، سمر تخفي وجهها بملابسها، وأحمد يلتفت يمينًا ويسارًا يبحث عني بعينين زائغتين، وعندما التقت عيناه بعيني، أدرتُ وجهي عنه ببرود شديد.
بدأ وكيل النيابة يتلو أمر الإحالة بكلمات تهز القلوب، واصفًا زوجي بأنه “مجرد من مشاعر الإنسانية والعشرة، استحل شقاء زوجته وزور توقيعها ليلبسها ثوب الجري*مة، ولم يبالِ بحياة الأبرياء الذين كادوا يدفعون حياتهم ثمنًا لطمعه وجشعه”. وطالبت النيابة بتوقيع أقصى عقوبة عليهما بتهم التزوير في أوراق رسمية، والغش التجاري المقترن بالإضرار العمدي بصحة المواطنين، والنصب على شركات التأمين.
وقف الأستاذ رفعت محاميّ وفجر مفاجأة جديدة أمام هيئة المحكمة، حيث قدم مستندًا رسميًا يفيد بأن أحمد لم يكتفِ بتزوير توقيعي على أوراق المشروع والتأمين، بل إنه قام قبل شهرين فقط من اكتشاف الواقعة بوضع الصيغة التنفيذية لعقد بيع “شقتي” التي ورثتها عن والدتي باسم أخته سمر، بموجب توكيل عام قديم كنت قد وقعتُ له عليه بحسن نية لإدارة بعض المعاملات الورقية!
الجمت الصدمة الجميع في القاعة، وصرختُ في مكاني دون وعي:
— «حتى شقة أمي يا أحمد؟!»
ضجت القاعة بالصخب، ودق القاضي المطرقة طالبًا الهدوء، بينما انهار أحمد داخل القفص وجثا على ركبتيه يبكي، وصاحت أخته سمر تصرخ:
— «أنا ماليش دعوة يا سيادة القاضي! هو اللي جابلي عقد الشقة وقالي دي عشان نأمن الفلوس لو البنك حجز على حساباتنا، أنا كنت حاسة إن آخره البيت ده هتبقى خراب!»
التفت القاضي إلى المتهم الأول وسأله بحسم:
— «المتهم أحمد… هل قمت بتزوير عقود التوريد واستغلال التوكيل الممنوح لك من زوجتك لبيع ملكيتها الخاصة دون علمها؟»
صمت أحمد ثوانٍ، بدت وكأنها دهر، ثم قال بصوت متحشرج باكٍ:
— «كنت مديون يا سيادة القاضي… الديون كانت هتسجنني، والشيطان شاطر… فكرت إن هبة طيبة وهتسامحني لما الأمور تتصلح ونكسب من التأمين والعقود… أنا مستعد أرجع لها كل حاجة بس ترحمني وتتنازل.»
نظر إليه القاضي بنظرة محملة بالاشمئزاز، ثم أعلن تأجيل الجلسة للنطق بالحكم مع استمرار حبس المتهمين.
خرجنا من قاعة المحكمة، وكان الأستاذ رفعت يبتسم قائلًا:
— «خلاص يا مدام هبة، اعترافه بالتزوير وخيانة الأمانة في الجلسة ثبت التهمة عليه رسميًا، والشقة هترجع لكِ بدعوى بطلان عقد البيع. الحكم الجاي هيكون رادع ليهم وصادم لكل واحد يفكر يبيع مراته وشريكة حياته.»
لكن، وقبل أن نغادر مبنى المحكمة، استوقفتنا مفاجأة لم تكن في الحسبان. تقدمت منا سيدة أنيقة يرافقها حارس شخصي ومحامٍ، ونظرت إليّ قائلة:
— «أنتِ مدام هبة؟ أنا مديرة الشركة الكبيرة اللي حصل فيها تسمم للموظفين بسبب الأكل الفاسد اللي وردته سمر وأحمد باسمك.»
توجستُ خيفة وتراجعت خطوة للخلف، وظننت أنها جاءت لتهددني أو تطالبني بالتعويض، لكن السيدة ابتسمت برقة وقالت:
— «ماتخافيش يا مدام هبة، أنا تابعت التحقيقات وعرفت إنك ضحية زيك زينا، وعرفت كمان إن الأكل اللي أنتِ بتعمليه بإيدك هو اللي نجّح الصفحة في الأول قبل ما هما يغشوا الشغل. أنا جاية أعرض عليكي عرض.»
نظرتُ إليها باستغراب، فتابعت:
— «شركتنا عندها تعاقدات مع كذا جهة، وإحنا قفلنا مشغل سمر بالشمع الأحمر. إيه رأيك تبدأي مشروعك الحقيقي؟ أنتِ صاحبة النَفس والموهبة، وإحنا مستعدين نمولك ونوقع معاكي عقد توريد رسمي وقانوني، بس المرة دي باسمك الحقيقي، وبإدارتك أنتِ لوحدك وبمكسبك كامل.»
نظرتُ إلى أبي الذي هز رأسه مبتسمًا والدموع في عينيه مشجعة إياي. شعرت بغصة في حلقي تحولت فجأة إلى طاقة من الأمل والقوة. نظرت للسيدة وقلت لها بثقة:
— «موافقة… بس بشرط واحد، المشروع مش هيكون أكل بيتي في السر، المشروع هيكون شركة رسمية هسميها “شقا هبة”، عشان الكل يعرف إن شقايا اللي اتسرق مني سنة كاملة، رجع لي ورفع راسي من جديد.»
غادرتُ المحكمة وأنا أشعر أن القيد الذي كان يطوق روحي قد انكسر تمامًا، وبدأت في التخطيط ليوم الحكم، ويوم البداية الجديدة التي ستغير حياتي وحياة ابنتي للأبد، غير عالمة بما يخبئه القدر في الجلسة القادمة من أسرار قد تقلب الموازين مجددًا…
