ج الاخير جارتي حكايات روماني مكرم
ج الاخير
## الجزء الثالث
لميت الشاش المكسور بتاع تليفوني من الأرض، وحطيت الجهاز في جيبي وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني. المكالمة بتاعة محامي نجوى كانت ضربة فوق دماغي فوقتني على الكابوس اللي أنا فيه. أنا دلوقتي مش بس خسرت شقا عمري وبقيت في الشارع، أنا كمان بقيت مهدد بالسجن.
فضلت ماشي في الشوارع لغاية ما الليل ليل عليا، ماليش مكان أروحه، ومفيش في جيبي غير مبلع بسيط لا يكفي إيجار أوضة في بنسيون. الشيطان اللي كان بيوزني ويجمل لي كلام عبير، اتمسح تماماً، وسابني لوحدي بوجع قلبي وندمي.
قررت أروح لبيت أخويا الكبير “محمود”. هو الوحيد اللي ماليش غيره بعد ربنا، رغم إني عارف إنه كان مقاطعني من يوم ما طلقت نجوى وبعت البيت.
وصلت بيت محمود ودقيت الباب وأنا هدمتي متبهدلة ووشي أصفر زي الليمونة. أول ما فتح وشافني بالحالة دي، ملامح الغضب اللي على وشه اتحولت لذهول:
“جابر؟ إيه اللي عمل فيك كده يا أخويا؟ فين شقتك الجديدة وعروستك اللي بعت الدنيا عشانها؟”
رميت نفسي في حضنه وبكيت زي العيل الصغير:
“طردتني يا محمود.. نصبت عليا وأخدت الشقة وطردتني في الشارع.. ضيعت نفسي وضيعت عيالي!”
محمود خدني من إيدي ودخلني الصالة، وطلب من مراته كوباية مية بسكر عشان أهدى. حكيت له كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم.. من أول تخطيط عبير لبيع البيت الملك، لحد ما مضيت لها على عقد الشقة الجديدة والكلِمة اللي قالتها لي في الوش.
محمود فضّل يسمعني وهو بيهز راسه بأسى، وبعد ما خلصت كلامي، بص لي وقالي بنبرة حاسمة:
“أنا قولت لك يا جابر.. اللف والدوران مابيتمرش فيه، ونجوى ست أصيلة ودعوتها ما وقعتش الأرض. بس دلوقتي مفيش وقت للعياط والندم. أنت في مصيبة قانونية. عبير معاها عقد بيع نهائي باسمها، يعني الشقة بقت ملكها قانوناً، ومحامي نجوى رافع عليك قضايا وممكن تتسجن.”
سألته بلهفة: “طب والعمل يا محمود؟ أنا هضيع.. مفيش أي طريقة أرجع بيها الشقة أو الفلوس؟”
محمود سكت شوية وهو بيفكر، وبعدين قال:
“إحنا لازم نروح بكره الصبح بدري للأستاذ فريد، محامي شاطر جداً وصاحبي، نشوف ثغرة في العقد ده، أو نرفع قضية ‘صورية عقد’.. بس الأهم من ده كله، لازم نشوف حل في قضايا نجوى وعيالك.. دول لحمك يا جابر، والقرش اللي هتدفعه لهم هو اللي ممكن ينجيك من اللي أنت فيه.”
تاني يوم الصبح، كنا قاعدين في مكتب الأستاذ فريد. المحامي قرأ تفاصيل الموضوع وبص لي بنظرة فيها لوم شديد، وقال:
“يا أستاذ جابر، الموقف القانوني صعب.. أنت مضيت على عقد بيع نهائي، وفيه بند بيقول إنك ‘قبضت التمن عداً ونقداً’. عبير دلوقتي تقدر تطلعك برة الشقة بقوة القانون لو رجعت هناك. لكن.. إحنا ممكن ندور على شهود، أو نثبت إنها معندهاش مصدر دخل يخليها تشتري شقة بالمبلغ ده، ونرفع دعوى ‘بطلان عقد وصورية مطلق’. بس القضية دي بتاخد وقت طويل في المحاكم.”
المحامي سكت شوية وكمل: “أما بخصوص طليقتك نجوى، فأنا رأيي تحل معاها ودي.. لأن أحكام النفقة والتبديد سريعة، ولو صدر ضدك حكم حبس نفقة، مش هتعرف تتابع قضيتك ضد عبير وأنت ورا القضبان.”
خرجت من عند المحامي وأنا حاسس إن طاقة النور الوحيدة هي إني أصلح غلطتي مع نجوى، حتى لو مش هترجع لي.. على الأقل أطلب منها السماح وأضمن عيالي.
روحت على الشقة الإيجار اللي نقلتهم فيها قبل الطلاق. وقفت قدام الباب وإيدي بتترعش وأنا بمدها عشان أرن الجرس. وقلبي كان بيدق بعنف.. يا ترى نجوى هتقبل تقابلني بعد اللي عملته فيها؟ ولا الزمن دار ولقيت نفسي أنا اللي واقف ذليل على بابها؟
## الجزء الرابع (وقبل الأخير)
فضلت واقف قدام الباب وجوايا صراع يهد جبال. دقات قلبي كانت مسموعة في وداني، وصورة نفسي وأنا داخل مكسور لست كنت من كام أسبوع شايف نفسي عليها ومستقوي بفلوسي وجبروتي، كانت بتقتلني.
حطيت صباعي على الجرس ورنيت. ثواني وسمعت خطوات صغيرة ورا الباب، وصوت ابني الصغير “سيف” وهو بيسال بصوت طفولي: “مين؟”
الدموع خانتني وصوتي طلع مكتوم: “أنا يا سيف.. افتح يا حبيبي، أنا بابا.”
السكوت عم المكان للحظات، وسمعت وشوشة جوة، وبعدها الباب اتفتح بالراحة. كانت نجوى هي اللي واقفة. وشها كان دبلان، وتحت عينيها هالات سودا، لامة شعرها بطرحة بيت بسيطة. أول ما شافتني بالحالة دي—هدومي متبهدلة، عيوني حمرا من البكا، وكتفي مهدود—ملامحها اتغيرت من الجمود للدهشة، بس بسرعة رجعت رسمت الوش الخشبي الصارم.
“عايز إيه يا جابر؟ وجايب رجلك هنا ليه تاني بعد ما رميتنا الرمية دي؟” قالتها بنبرة حزينة لكن قوية.
نزلت على ركبي قدامها من غير ما أحس، وبكيت بحرقة وأنا بمسك طرف عبايتها:
“سامحيني يا نجوى.. سامحيني يا أم عيالي. ربنا جاب لك حقك مني تالت ومتلت وفي أسرع وقت. الست اللي بعتكم عشانها نصبت عليا، أخدت الشقة تمن البيت كله ورمتني في الشارع.. أنا دلوقتي حافي وماليش مأوى ومهدد بالحبس!”
نجوى بصت لي بنظرة طويلة، مزيج من الصدمة، والوجع، والشفقة. ورغم كل الكسرة اللي سببتها لها، مسمحتش لنفسها تشمت فيا. وطت ومسكتني من كتفي وقومتني:
“ادخل يا جابر.. ادخل ميتصحش وقفتك دي في المدخل قدام الجيران.”
دخلت الشقة الإيجار اللي كانت ريحة نضافتها وهدوءها بيفكروني بالدفا اللي ضيعته بإيدي. قعدت على كنبة قديمة، ونجوى قعدت قصادي بعد ما دخلت العيال جوة.
“أنا مش شمتانة فيك يا جابر،” نجوى بدأت الكلام وصوتها هادي بس حاد: “بس ربنا مبيرضاش بالظلم. أنت بعت عشرة سنين وجردتني أنا وعيالك من الأمان لمجرد إن جارتك لفت دماغك بكلمتين. بعت بيتنا اللي عشنا فيه أحلى أيامنا عشان تضمن إني ما أخدش شقة تمكين أحمي فيها ولادك!”
“عارف.. والله العظيم عارف وعقلي كان متغيب،” رديت وأنا بداري وشي بإيديا: “المحامي بتاعك كلمني وبلغني بقضايا النفقة والتبديد. أنا مش جاي أهرب من حقكم، أنا جاي أقولك إني مستعد أكتب لك أي حاجة تضمن حقك، بس تقفي جنبي وماتسجنيش.. أنا لو اتسجنت مش هعرف أرجع مليم من الفلوس اللي النصابة دي خدتها.”
نجوى سكتت وفكرت شوية، وبعدين قالت:
“أنا هكلم المحامي بتاعي يأجل الجلسة يا جابر، مش عشان خاطرك.. عشان عيالك ما يشوفوش أبوهم بيتسحب في الكلابشات. بس بشرط.. تروح للمحامي بتاعي وتكتب إقرار وتعهد رسمي بجدولة كل حقوقنا دي، وتتنازل لي عن نصيبك في أي حاجة ترجع لك من الشقة الجديدة دي لو عرفت ترجعها.”
“موافق.. موافق على أي شرط يا نجوى!” قولت لها بلهفة وأنا حاسس إن روح صغيرة رجعت لي.
نزلت من عندها وأنا حاسس بإن ربنا لسه سايب لي فرصة بسبب طيبة الست دي وأصلها. اتصلت بأخويا محمود وروحت له، وابتدينا نتحرك. الأستاذ فريد، المحامي بتاعي، اشتغل بسرعة البرق. قدر يوصل لشهادة بواب العمارة اللي فيها الشقة الجديدة، والراجل شهد إنه سمع عبير وهي بتهددني وتساومني عشان أكتب الشقة باسمها. وقدرنا كمان نثبت بشهادة تحركات وحسابات بنكية إن عبير عمرها ما اشتغلت ولا تملك مليم واحد يدفع تمن شقة بالمبلغ ده، مما يثبت “صورية عقد البيع” وخلوه من “ركن الثمن الحقيقي”.
بعد أسبوعين من التحركات والمحاضر، وبمساعدة محامي نجوى اللي نسق معانا، المحكمة أصدرت قرار عاجل بفرض “الحراسة القضائية ومنع التصرف” في الشقة لحد ما القضية الأساسية تتحكم، وده معناه إن عبير لا هتعرف تبيع الشقة ولا تأجرها ولا تعمل فيها أي تصرف قانوني.
وفي يوم، وأنا واقف مع محمود والأستاذ فريد قدام باب الشقة الجديدة ومعانا قوة تنفيذ عشان نعلنها بالقرار وندخل ناخد متعلقاتي الشخصية اللي جوة، الباب اتفتح.
عبير كانت واقفة، بس وشها المرة دي كان خايف ومخطوف. شافتني ومعايا المحامي وأخويا ورجال التنفيذ، فصوتها اتهز وهي بتقول:
“أنتو جايين تعملوا إيه هنا؟ الشقة دي بتاعتي ومعايا عقد تمليك!”
الأستاذ فريد خطى خطوة لقدام، وبكل برود وثقة طلع ورق رسمي من شنطته ورفعه في وشها وقال بنبرة هزت الممر كله:
“العقد ده بليّه واشربي ميته يا مدام عبير.. الشقة دي بقت تحت الحراسة القضائية، وممنوع تتصرفي فيها بنص القانون، وقضية النصب وبطلان العقد شغالة.. ودلوقتي، يا تلمي حاجتك وتطلعي بالمعروف، يا إما…”
## الجزء الخامس (الأخير والحكمة)
وقفت عبير مبرقة، عينيها بتتحرك بين ورق الحراسة القضائية وبين وش المحامي وأخويا محمود. الوش المرعب والبرود اللي كانت بتكلمني بيه اتبخر تماماً، وحل محله رعب حقيقي من السجن والبهدلة.
بصت لي بنظرة استعطاف أخيرة، وحاولت ترجع لهجة الدلع اللي ضيعتني بيها:
“جابر.. هانت عليك حبيبتك؟ هانت عليك عبير؟ إحنا ممكن نتفاهم ونعيش هنا سوا.. بلاش الفضايح دي قدام الناس.”
في اللحظة دي، حسيت بنفور وقرف شديد منها. ازاي كنت مغيب للدرجة دي؟ ازاي سحرني كلامها لدرجة إني بعت لحمي ودمي عشانها؟
بصيت لها بمنتهى الجمود وقولت:
“حبيبتك دي تقوليها لواحد تاني يا عبير. اللعبة خلصت، والوشوش الحقيقية بانت. اطلعي برة الشقة وبأمر القانون، وأي قرش خدتيه مني هيرجع تالت ومتلت بالقايمة وبالمحاكم.”
المحضرين دخلوا الشقة وأجبروها تلم هدومها وحاجتها الشخصية، وخرجت من الباب وهي بتجر ذيول الخيبة والندم، بتبص للأرض من الفضيحة وسط جيران العمارة الجديدة. الشقة اتقفلت واتشمعت بقرار الحراسة القضائية لحين صدور الحكم النهائي ببطلان العقد، وهو الحكم اللي صدر فعلاً بعد شهور بفضل إثبات صورية العقد وعدم وجود أي مصدر دخل لعبير.
مرت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة كانت صعبة، بس كانت بمثابة “غسيل وتطهير” لحياتي.
الفلوس والشقة رجعوا، بس أنا ما دخلتهاش. بعت الشقة الجديدة، وروحت لـ “نجوى”. قعدت تحت رجليها ورجعت لها كل مليم من مؤخرها ونفقتها، واشتريت شقة تمليك جديدة باسمها وباسم عيالي.. أمنتهم بجد المرة دي، مش بخوف ولعب من ورا القوانين.
نجوى ما رجعتليش كزوجة بسهولة، وكان عندها حق؛ فالشرخ اللي بيحصل في الثقة مابيتصلحش في يوم وليلة. بس سمحت لي أكون قريب من عيالي، وبقيت بشتغل ليل نهار عشان أعوضهم عن الكسرة اللي سببتها لهم، وعلى أمل إن الأيام تداوي الجرح وأرجع لحضن بيتي الحقيقي.
### الحكمة من القصة
> “من استقوى بظلم غيره، سُلّط عليه من يظلمه ويجرده من قوته.”
>
البيوت لا تُبنى على أنقاض بيوت أخرى، والخراب الذي تزرعه في حياة من صان عشرتك وأخلص لك، سيحصد قلبه ندمًا ومرارة في الدنيا قبل الآخرة.
* **الظلم عاقبته وخيمة:** دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ومحكمة السماء أسرع بكثير من محاكم الأرض.
* **الطمع يعمي البصيرة:** من يبيع عشرة السنين لأجل “شهوة” أو “كلام معسول”، يسهل على الآخرين بيعه عند أول مفترق طرق.
* **القانون الإلهي ثابت:** الجزاء دائماً من جنس العمل؛ فمن أراد حرمان أولاده وزوجته من حقوقهم بالالتفاف على القانون، دارت عليه الدائرة وحُرم هو من ماله وأمانه.
