ج1 حكاية ليلى وكريم
باعت رحمها عشان تنقذ أمها من الموت وبعد ما ولدت، أخدوا الطفل من بين إيديها قبل حتى ما تشوف ملامحه. ثم أقنعوا الأب إنها باعت ابنه مقابل الفلوس وأقنعوها هي إنه حرمها منه بإرادته وبعد خمس سينين، جمعهم القدر من جديد وكل واحد فيهم كان بيكره التاني بسبب كذبة واحدة سرقت منهم خمس سنين من عمرهم.
صوت غلاية الشاي كان بيصفر من جوه المطبخ الصغير وريحة النعناع الطازة مالية الشقة كلها والمروحة القديمة اللي في السقف بتلف بالعافية وتطلع صوت تزييق مع كل لفة والساعة المعلقة فوق باب الصالة كانت داخلة على عشرة بالليل.
ليلى قاعدة على السفرة الخشب اللي اتقشر لونها من السنين، قدامها دفتر صغير مفتوح وآلة حاسبة رخيصة وكومة إيصالات مستشفى محطوط فوقها روشتات دكتور الأورام وكل شوية تضغط على زر الجمع، تبص للرقم، تمسحه وترجع تحسب من الأول كأن الأرقام ممكن تتغير لو أعادتها عشر مرات.
أمها كانت قاعدة على الكنبة القديمة، لابسة إسدال صلاة أزرق باهت، حاطة بطانية خفيفة على رجليها رغم إن الجو حر وفي إيدها شال صوف كانت بتحاول تكمله لبنت الجيران الصغيرة، لكن كل شوية الإبرة تقع من بين صوابعها، فتسند ضهرها على الكنبة وتكتم كحة طويلة في طرف الطرحة قبل ما ليلى تاخد بالها.
رفعت الأم عينيها ناحية بنتها وقالت وهي بتبتسم ابتسامة متعبة:
لسه بتحسبي يا ليلى؟
ليلى رفعت وشها من الورق وابتسمت بالعافية وهي تقفل الدفتر بسرعة كأنها بتخبي سر.
شوية حسابات للشغل يا أمي.
الأم هزت راسها وهي مش مصدقة، لكنها ماحبتش تضغط عليها ومدت إيدها لكوباية الشاي، أول ما شربت منها رشفة صغيرة، الكحة هاجمتها بعنف، لدرجة إن الكوباية اتهزت في إيدها ونقط الشاي وقعت على البطانية.
ليلى قامت من مكانها بسرعة، لحقت الكوباية قبل ما تقع وقعدت جنب أمها تمسح الشاي بطرف كمها وهي بتقول بقلق:
قلتلك بلاش تعملي مجهود الدكتور قال ترتاحي.
الأم ضحكت ضحكة صغيرة، فيها وجع أكتر من الفرح.
ولو ارتحت هنصرف منين يا بنتي؟
في اللحظة دي، موبايل ليلى اللي كان مرمي على السفرة نور.
اسم المستشفى ظهر على الشاشة.
ليلى بصت للموبايل وبعدين بصت لأمها وخدت نفس طويل قبل ما تقوم ناحية البلكونة وهي بتحاول تخلي صوتها طبيعي.
ليلى أول ما قفلت باب البلكونة وراها، حطت الموبايل على ودنها وهي ضاغطة بإيدها التانية على سور البلكونة الحديد اللي الدهان اتقشر منه من زمان.
صوت موظفة الحسابات في المستشفى جه هادي، لكن كل كلمة كانت بتنزل على قلبها أتقل من اللي قبلها.
أستاذة ليلى إحنا آسفين، بس الإدارة استنت كتير ومبقاش ينفع نستنى أكتر. لو الدفعة الأولى ما اتدفعتش خلال اتنين وسبعين ساعة، هنضطر نلغي معاد العملية.
ليلى غمضت عينيها وسندت جبينها على الحديد البارد.
طب لو دفعت جزء؟
للأسف يا فندم، القرار جاي من الإدارة.
يومين كمان بالله عليكي.
سكتت الموظفة ثواني وبعدين قالت بصوت كله أسف:
والله لو بإيدي كنت عملت، لكن دي تعليمات.
المكالمة اتقفلت.
ليلى فضلت واقفة مكانها، سامعة صوت عربيات الشارع تحت وصوت عيال بيلعبوا كورة في الحارة اللي جنب البيت وصوت بائع الذرة بينادي من بعيد، لكنها ولا كانت شايفة ولا سامعة، كأن الدنيا كلها بقت بعيدة عنها.
رجعت للصالة وهي حاطة على وشها نفس الابتسامة اللي بقت تحفظها كل يوم قدام أمها.
أمها رفعت عينها أول ما شافتها.
خير يا بنتي؟
ليلى هزت راسها بسرعة.
الشغل بيقولوا هنقبض متأخر كام يوم.
الأم ابتسمت وربتت على الكنبة جنبها.
تعالي اقعدي.
قعدت ليلى وحطت راسها في حضن أمها زي طفلة صغيرة والأم بدأت تسرحلها شعرها بنفس الطريقة اللي كانت بتعملها وهي في ابتدائي.
فاكرة يا ليلى لما كنتي تيجي تعيطي عشان امتحان الحساب؟
ليلى ضحكت بالعافية.
وأنتِ تقوليلي الحساب عمره ما كان أصعب من ربنا.
الأم ضحكت هي كمان، لكن الضحكة انتهت بكحة طويلة خلت جسمها كله يتهز.
ليلى قامت بسرعة جابت لها الدوا وكوباية المية، فضلت واقفة تبصلها وهي بتبلع الحباية بالعافية ولأول مرة لاحظت قد إيه إيد أمها بقت رفيعة وقد إيه وشها خِس وقد إيه المرض سرق منها سنين في شهور قليلة.
تاني يوم من الصبح، ليلى خرجت من البيت قبل ما أمها تصحى.
لفت على البنك. القرض اترفض. راحت لصاحبة الشغل القديمة.
اعتذرت. عدت على خالتها.
قالت لها: والله يا بنتي لو معايا كنت اديتك.
باعت آخر غوايشة كانت أمها سايباها لها.
المبلغ طلع أقل بكتير من المطلوب.
وقبل المغرب، كانت قاعدة في ممر المستشفى، ماسكة الظرف اللي فيه الفلوس وبعدين راحت لموظف الحسابات، أخده منها، عده وبعدين رجعه تاني.
لسه ناقص كتير يا أستاذة ليلى.
الكلمة كانت كأنها آخر مسمار.
خرجت من مكتب الحسابات وهي مش شايفة قدامها من كتر الصدمة، ومشت من غير هدف لحد ما دخلت كافتيريا المستشفى. قعدت على أول كرسي قابلها وهي بتحاول تستوعب إن ميعاد العملية ممكن يضيع بسبب مبلغ مش قادرة تجمعه.
بعد دقايق قعدت على الترابيزة اللي جنبها سيدة أنيقة، في أواخر الخمسينيات، ومعاها ملف جلدي أسود. كانت بتتكلم في التليفون بصوت منخفض:
لا… لازم المقابلة تبقى بكرة. الوقت بقى ضيق، والمستشار عادل السيوفي مستني الرد.
قفلت المكالمة، فتحت الملف وطلعت منه ورقة مطبوعة، فضلت تراجعها دقيقة، ثم رن موبايلها تاني.
قامت بسرعة وهي شايلة شنطتها، لكن الورقة فضلت على الترابيزة من غير ما تنتبه.
ليلى في الأول ما اهتمتش.
لكن لما قامت تمشي، لمحت عنوان الورقة.
إعلان خاص… مطلوب زوجة تكون أم بديلة.
وقفت مكانها.
أترددت لحظات، ثم مدت إيدها تمسك الورقة علشان تلحق السيدة وترجعهالها.
خرجت تدور عليها، لكنها كانت اختفت وسط الزحام.
رجعت تقعد مكانها وبصت للورقة مرة تانية.
وقرت أول سطر مرة تانية.
مطلوب زوجة تكون أم بديلة
وقفت عند الكلمة وفضلت تبصلها ثواني طويلة، كأنها أول مرة تشوفها مكتوبة، لأن الكلمة دي عمرها ما كانت ضمن خططها ولا أحلامها، هي أصلًا لسه ما اتجوزتش وكل اللي كانت بتحلم بيه في الشهور الأخيرة إن أمها تدخل العملية وتخرج منها بخير وترجع تقعد في مكانها على الكنبة وتزعقلها لأنها نسيت تاكل أو لأنها رجعت من الشغل متأخرة.
نزلت بعينها على السطر اللي بعده.
المقابل خمسة ملايين جنيه.
خمسة ملايين
الرقم كان أكبر من كل الأرقام اللي فضلت تحسبها طول الأسبوع وأكبر من كل الديون اللي خنقتها وأكبر من قدرتها حتى إنها تتخيل إن مبلغ بالشكل ده ممكن يبقى في مقابل قرار واحد.
بدأت تقرأ الورقة من أولها لآخرها بهدوء، كلمة كلمة، من غير ما تفوّت سطر وكأنها بتدور على جملة واحدة تقول لها إن اللي قدامها خدعة، لكنها ملقتش غير كلام رسمي وإجراءات قانونية وسرية تامة ورعاية طبية كاملة وفي آخر الصفحة عنوان مكتب ورقم تليفون وسطر صغير مكتوب فيه: يُرجى الحضور شخصيًا لتحديد موعد المقابلة.
فضلت باصة للعنوان شوية وبعدين طوت الورقة بسرعة وحطته جوه شنطتها وهي بتحاول تقنع نفسها إنها هترجعه لصاحبته أول ما تسأل عليها وإن الموضوع انتهى عند كده، لكن مهما حاولت تشغل نفسها، كانت الجملة الأخيرة اللي سمعتها من موظف الحسابات وهي خارجة من المكتب بترجع تدق في ودانها بنفس البرود: لو الدفعة الأولى ما اتدفعتش خلال اتنين وسبعين ساعة، هيتلغي معاد العملية.
خرجت من المستشفى وهي ماشية من غير ما تبص حواليها وعدت قدام الصيدلية، فسمعت راجل كبير بيقول للدكتور بصوت مكسور: يعني مفيش حل غير لما نوفر الفلوس؟ والدكتور نزل عينه في الأرض من غير ما يعرف يرد، فحست إن الوجع في المكان ده واحد وإن اللي بيفرق بين كل واحد والتاني هو حجم المبلغ اللي ناقصه.
لما وصلت البيت وقفت قدام باب الشقة ثواني قبل ما تطلع المفتاح من شنطتها وبصت من غير قصد على الملف الأبيض اللي كانت داسّة عليه بين حاجتها، فمدت إيدها طلعته وفضلت تبص لرقم التليفون المطبوع في آخر الإعلان، ثم رجعته مكانه بسرعة، كأنها بتخاف حتى من مجرد النظر إليه.
دخلت الشقة، لقت أمها نايمة على الكنبة بعد ما غلبها التعب والبطانية الخفيفة مغطية رجليها والشال اللي كانت بتخيطه واقع على الأرض، فقربت منها بهدوء، عدلت البطانية ورفعت الشال وحطته جنبها وبعدين فضلت واقفة تبصلها وهي نايمة وكل اللي بيدور في دماغها سؤال واحد: لو معاد العملية ضاع هتعوضه بإيه؟
دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها، طلعت الورقة من الشنطة للمرة التانية وبعدين التالتة وبعدين العاشرة وكل مرة كانت تقول لنفسها إنها هتمزقها وترميها، لكن إيديها كانت ترجع تفردها من جديد وعينيها تقف عند رقم التليفون المكتوب في آخر الصفحة.
وفي اللحظة اللي سمعت فيها أمها تكح من بره كحة طويلة خلت قلبها ينقبض، مسحت دموعها بطرف كمها وأخدت نفسًا عميقًا ومدت صباعها ناحية شاشة الموبايل وكتبت الرقم رقمًا رقمًا وبعد ما ظهر قدامها كامل، فضلت ثواني طويلة باصة على زر الاتصال، كأن الضغطة دي فاصلة بين حياتين.
وأخيرًا غمضت عينيها وضغطت.
رنّة واتنين وتلاتة
وبعدين جالها صوت راجل هادئ، فيه وقار السنين بيقول:
مكتب المستشار عادل السيوفي اتفضل.
ليلى بلعت ريقها ولسه هتقفل الخط من الخوف، لكن الصوت رجع يقول بهدوء:
ألو حضرتك معايا؟
غمضت عينيها وهمست بصوت مبحوح خرج بالعافية:
أنا بتصل بخصوص إعلان الأم البديلة.
وساد صمت قصير، قبل ما الراجل يكرر بنفس الهدوء:
اتفضلي يا آنسة أنا سامعك.
غمضت ليلى عينيها للحظة وكأنها بتحاول تجمع شجاعتها كلها في نفس واحد وبعدها قالت بصوت مهزوز:
أنا قريت الإعلان ولو الشروط زي ما مكتوبة فأنا موافقة.
سكت الراجل كام ثانية وبعدها رد بهدوء:
القرار ده ما ينفعش يتاخد في مكالمة تليفون، تعالي المكتب بكرة وهشرحلك كل حاجة بالتفصيل وبعدها القرار هيبقى بإيدك لو حبيتي تمشي هتمشي ولو حبيتي تكملي هنكمل.
قفلت المكالمة وهي حاسة إن صوابعها كلها بتترعش وكأنها لسه ماسكة التليفون رغم إنه بقى فوق الترابيزة.
وفي تاني يوم، خرجت من البيت بعد ما قالت لأمها إنها رايحة إنترفيو شغل وأمها ابتسمتلها بنفس الابتسامة اللي كانت بتحاول تخبي بيها وجعها وقالتلها تدعي ربنا يكرمها، بينما ليلى كانت عارفة إنها رايحة لأصعب خطوة ممكن بنت تمشيها في حياتها.
وصلت عنوان المكتب وقعدت شوية قدام العمارة، بصت على الباب أكتر من مرة وكل مرة كانت تقول لنفسها إنها هتمشي ومش هتطلع، لكن أول ما افتكرت فاتورة المستشفى وصوت الدكتور وهو بيقول إن التأخير بقى خطر، قامت من مكانها وطلعت.
استقبلها المستشار عادل السيوفي بهدوء ورحب بيها وطلب منها تتفضل تقعد.
ولسه هي بتحاول تهدي رعشة إيديها
الباب اتفتح.
دخل راجل طويل، لابس بدلة سودة، ملامحه جامدة، لكن التعب كان باين في عينيه أكتر من أي حاجة تانية.
وقف المحامي وقال:
أستاذ كريم دي الآنسة ليلى.
رفع كريم عينه ناحيتها وبصلها نظرة سريعة وبعدها هز راسه وقعد مكانه من غير ما يقول ولا كلمة.
أما ليلى، فكانت أول مرة تشوف الراجل اللي هتبقى شايلة ابنه في بطنها شهور كاملة.
بدأ المحامي يشرح العقد بند بند، من أول الإجراءات الطبية، لحد المتابعة، لحد المصاريف وكل كلمة كانت بتقع على قلبها أتقل من اللي قبلها، لحد ما وقف عند البند الأخير وقال:
أول ما الطفل يتولد، هيتسلم لوالده مباشرة ومن اللحظة دي العقد بينتهي وهيطلقك رسمي وهتاخدي كل حقوقك. وهتخلي كل مسؤوليتك عن الطفل.
سكتت ومردتش.
أما كريم فكان متابع كل تعبير بيظهر على وشها ولما شافها ساكتة ومترددة، افتكر إنها بتفكر ازاي تزود الفلوس، فقال بهدوء:
لو في أي شرط مش مناسب ليكي تقدري تعتذري دلوقتي.
بصتله ثواني وفي عينيها دموع حاولت بكل قوتها تمنعها تنزل وبعدها قالت:
لا أنا موافقة.
في اللحظة دي، اتأكد جواه إنها دخلت الصفقة دي علشان المقابل المادي وبس.
أما هي فكانت بتحاول تقنع قلبها إنها تتخلى عن طفل لسه حتى ما اتخلقش.
فتح المحامي آخر صفحة في العقد وناولها القلم.
إيديها كانت بتترعش وهي بتمسكه.
بصت على المكان المخصص للتوقيع وحست إن اسمها عمره ما كان تقيل بالشكل ده.
لكنها في الآخر كتبت
ليلى.
ولما رفعت القلم، كانت حاسة إنها ما مضتش على ورقة
وانها مضت على وجع هيعيش معاها العمر كله.
بدأت الإجراءات الطبية بعدها بأيام.
نجحت عملية الحقن من أول مرة وعدت الشهور واحدة ورا التانية وبطن ليلى كانت بتكبر ومع كل حركة صغيرة من الطفل كانت تحاول تفكر نفسها إنه مش ابنها لكن قلبها كان في كل مرة يكذبها.
كانت تكلمه وهي لوحدها.
تضحك لما يحرك رجله.
وتعيط كل ليلة وهي فاكرة إن في يوم هيصحى من النوم وهي مش هتكون موجودة في حياته.
أما كريم، فكان بيتابع الحمل من خلال التقارير اللي المحامي بيبعتها له وبعد ما اطمن إن كل حاجة ماشية كويس، سافر بره مصر يبدأ رحلة علاجه وهو مقتنع إنه أول ما يرجع هيلاقي ابنه مستنيه.
ولما جه يوم الولادة دخلت ليلى أوضة العمليات وهي بتحاول تثبت نفسها، لكن قلبها كان بيرتعش من الخوف.
كانت عارفة إن الساعات دي هي آخر ساعات هتحس فيها إن ابنها قريب منها.
وبعد دقابق قطع صوت بكاء طفل صغير هدوء المكان.
أول صرخة
كانت كفاية تخلي دموعها تنزل من غير ما تحس.
حاولت ترفع راسها ومدت إيديها ناحية الصوت وهمست وهي بتنهج:
لو سمحتوا بس ثانية خلوني أشوفه.
لكن الممرضة كانت أسرع.
شالته من جنبها وخرجت بيه من الأوضة من غير ما تسيب لها حتى فرصة تبص في وشه.
ما لحقتش تشوف غير طرف البطانية البيضا اللي كان ملفوف فيها.
وبعدين اختفى كأنه ما كانش موجود أصلًا.
فضلت باصة على الباب المقفول وإيديها ممدودة في الهوا، كأنها لسه مستنية حد يرجعهولها.
لكن محدش رجعوه ليها
وبعد ساعات، خرجت من أوضة العمليات وهي بتجر رجليها، والدموع نازلة من غير ما تحاول تمسحها. سمعت أول صرخة لابنها… لكن ما عرفتش حتى تضمه لحضنها ولو لمرة واحدة.
الجزء الاول
